العدد 968 صدر بتاريخ 16مارس2026
فقدت الحركة المسرحية فى مصر برحيل الفنان ياسر صادق أحد أبنائها الذين جمعوا بين الممارسة الفنية والعمل المؤسسى. فقد كان ممثلًا ومخرجًا مسرحيًا، كما شغل مواقع ثقافية مهمة داخل وزارة الثقافة، ما جعله حاضرًا فى المشهد المسرحى من أكثر من زاوية: ممثلًا على الخشبة، ومخرجًا للعروض، ومسئولًا عن إحدى أهم مؤسسات توثيق التراث المسرحى فى مصر.
ولد ياسر ممدوح صادق فى 25 يناير 1963 فى بيت فنى؛ فوالده هو الممثل والإذاعى ممدوح صادق أحد مؤسسى الإذاعة المصرية، غير أن رحيله المبكر ترك أثرًا واضحًا فى حياته. التحق بجامعة القاهرة حيث درس بكلية التجارة - شعبة إدارة الأعمال، وتخرج عام 1985، لكن ميوله الفنية ظهرت مبكرًا من خلال نشاطه فى المسرح الجامعى. فقد ترأس فريق التمثيل بالكلية، وحصل على جائزة أفضل ممثل بجامعة القاهرة، ثم نال جائزة أفضل ممثل على مستوى الجامعات المصرية عام 1985 عن دوره فى مسرحية «لكع بن لكع».
كانت هذه التجربة نقطة الانطلاق الحقيقية نحو المسرح؛ إذ التحق بعدها بالمعهد العالى للفنون المسرحية، قسم التمثيل والإخراج، وتخرج فيه عام 1994 بتقدير جيد جدًا، فى دفعة من زملائه الفنانين ضمت: إيهاب فهمى، محمد رضوان، مها أحمد، صفاء الطوخى، طارق شرف، أحمد الشريف، شريف عواد، سعاد الهجان، نسمة محمود، جيهان فاروق، عبير فوزى، محمد خليل، أمين عامر، حسام عادل، أمنية المهدى، وخالد العيسوى، ليبدأ مسيرة فنية تنوعت بين المسرح والتليفزيون.
ظل المسرح يمثل اهتمامًا كبيرًا فى تجربة ياسر صادق. فإلى جانب عمله فى الدراما التليفزيونية، شارك بالتمثيل فى عدد من العروض المسرحية، من أهمها «يوم أن قتلوا الغناء» لمسرح الطليعة (2015)، التى تعد من الأعمال المهمة فى المسرح المصرى المعاصر وهى من إخراج تامر كرم. وكان قد اشترك فى بداياته فى مسرحية «تخاريف» (1989)، مع الفنان الكبير محمد صبحى، وشارك فى مسرحية «فصيلة إعدام» بمسرح الغد (1995) للمخرج محمد عمر، مسرحية «يوم القدس» (2000) لمسرح الغد. إخراج رزيق البهنساوى، مسرحية «سى على وتابعه قفة» (2009) إخراج مراد منير للمسرح الحديث.
كما خاض تجربة الإخراج المسرحى فى عدد من العروض، منها:
لمسرح الشباب: لحظة حب (2000)
مسرح الغد: كرسى فى الكلوب (1996)
المسرح الحديث: الرحمة المهداة ( 2007- 2008) - السراج المنير (2009-2010) - شيخ العرب السيد البدوى (2010-2011) - فيه إيه يا مصر (2011-2012) - أبو الثوار (2012-2013).
المسرح الكوميدى: حوش بديعة (2015) - الهرم ده بتاعى (2017) - حب رايح جاى (2020).
للبيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية: لحظة حب (2020).
وقد اتسمت هذه التجارب بطابعها الاجتماعى القريب من الجمهور، فى إطار من الكوميديا أو السخرية التى تتماس مع الواقع المصرى، واتسم بعضها أيضًا بالطابع الصوفى والروحانى.
امتدت مسيرته الفنية عبر عشرات الأعمال التليفزيونية التى تنوعت بين التاريخى والدينى والاجتماعى، فشارك فى مسلسلات مثل:
«نسيج العنكبوت، الحب والثمن، وكان لقاء، بيت العيلة، الوفاء لا يعرف الحدود، محمد رسول الله إلى العالم، درس العمر، القضاء فى الإسلام، الصديقان، السحت، أبناء ولكن، عمر بن عبدالعزيز، ستة على اليمين، حلال المشاكل، أشواك الحب، امرأة هزت عرش مصر، الخط الأبيض، اثنين اثنين، أحلام فستق، فقط فى منتصف الليل، عصر الأئمة، برىء فى ورطة، أبو حنيفة النعمان، كلام فى كلام، ذكاء شرطى، دهب قشرة، دانتيلا، أوراق من المجهول، الإمام ابن حزم، نسر الشرق، خيانة، الليث بن سعد، العشق الإلهى، حب فى الخريف، مغامرات الأمير باسم، خالف تعرف، ابن ماجة القزوينى، طرح البشر، زمن عماد الدين، جائزة نوفل، انظر حولك وابتسم، الهودج، البحث عن شقة الزوجية، الناس فى كفر عسكر، المرأة فى الإسلام، الخيط الأبيض، قصاقيص ورق، عباد الرحمن، طائر الحب، دوائر الشك، دائرة الاشتباه، العندليب: حكاية شعب، عيون ورماد، العارف بالله الإمام عبدالحليم محمود، بالألوان الطبيعية، إنسانى إنسانى جدًا، الأشرار، الجماعة، لحظات حرجة، فرح العمدة، ودنيا جديدة.
وفى السنوات الأخيرة شارك فى عدد من الأعمال الحديثة مثل: رماد، بت القبايل، الفتوة، أيام، إلا أنا (ج2)، أيام 2، المداح: أسطورة الوادى – الجزء الثانى، أسيل، لحظة غضب، قلع الحجر، الحشاشين، وعهد أنيس».
لم تقتصر علاقة ياسر صادق بالمسرح على المشاركة فى العروض فقط، بل امتدت إلى العمل المؤسسى داخل وزارة الثقافة. عندما تولى إدارة المسرح الحديث، فكان الفنان ياسر صادق أحد الأسماء التى تركت أثرًا واضحًا فى إدارة المسرح، إذ ارتبط اسمه بجهود ملحوظة فى تطوير البنية التقنية للمسرح من خلال أعمال الصيانة والتجديد وتحديث الأجهزة. وقد تولى قيادة فرقة المسرح الحديث لفترة شهدت نشاطًا ملحوظًا، غير أن أزمة نشبت حول لوحة للفنان التشكيلى صلاح عنانى أنهت استمراره فى هذا المنصب. وخلال تلك المرحلة قدمت الفرقة تحت إدارته عددًا من العروض، من أبرزها مسرحية «رئيس جمهورية نفسه» بطولة محمد رمضان، التى حققت نجاحًا جماهيريًا لافتًا وكانت من أعلى العروض إيرادًا فى موسمها، إلى جانب عرضى «رجل بلا أجندة» و«باب الفتوح» للمخرج الكبير فهمى الخولى، كما كان يجرى الإعداد فى تلك الفترة لتقديم مسرحية «غيبوبة» بطولة أحمد بدير.
ثم شغل منصب وكيل وزارة الثقافة وتولى رئاسة المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، وهو أحد أهم المؤسسات المعنية بتوثيق التراث المسرحى فى مصر. واستطاع فيه ياسر صادق أن يحقق نجاحا وتطورا ملحوظا لنشاط المركز، كما أعاد إصدار مجلة «المسرح» بعد توقفها لسنوات وجاهد طوال فترة مسئوليته من أجل استمرارها وسط كل المعوقات التى واجهها، كما أعاد سلسلة توثيق المسرح المصرى للوجود بإصدار كتابى توثيق عامى 1926 و1927، كما طور جهود توثيق العروض المسرحية بتصويرها بأجهزة حديثة، ورسخ للندوات الفكرية النقدية لتلك العروض بالمركز القومى، إضافة إلى إنشاء وتطوير متحف المقتنيات، كما أنشأ عدة منافذ لتوزيع إصدارات المركز بجميع مسارح الدولة.
تولى الفنان ياسر صادق إدارة المهرجان القومى للمسرح المصرى فى مرحلة مهمة من مسيرته، حيث عُيّن مديرًا للمهرجان خلال الدورتين السادسة عشرة والسابعة عشرة، وذلك فى ظل رئاسة الفنان محمد رياض للمهرجان. وقد اضطلع خلال هذه الفترة بمسئوليات تنظيمية وفنية واسعة، شملت الإشراف على التحضيرات اللوجستية والفنية، والتنسيق بين جهات الإنتاج المسرحى المختلفة المشاركة فى الفعاليات، إلى جانب إدارة المسابقات والعروض والأنشطة المصاحبة من ندوات وورش عمل. وأسهم بخبرته المسرحية والإدارية فى الإعداد للدورة السابعة عشرة وتجهيز برنامجها، غير أنه اعتذر عن الاستمرار فى إدارة المهرجان قبيل انطلاقها مباشرة لظروف خاصة، بعد أن كان قد أنجز الجزء الأكبر من مهام التحضير والتنظيم.
وإذا نظرنا إلى تجربته فى سياقها الأوسع داخل الحركة المسرحية المصرية، فإنها تكشف عن ملامح جيل كامل من خريجى المعهد العالى للفنون المسرحية فى التسعينيات؛ وهو الجيل الذى دخل المجال الفنى فى مرحلة شهدت تراجعًا نسبيًا فى الإنتاج المسرحى مقارنة بالعقود السابقة، مقابل اتساع مساحة الدراما التلفزيونية. وقد دفع هذا الواقع كثيرًا من أبناء ذلك الجيل إلى التحرك بين المسرح والتليفزيون بحثًا عن الاستمرار المهنى. وفى هذا السياق يمكن فهم مسيرة ياسر صادق بوصفها نموذجًا لفنان حافظ على صلته بالمسرح، ليس فقط عبر التمثيل والإخراج، بل كذلك عبر العمل المؤسسى داخل وزارة الثقافة. وهكذا جمع فى مسيرته بين الفنان الذى يقف على خشبة المسرح، والمسئول الذى يسهم فى حفظ ذاكرة المسرح المصرى وتوثيقها.
وفى سنواته الأخيرة مال إلى الزهد والتصوف، وانشغل بالتقرب إلى أولياء الله الصالحين وإظهار محبته لآل البيت. وقد تجسد هذا الميل الروحى فى مبادرة إنسانية قام بها بجوار مقام السيدة زينب، حيث أنشأ ركنًا لإطعام الفقراء يمتد نشاطه طوال العام، وأقام بالقرب منه ليرعاه بنفسه، قبل أن يوصى باستمراره وقفًا خيريًا بعد رحيله.
فى الأشهر الأخيرة من حياته تعرض الفنان ياسر صادق لوعكة صحية شديدة نتيجة إصابته بورم انتشر فى جسده، ما استدعى دخوله العناية المركزة أكثر من مرة، قبل أن يرحل فى 26 فبراير 2026 عن عمر ناهز ثلاثة وستين عامًا.
وبرحيله يفقد المسرح المصرى فنانًا عرفه الجمهور عبر الدراما التلفزيونية، لكنه ظل فى جوهره ابنًا للمسرح؛ بدأ رحلته من خشبته فى المسرح الجامعى، وعاد إليه مخرجًا ومسئولًا عن إحدى مؤسساته، وظلت علاقته به ممتدة حتى اللحظات الأخيرة من مسيرته.