التجريب المسرحى من سؤال «ما هو» إلى «كيف يكون» ..قراءة نقدية فى كتاب «المسرحانية»

التجريب المسرحى من سؤال «ما هو» إلى «كيف يكون» ..قراءة نقدية فى كتاب «المسرحانية»

العدد 968 صدر بتاريخ 16مارس2026

يتناول كتاب المسرحانية لكاتبه د.محمد الخطيب، التجريب المسرحى لا بوصفه مجرد مجموعة من التقنيات الفنية أو تيارًا جماليًا عابرًا، بل باعتباره خطابًا معرفيًا تشكّل داخل سياقات تاريخية وثقافية متغيّرة. ينظر المؤلف إلى التجريب بوصفه علامة على تخلخل النسق الثقافى السائد، ولحظة تعيد طرح أسئلة حول الممارسة المسرحية المستقرة، بما يتجاوز الاهتمام بالشكل إلى مساءلة بنية الخطاب المسرحى ذاته.
ينتمى اختيار العروض المسرحية فى الكتاب إلى حقبة التسعينيات، حيث يبدأ من عام 1988 مع تأسيس مهرجان القاهرة للمسرح التجريبى، وينتهى فى عام 2001. وفقًا للمؤلف، هذا الإطار الزمنى يتيح دراسة التجريب المسرحى فى سياق تحولات معرفية وثقافية محددة، خصوصًا أن عام 2001 شهد حدثًا عالميًا بارزًا هو الهجوم على مركز التجارة العالمى، وما واكبه من تغيّر فى مواقع الخطابات ومفاهيمها عالميًا ومحليًا، ما مثل نهاية حقبة معرفية وبداية أخرى.
وفى هذا الإطار، يسعى الكتاب إلى نقل النقاش من سؤال «ما التجريب؟» إلى سؤال «كيف يكون التجريب؟»، مبتعدًا عن الاكتفاء بالبحث فى الجوانب الجمالية، ومركزًا على الشروط المعرفية والسياسية التى أسهمت فى ظهور التجريب المسرحى وتطوره.
يتكوّن الكتاب من أربعة فصول، ويبدأ من الفصل الثانى الجمع بين الجانب النظرى والتطبيقى؛ إذ يقدّم الجزء النظرى إطارًا مفاهيميًا لفهم التجريب، بينما يتناول الجزء التطبيقى تحليل ستة عروض مسرحية تجريبية،ويلاحظ أن تحليل العروض يتم وفقًا لمحاور محددة لكل فصل.
كما يوضح المؤلف العلاقة بين التجريب المسرحى والسلطة المعرفية السائدة، ليس من منظور أيديولوجى مباشر، بل من خلال استراتيجيات جمالية تسعى إلى زعزعة النموذج المسرحى التقليدى. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى العرض التجريبى بوصفه ممارسة فنية مقاومة، لا تهدف إلى تقديم بديل مكتمل، بقدر ما تعمل على إعادة تشكيل أنماط التلقى والتمثيل التى تكرّسها الخطابات الرسمية.
ويتوقف الكاتب عند تسمية كتابه بـ«المسرحانية» مميزًا إياها عن مفهوم «المسرحة» الشائع، مؤكدًا أن المسرحانية لا تعنى مجرد تحويل وسيط إلى آخر، بل تشير إلى عملية داخلية لصناعة الحدث المسرحى، ترتبط بالسياق الثقافى وحضور العرض. ويتيح هذا الطرح فهمًا أعمق للعلاقة بين الأداء المسرحى والخطاب الثقافى المحيط به.

حفريات التجريب: المدينة والسلطة والمعرفة
الفصل الأول يعرض التجريب المسرحى كممارسة معرفية وثقافية، تتجاوز الشكل الفنى لتصبح أداة لإعادة مساءلة المسرح وعلاقته بالجمهور. يوضح المؤلف كيف شكلت المدينة والمناخ الثقافى بيئة خصبة للتجريب، حيث يصبح المسرح ساحة صراع بين المعرفة والسلطة، مستندًا إلى أفكار فوكو حول الخطاب والسلطة. كما يقدم مفهوم الجيومسرحى الذى يرى الفضاء المسرحى عنصراً نشطًا فى إنتاج المعنى، وليس مجرد إطار مكان، موضحًا دور الموقع والمستوى المكانى للعروض فى إعادة توزيع السلطة بين المبدع والمتفرج.
يركز الفصل على التجريب التسعينى، الذى يعيد تعريف العلاقة بين الأداء والفكر والثقافة، ويحوّل المسرح إلى خطاب معرفى متفاعل. العروض التجريبية تتشكل من ثلاثة عناصر مترابطة: التمثيل المعرفى، الشعرية الجسدية، والبنية العملية للفضاء المسرحى، لتخلق شبكة تسمح بالتحرر من سلطة المعرفة السائدة ومشاركة الجمهور فى إنتاج المعنى. فى هذا السياق، يقدّم المؤلف استراتيجية منهجية للقراءة المسرحانية، تحلل خطاب العرض وفق عناصره المختلفة – الجسد، الفضاء، الحركة، واللغة – باعتبار كل منها وحدة معرفية وسياسية فى بناء التجربة المسرحية.
يمكن القول إن العرض التجريبى يحقق حضورًا مزدوجًا جمالياً وفكرياً، ويحوّل المسرح إلى حدث وجودى يشارك فيه الجمهور فى إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الهويات المسرحية والثقافية. الفصل الأول يثبت أن التجريب ليس إضافة شكلية، بل ممارسة معرفية متكاملة تعتمد على استراتيجية قراءة مسرحانية منهجية لفهم خطاب العرض، ما يربط النظرية بالتطبيق ويؤسس لمقاربات نقدية دقيقة للتجريب المسرحى.

من النظرية إلى التطبيق
ابتداءً من الفصل الثانى، ينتقل الكتاب من بناء الإطار النظرى لمفهوم التجريب إلى تحليله بوصفه ممارسة مسرحية حية، حيث يُقسِّم المؤلف التحليل التطبيقى وفق محاور معرفية محددة، يخصص كل فصل منها لقراءة العروض المسرحية من زاوية مختلفة، بما يعكس تصور التجريب لا كمجرد أسلوب فنى، بل كخطاب ثقافى متعدد المستويات.

التجريب كممارسة معرفية
الفصل الثانى يأتى ليكمل هذه الرؤية النظرية من خلال تطبيق عملى على ستة عروض مسرحية بارزة: دوديتلو، تحية حليم، حيث تحدث الأشياء، اللعبة، الضفيرة، وقالت الراوية. هذه العروض تؤكد ما جاء فى النظرية، موضحة كيف يمكن للتجريب أن يصبح أداة نقدية وممارسة معرفية تتعامل مع السلطة والثقافة والمجتمع. فى «دوديتلو»، تتحول المسرحية إلى منصة نقدية للمسألة العربية والعالمية، عبر لغة ساخرة وجسد مرن يعكس الصراعات الاجتماعية والسياسية. أما «تحية حليم»، فتركز على الذات الإنسانية وتفاعلها مع الواقع الاجتماعى، حيث يصبح جسد الشخصية وسيلة للكشف عن تأثير المؤسسات والمجتمع على الفنان، مع توظيف الصور والذكريات لتشكيل فضاء مزدوج بين الواقع والخيال.
«حيث تحدث الأشياء» يقدم تجربة أكثر تشظيًا، حيث تتحول اللغة والجسد إلى أدوات قمع، ليكشف العرض عن الاغتراب اليومى وفقدان البعد الإنسانى، بينما «اللعبة» تحوّل الجمهور إلى شريك فعّال، مستخدمة اللعب المسرحى لكشف آليات السلطة الخفية وإعادة قراءة الواقع بوعى نقدى. فى «الضفيرة»، تصبح شقة وسط البلد فضاء مزدوج الدلالة، حيث يُستثمر قرب المتفرج فى بنية السلطة، ويصبح الجسد الأنثوى أداة طقسية لإظهار القهر الرمزى، بينما «قالت الراوية» تعيد توزيع حق الحكى، محوّلة التراث الشعبى إلى خطاب نسوى مقاوم، والجسد والحكى يصبحان أدوات إنتاج معرفة جديدة.
ما يجمع كل هذه العروض هو اهتمامها بالذات الإنسانية ومكانها فى مواجهة السلطة، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو معرفية، مع استخدام متنوع للجسد، اللغة، والصورة المسرحية لإعادة تشكيل العلاقات والقيم الاجتماعية. الفضاء المسرحى والسينوغرافيا يصبحان أدوات مركزية لإنتاج المعنى وتوزيع السلطة بين المبدع والجمهور، بينما التجريب المسرحى يكسر الهياكل التقليدية للنص والحبكة الزمانية والمكانية، ويحوّل الجمهور من متلقى سلبى إلى مشارك فعال.
 يظهر واضحًا أن التجريب المصرى فى هذه الفترة ليس مجرد ابتكار شكلى، بل مشروع معرفى وثقافى مقاوم. العروض الستة تؤكد ما عرضه المؤلف نظريًا: المسرح يصبح فضاءً لإعادة التفكير فى العلاقة بين الذات والآخر، بين الفرد والمجتمع، وبين السلطة والمعرفة. ومع ذلك، يبقى التحدى قائمًا فى مدى وصول التجريب إلى الجمهور العادى، فبينما العروض غنية فكريًا وفنيًا، فإنها تعتمد أحيانًا على فرضية فلسفية تتطلب وعيًا مسبقًا من المتلقى، ما يضع بعض الحدود على قدرتها على التأثير المجتمعى الشامل.

الجسد والفضاء بوصفهما خطابًا مسرحيًا
ينطلق الفصل الثالث من فرضية أساسية ترى أن التجريب المسرحى ليس مجرد خيار جمالى أو تقنية، بل ممارسة معرفية متجذرة فى بنية الثقافة والمجتمع. المدينة هنا ليست فضاءً محايدًا، بل شبكة سيميولوجية تنتج خطابات وتخفى أخرى، وترتب المعارف وفق هرم سلطوى محدد، ما يجعل التجريب المسرحى فعل تموضع داخل هذه الشبكة، ويمكّنه من إعادة إنتاج أشكال جديدة من السلطة الرمزية. العرض المسرحى يُفهم كخطاب شامل يتجاوز اللغة المكتوبة ليشمل الجسد، الحركة، الإيقاع، الفضاء، الصمت، والنظرة، ليصبح الكيان المسرحى ناطقًا ومنخرطًا فى علاقة مع الجمهور ليست علاقة مشاهدة سلبى، بل اشتغال معرفى وسياسى متبادل.
الجسد فى هذه العروض يتجاوز وظيفة التمثيل التقليدية ليصبح حامل معرفة وذاكرة وموقع صراع، فحركة الممثل، حضوره، أو انسحابه، وإيقاعه يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والسلطة، بما يجعل النص والمخرج عناصر متفاوض عليها وليس محددًا ثابتًا. السلطة الرمزية فى العرض المسرحى تتوزع بين النص والأداء والجسد والفضاء وآليات التلقى، ما يجعل التجريب يضع المتفرج أحيانًا فى موقف غير مريح، إذ لا يجد معنى جاهزًا، ويصبح جزءًا من اشتغال العرض كخطاب مقاوم، يُدوّن الوعى الجمعى ويترك أثرًا ثقافيًا.
تحليل العروض الستة فى الفصل الثالث يعكس هذا التوجه بشكل واضح. فى «قالت الراوية»، يعتمد العرض على السرد الشفاهى التمثيلى، حيث تتقمص الراوية الشخصيات وتصبح حلقة وصل بين الجمهور والحكاية، ويكشف جسدها عن فعل نقدى يتحدى السلطة الثقافية والاجتماعية التى تحجب صوت المرأة، ما يجعل الحكى المسرحى وسيلة لإنتاج معرفة جديدة. فى «اللعبة»، تتحول الصور والحركة والجسد إلى لغة أساسية، ويتجاوز العرض الكلام التقليدى، ليصبح المتفرج شريكًا نشطًا فى صناعة المعنى، وكسر وحدة الزمن والتسلسل المنطقى يضفى بعدًا معرفيًا وجماليًا فى آن واحد. أما «حيث تحدث الأشياء»، فتعمل الشخصيات كأشباح فى فضاء يعكس انسداد الأفق الإنسانى تحت وطأة السلطة، واللغة والجسد يتحولان إلى أدوات لإعادة قراءة الواقع بطريقة نقدية، ويجعل المتفرج متأملًا فى وجوده وحياة الآخرين.
فى الضفيرة، يبرز الجسد كأداة للسرد المكانى والزمنى، حيث تتشابك الحركة مع الصراع الطبقى والثقافى، ويعكس تراكم الخبرة الاجتماعية والتاريخية وتأثير السلطة على الحياة اليومية، ويصبح الأداء البدنى أداة إنتاج خطاب بصرى وجسدى قادر على فضح الاختلالات الاجتماعية. «تحية حليم» تعيد إنتاج حياة الشخصية التاريخية، ويصبح جسد العرض أداة لتجسيد الذاكرة الثقافية والشخصية، مع مزج الأداء الحى، الصور، والموسيقى لإنتاج عرض يمزج بين السيرة والتجريب المسرحى، ويواجه السلطة الاجتماعية من خلال كشف تأثير المؤسسات والمجتمع على صورة الفنانة. أما «دوديتللو»، فيستخدم السخرية والهزل السياسى، والجسد المرن يمثل أدوات السلطة والاضطهاد، ما يجعل المتفرج يشارك فكريًا وعاطفيًا فى قراءة الواقع النقدية.
الفصل الرابع يكمل هذا المنظور بتسليط الضوء على الفضاء المسرحى والسينوغرافيا. فالفضاء ليس محايدًا بل متعدد الأبعاد، مقدسًا ومدنسًا، احتفاليًا ومتعدد الدلالات، ويتفاعل مع الممثل والمتفرج ليشكّل تجربة معرفية تتجاوز التمثيل النصى التقليدى. العلاقة بين الفضاء والمتفرج بعد سياسى وثقافى، إذ يحدد توزيع المكان وطبيعته الرمزية كيفية تلقى الجمهور للحدث المسرحى، ما يضع الفضاء فى قلب صراع السلطة بين النص التقليدى والمبدع الذى يسعى لتحرير العرض. كما تبرز السينوغرافيا كأداة لإنتاج المعنى، تشمل الضوء، اللون، الحركة، الكتلة، والفراغ لتصبح وسيلة تواصل رمزية بين العرض والمتفرج، تعيد توزيع السلطة بين المبدع والجمهور وتضفى بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا على التجربة المسرحية.
اعتمد الجزء التطبيقى فى هذا الفصل على تصنيف ثنائى للفضاءات: (البديلة) و(الثابتة)، الفضاءات البديلة (عرض الضفيرة، وعرض قالت الراوية)، والفضاءات الثابتة منقسمة إلى قسمين: مسرح الهناجر، ومسرح الأوبرا.
ففى عرضى «الضفيرة» و«قالت الراوية» وضح كيف يتحول الفضاء المسرحى من مجرد إطار مكانى إلى آلية فاعلة لإنتاج الخطاب ومساءلة السلطة، فشقة وسط البلد فى «الضفيرة» توظف قرب المتفرج لدخوله فى بنية السلطة، بينما فى «قالت الراوية» يصبح الفناء المفتوح وسيلة لنقل الحكاية النسوية من الهامش إلى العلن، والجسد أداة للكشف والمساءلة، والحكى فعل معرفى يشارك المتفرج فى إنتاج المعنى. الفضاءات الثابتة مثل مسرح الهناجر وعروض مثل «دوديتللو» و«حيث تحدث الأشياء» تسمح بمقارنة استخدام الفضاء والجسد والرموز، بينما فى مسرح الأوبرا، عروض «تحية حليم» و«اللعبة» تستفيد من الثبات المكانى لاستكشاف التماهى بين المتفرج والشخصية أو لتقديم فضاء مفتوح للرمزية والمراوغة.
يتضح من تحليل الفصلين - الثالث والرابع - أن الفضاء المسرحى، الجسد، والسينوغرافيا يشكلون شبكة مترابطة من العلاقات المعرفية والثقافية والسياسية، حيث يتحول كل عنصر إلى أداة لإنتاج الخطاب ومساءلة السلطة، وتظهر قدرة المسرح البديل على إعادة تعريف العلاقة بين الجمهور والمسرح، وتفكيك السلطة التقليدية للنص والمؤلف، مع خلق مساحة للابتكار والتجريب البصرى والمعرفى، ليصبح المسرح فضاءً لمقاومة الهيمنة الرمزية وإعادة إنتاج الواقع نقديًا وفنيًا، مؤكدًا أن التجريب المسرحى ليس مجرد أداء شكلى بل ممارسة معرفية وفلسفية تؤسس لتجربة ثقافية حية.
فى نهاية المطاف، يقدم كتاب المسرحانية قراءة متعمقة للتجريب المسرحى المصرى، ليس فقط كفن للمتعة البصرية، بل كممارسة معرفية ونقدية ترتبط بالسلطة والثقافة والمجتمع. العروض المسرحية التى تم تحليلها تؤكد أن التجريب ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين المبدع والجمهور، النص والمكان، الجسد والفكر. من خلال الجسد والفضاء والسينوغرافيا، يتحول المسرح إلى منصة مقاومة، تعيد توزيع السلطة، وتفتح آفاقًا جديدة للفهم النقدى والوعى الثقافى. وبهذا، يثبت التجريب المسرحى أنه ليس مجرد ابتكار شكلى، بل حركة ثقافية حية تُعيد التفكير فى معنى المسرح ووظيفته فى المجتمع، مؤكدًا أن الفعل المسرحى قادر على تحدى القوالب التقليدية، ومساءلة الهيمنة الرمزية، وإعادة تشكيل الوعى الفنى والاجتماعى فى الوقت ذاته.


نورهان ياسر