العدد 966 صدر بتاريخ 2مارس2026
كتاب «عبث إدريس وعبدالصبور فى المسرح المصري» للدكتور أحمد سخسوخ صدر عن المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية عام 2021، برئاسة الدكتور أبوالحسن سلام، آنذاك، وتمت مناقشته رسميًا فى أمسية بالمجلس الأعلى للثقافة يوم 17 أكتوبر 2021.
يأخذنا الناقد الكبير د. أحمد سخسوخ فى كتابه هذا إلى رحلة فكرية ممتعة، يفتح من خلالها ملفًا شائكًا طالما شغل المسرحيين: كيف تعامل كبار الكُتاب المصريين مع تيار العبث الأوروبى الذى اجتاح المسرح العالمى فى منتصف القرن العشرين؟ وهل استطاعوا أن يؤسسوا مسرحًا مصريًا أصيلًا أم ظلوا أسرى التأثر بالنماذج الغربية؟
والكتاب يركز على تجربتين بارزتين: مسرحية «الفرافير» ليوسف إدريس، ومسرحية «مسافر ليل» لصلاح عبدالصبور، وهما نصان مختلفان فى الطرح، لكنهما يلتقيان فى نقطة جوهرية: علاقتهما المباشرة بمسرح العبث.
فى مستهل الكتاب، قدّم أ.د. أبوالحسن سلام عرضًا وافيًا أضاء فيه على محاور دراسة د. سخسوخ، وربطها بمشروعه النقدى الأشمل الذى ظهر فى كتبه السابقة مثل «قضايا المسرح المصرى المعاصر». يذكّر سلام بتعريف سخسوخ للمسرح عام 1992 على أنه تعبير طبقى يعكس مصالح الطبقة التى تحتضنه، ويرتبط بالبنية التحتية والفوقية للمجتمع.
ثم يتساءل: إلى أى مدى ظل هذا التعريف صالحًا حين عاد سخسوخ عام 2000 لدراسة مسرح إدريس وعبد الصبور من منظور العبث؟ وما علاقة ذلك بحواراته مع الناقد العالمى مارتن إسلن - صاحب مصطلح «مسرح العبث» - الذى أشار إلى الصلة الوثيقة بين العبث والوجودية؟
تساؤلات سلام جاءت مفتوحة:
هل يقتصر العبث فى المسرح المصرى على إدريس وعبدالصبور وحدهما؟
ما موقعهما الطبقى إذا طبقنا تعريف سخسوخ؟
وهل يمكن القول إن سمات العبث اقتصرت على هذين الرمزين دون غيرهما؟
ويختم سلام مقدمته بالتأكيد على أن هذا الكتاب يمثّل لبنة تأسيسية لمشروع نقدى متكامل يتبناه المركز القومى للمسرح، رابطًا بين الواقع الإبداعى والحراك النقدى.
لذلك يأتى كتاب د. أحمد سخسوخ فى لحظة فارقة من تاريخ المسرح المصرى، حيث ما زالت الأسئلة القديمة حول الأصالة والمعاصرة، و»المسرح المحلى مقابل المسرح المستورد» تتكرر جيلاً بعد جيل. اختيار إدريس وعبد الصبور كنموذجين ليس صدفة، فهما يمثلان لحظة صدام المثقف المصرى مع تيار «العبث» الأوروبى، الذى ظهر فى الخمسينيات والستينيات كصرخة وجودية ضد الحروب والاغتراب.
والكتاب بهذا المعنى ليس مجرد بحث فى نصوص مسرحية، بل هو تشريح فكرى لمرحلة كاملة، وفيه يُعيد سخسوخ النظر فى محاولات التنظير والتجريب التى اصطدمت بأسئلة الهوية الثقافية.
المنهج الذى اعتمده سخسوخ فى كتابه:
يميل سخسوخ إلى النقد الجدلي-التاريخي: لا يقرأ النصوص منعزلة، بل يربطها بمواقف الكُتاب الفكرية ومقالاتهم التنظيرية. وهو بذلك يواصل مشروعه النقدى فى «قضايا المسرح المصرى المعاصر»، حيث ركّز على العلاقة بين المسرح والطبقة الاجتماعية.
لكن ثمة سؤال يفرض نفسه: هل استطاع فى هذا الكتاب أن يقدم نقدًا يتجاوز حدود «التأثر والتأصيل» ليكشف عن مأزق المثقف المصرى أمام الحداثة الغربية؟
فى مقدمة الكتاب، يستكمل د. سخسوخ مشروعه الذى بدأه فى كتابه عن توفيق الحكيم مفكرًا ومنظرًا مسرحيًا، حيث تناول مسألة التأصيل المسرحى، وفى هذا الكتاب، يركّز على يوسف إدريس وصلاح عبد الصبور، بوصفهما مثقفين انشغلا بتيار العبث الأوروبى، كلّ بطريقته:
إدريس رفع شعار «نحو مسرح مصرى أصيل» ودعا إلى العودة للسامر والأراجوز وخيال الظل، لكنه فى التطبيق (مسرحية الفرافير) وقع فى أسر تقنيات العبث الأوروبى،
عبد الصبور اعترف منذ البداية بتأثره المباشر بأونيسكو، فكتب «مسافر ليل» كصرخة وجودية تنتمى للعبث فى جوهرها وإن صيغت بلغة شعرية عربية.
دعاوى يوسف إدريس لتأصيل المسرح المصري
فى عام 1964، نشر يوسف إدريس فى المجلة المصرية «الكاتب» ثلاث مقالات تحت عنوان «نحو مسرح مصري» عرض فيها رؤيته حول اكتشاف وتأصيل المسرح المصرى، ثم قدم فى العام نفسه مسرحيته «الفرافير» كتطبيق عملى لأفكاره النظرية.
تركز مقالات إدريس على إعادة النظر فى المسرح المصرى للتفريق بين الأصيل والمستورد، بهدف تأسيس مسرح محلى يعكس طبيعتنا الثقافية. ويبدأ إدريس بالتأكيد على أن المسرح ينشأ مع تواجد الشعب، فهو وليد الاجتماع الجماعى، مثل الرقص الجماعى أو الأغنية المشتركة، حيث يشترط لتكوينه عنصران أساسيان: الحضور الجماعى وقيام الجماعة بعمل ما. ويشير إلى أن أشكال التسلية الشعبية، مثل القعدات الحشيشية، والغناء، والرقص، والمزاح الجماعى، تحتوى على عناصر تمثل الشكل المسرحى من وجهة نظره.
يبحث إدريس عن جذور المسرح الشعبى الأصيل فى مصر فى مسرح السامر بالقرية، الأراجوز، وخيال الظل بالمدينة، مشيرًا إلى أن المسرح المصرى المعاصر وُلد بطريقة غير شرعية، متأثرًا بالمسرح الفرنسى والتشيكى والأمريكى، حتى بعد ثورة 1952. ويطرح السؤال الجوهرى: هل يجب على المسرح المصرى المضى فى تطوير الأساس المعرب أم اكتشاف مسرحه الخاص بما يتوافق مع طبيعتنا الدرامية؟
ويؤكد إدريس على الفرق بين العلم والفن، فالعلم عالمى، أما الفن فهو محلى بطبعه، أى أن كل فن يعكس شعبًا يعيش فى بيئة ومزاج نفسى معين. لذلك، المسرح المصرى الحالى ليس تعبيرًا طبيعيًا عن بيئتنا، بل نقل عن المسرح الأوروبى، ما يحتم علينا البحث عن مسرحنا الأصيل عبر تعميق الجذور فى التراث المحلى وفتح نوافذ على الحضارة والثقافة الأوروبية لاكتساب أفكار وفنون دون تقليد.
فى التراث المحلى، يرى إدريس فى مسرح السامر حفلًا مسرحيًا خاصًا بالمناسبات، يقوم على شخصية رئيسية تسمى «فرفور»، وهى محور العرض ومصدر الضحك، يمثل البطل الذكى، الساحر، الحاوى، والفيلسوف فى آن واحد، ويعكس «الضمير الجماعى الساخر». كما يعتبر الأراجوز تطويرًا للجانب النقدى فى شخصية فرفور.
أما فتح النوافذ الحضارية، فيقصد به الاطلاع على الثقافة الأوروبية لاستيعاب الأفكار المفيدة وتنمية ثقافتنا وفنوننا دون تقليد أعمى.
دعاوى التأصيل الوهمية بين إدريس والحكيم
بعد مقالات يوسف إدريس الثلاثة بعنوان «نحو مسرح مصرى أصيل»، أصدر توفيق الحكيم كتابه «قالبنا المسرحى» متناولًا فكرة مشابهة، مع التأكيد على تجربته العملية السابقة فى المسرح الشعبى، مثل مسرحياته الزمار (????)، الصفقة (????)، ويا طالع الشجرة (??62)، حيث دمج فيها الفنون الريفية وربطها بالاتجاهات الأوروبية الحديثة.
يتضح أن الحكيم سبق إدريس فى التجريب الفعلى للشكل الشعبى، بينما كتب إدريس نظريًا، فجاء كتاب الحكيم كرد غير مباشر على آرائه، رغم أنه يسير فى اتجاهه النظرى أحيانًا.
الخلاف الأساسى بينهما:
إدريس ينفى وجود فن عالمى ويعتبره خرافة، ويركّز على المحلية المطلقة للمسرح المصرى، معتبرًا أى تجمع شعبى كـ»قعدة تنكيت أو قافية» شكلًا مسرحيًا.
الحكيم يرى أن الفن جزء من تطور عالمى يبدأ بالمحاكاة وينتهى بالابتكار، وأن القوالب العالمية ليست عائقًا، بل يمكن الاستفادة منها للوصول إلى قالب مصرى أصيل، مع الرجوع إلى الحكاواتى والمقلد والمداح كمصدر أصلى،
النقد الموجه لإدريس:
نظريته تميل إلى التجريد والبعد عن المنهج الجدلى، رغم سعيه لتخليص المسرح المصرى من العناصر الأجنبية، فإنه يستلهم بنية النص المسرحى من كوميديا ديلارتى الأوروبية (السيناريو العام والارتجال)، ما يجعل نفيه للعناصر الأجنبية غير فعّال.
لذلك رغم اختلافهما فى الرؤية ودرجة التركيز، فإن إدريس والحكيم يسعيان إلى الهدف نفسه: تأصيل المسرح المصرى، ويظل تأثير إدريس النظرى ملحوظًا فى توجيه مسار المسرح المصرى، خصوصًا عند تطبيق أفكاره على أعمال مثل الفرافير، حيث يمكن اختبار نظريته ضمن مسرح العبث.
الفرافير
تقوم المسرحية على فكرة كسر الحاجز بين الجمهور والمسرح، حيث يشترط إدريس أن تُعرض على خشبة دائرية أو فى حلقة يتجمع حولها الناس، ليصبح العرض احتفالًا جماعيًا يشارك فيه الجميع. يؤكد المؤلف أن الممثل لا ينبغى أن يندمج اندماجًا كاملًا فى الدور ولا أن يخاطب الجمهور مباشرةً كخطيب، بل يقف موقفًا وسطًا بين الاثنين، ليظل على صلة حوارية بالجمهور.
تبدأ المسرحية بظهور المؤلف على المنصة، ثم يدخل فرفور فى هيئة بهلوانية ويشتبك مع المؤلف فى جدل حول الأدوار. يبحثان عن «السيد» بين الجمهور، ويُختار رجل نائم ليقوم بالدور. ينشأ صراع بين «السيد» و»الفرفور» حول الهوية، الاسم، الوظيفة، والزواج، ويتطور الموقف إلى إنجاب أبناء وتراكم متطلبات الحياة.
ويتضح التناقض بين الاثنين: السيد يأمر ويسيطر، بينما الفرفور يثور ويتساءل: لماذا هو فرفور ولماذا الآخر سيد؟ ينتهى الصراع بمحاولة قلب الأدوار أو إقامة مساواة، لكن كل المحاولات تفشل. يدخل المتفرجون فى الحوار مقترحين أنظمة مختلفة (إمبراطورية، مساواة، حرية مطلقة...) لكنها تنهار جميعًا أمام واقع السلطة والحاجة المادية.
فى النهاية، وتحت ضغط الزوجات والأعباء، يعود السيد سيدًا والفرفور فرفورًا كما كانا فى البداية، لتظل المشكلة قائمة. وحين يلجآن إلى الانتحار كحل، يكتشفان أن حتى الموت لا يحقق المساواة، إذ يتحولان إلى ذرات يدور فيها الأخف (الفرفور/الإلكترون) حول الأثقل (السيد/البروتون)، ليُثبت إدريس أن العلاقة الجدلية بين السيد والفرفور أزلية ولا تنتهى.
عبثية الفرافير.. وفشل إدريس
قدّم يوسف إدريس فى مقالاته الثلاث مشروعه حول تأصيل المسرح المصرى، ثم كتب مسرحية «الفرافير» (1964) باعتبارها تطبيقًا عمليًا لهذه النظرية. غير أن المسرحية، بدلًا من أن تكرّس مشروعه، كشفت تناقضه؛ إذ جاءت مثقلة بتأثيرات المسرح الأوروبى خاصة مسرح العبث (بيكت، أونيسكو، أبولينير)، كما استندت إلى تقنيات من كوميديا ديلارتى والمسرح الملحمى (بريخت) ومسرح المضطهدين (أوجستو بوال).
وشخصية المؤلف فى بداية المسرحية تنقل أفكار إدريس بشكل مباشر، لكنها تتطور لتجسد فكرة الإله الخالق الذى يتلاشى لاحقًا، بما يحيل إلى الفلسفة العدمية النيتشوية.
وفرفور، الذى يبدو شبيهًا بمهرج السيرك أو الأراجوز، يحمل روح «ابن النكتة المصري»، إذ يسخر من المهن والأنظمة، لكنه يظل أسير سيده، فى دورة عبثية لا تنتهى،
وهنا البناء الدرامى قائم على حلقات دائرية متكررة: البحث عن اسم، وظيفة، زواج، أنظمة حكم، حرية… لكن كل محاولة تنتهى بالفشل، مما يعيد الأحداث إلى بدايتها، فى صورة لولبية تذكر بأسطورة سيزيف وبمسرح بيكت.
إدريس وقع فى خلط بين قوانين الطبيعة والقوانين الاجتماعية، فجعل علاقة السيد والعبد حتمية أبدية (إلكترون وبروتون)، وهو افتراض خاطئ يتجاهل فاعلية الإنسان فى التاريخ.
المسرحية هاجمت جميع الأنظمة (حتى الاشتراكي)، ولم تطرح بديلاً، مما منحها طابعًا عدميًا وفوضويًا.
رغم محاولته خلق «مسرح مصرى أصيل»، جاءت «الفرافير» نموذجًا لمسرح العبث الأوروبى أكثر من كونها نموذجًا مصريًا خالصًا. فقد استند إدريس إلى تأثيرات أوروبية واسعة، وهو ما ينقض أطروحته النظرية. ومع ذلك، أحدثت المسرحية ضجة كبرى فى الوسط المسرحى العربى وأسهمت فى تحريك النقاش حول الهوية المسرحية.
عبد الصبور والمسار المغاير
إذا كانت دعوى كل من توفيق الحكيم ويوسف إدريس قد انحصرت فى البحث عن ملامح المسرح المصرى الأصيل عبر العودة إلى الأشكال الشعبية والتراثية، فإن صلاح عبد الصبور فى مسرحيته مسافر ليل (1969) اتخذ مسارًا مغايرًا تمامًا، إذ اعترف بتأثره المباشر بالمسرح الأوروبى الحديث، وبخاصة مسرح يوجين أونيسكو، الذى وصف اكتشافه له بعد مشاهدة مسرحية الكراسى فى القاهرة بأنه من أمتع اكتشافاته الفنية. وبذلك لم يخف عبد الصبور انجذابه إلى الدراما الأوروبية، بل أعلن عنه بوضوح، على عكس ما فعله إدريس الذى حاول - نظريًا - أن يتخلص من تأثيراتها.
وقد رأى عبد الصبور أن إطلاق تسميات مثل «اللامعقول» أو «العبث» على هذا المسرح ينطوى على ظلم بيّن، لأنه – من وجهة نظره – لا يناقض العقل فى جوهره، وإنما يناقض القوالب الجامدة التى فرضها المنطق الشكلى الأرسطى، غير أن عبد الصبور لم يقدم تسمية بديلة محددة، كما لم يفسر بدقة ما يقصده بروح العقل فى مقابل منطق العقل، فجاءت صياغاته أقرب إلى اللغة الشعرية الغامضة منها إلى التحديد الفلسفى الواضح.
وإزاء ذلك يصبح ضرورياً التمييز بين أنماط التفكير الثلاثة: المنطق الشكلى الأرسطى الذى يقوم على الثبات ومبدأ الهوية وعدم التناقض، والمنطق الجدلى الذى يتجاوز ثبات الأشكال ليقرأ الواقع فى حركته وعلاقاته وتطوره، ثم العبث الذى لا ينتمى إلى أى منهما، بل يستند إلى الفكر الميتافيزيقى وينشأ عن أزمات الحضارة الغربية.
فالعبث، فى جوهره، لا يعنى باستلهام العقل ولا بروح العقل، وإنما يرتبط بالفلسفة الوجودية والثورات الميتافيزيقية منذ كيركجارد مرورًا بياسبرز وهيدجر وبرجسون وغيرهم، وهو أقرب إلى الغوص فى أعماق اللاوعى واستثمار الحلم والمخيلة والكتابة الأوتوماتيكية وسائر التقنيات التى تفصل ردود الفعل عن أسبابها الأصلية، الأمر الذى جعل كُتّاب العبث يلجأون إلى المخدرات أو الكتابة فى حالات نصف اليقظة تعبيرًا عن مكنونات الباطن.
وفى هذا السياق، يُعدّ مصطلح «مسرح العبث» الذى أطلقه الناقد مارتن إسلن فى مطلع الستينيات أدق فى التعبير عن هذا الاتجاه من مصطلح «اللامعقول»، وإن لم يخلُ من مشكلات منهجية بسبب محاولته رد تاريخ المسرح بأسره إلى تمهيد لهذا التيار. ومع ذلك فإن جوهر هذا المصطلح يظل أصدق فى توصيف طبيعة هذه الدراما التى مثّلها أونيسكو وبيكيت وغيرهما، والتى انبثقت من عمق الأزمات الحضارية الغربية.
إن تفسير صلاح عبد الصبور للعبث بدا محاولة لإضفاء طابع عقلى وروحى على اتجاه لم يعرف فى أصله سوى الانفصال عن العقل وأشكال التفكير المنطقى، وهو بذلك قدّم قراءة شخصية تختلف عن قراءات الفلاسفة والكتّاب الأوروبيين أنفسهم الذين عاشوا تجربة هذا التيار فى سياقهم التاريخى والحضارى، ومن هنا جاءت مسرحيته مسافر ليل انعكاسًا مباشرًا لهذا التأثر، حيث اعترف صراحة بأن نصه يحمل ملامح من غرامه الفنى بأونيسكو. وبذلك يختلف موقع عبد الصبور عن يوسف إدريس الذى رفع شعار التحرر من الأشكال الأوروبية ثم وقع فى تناقض تنظيره حين جاءت مسرحيته الفرافير مستندة إليها، كما يختلف أيضًا عن توفيق الحكيم الذى حاول أن يقف فى منطقة وسطى تجمع بين الاستفادة من الأشكال الأوروبية والعودة إلى الأصول الشعبية.
هكذا تكشف تجربة صلاح عبد الصبور أن مسار «العبث» فى المسرح العربى لم يكن مجرد امتداد لدعوات التأصيل، بل كان فتحًا مباشرًا على الدراما الأوروبية ومحاولة لتمثلها فى سياق محلى، وإن ظل هذا التمثل مشوبًا بقراءة خاصة منحته معنى يتجاوز ما طرحه أصحابه الغربيون أنفسهم.
مسافر ليل
مسرحية «مسافر ليل» لصلاح عبد الصبور مسرحية رمزية من فصل واحد، تدور داخل عربة قطار بين ثلاثة أشخاص: الراوى، المسافر، وعامل التذاكر. العامل يتلون بالأسماء والوجوه (الإسكندر، زهران، سلطان) ويمثل سلطة قمعية متجبرة تستعرض أدواتها من سوط وخنجر وسلاح، وتتهم المسافر البريء بجريمة كبرى هى «قتل الله وسرقة بطاقته الشخصية». ورغم تذلل المسافر وخضوعه، يقرر العامل قتله بالخنجر، ثم يكشف أنه هو نفسه القاتل حين يخرج البطاقة من صدره. تنتهى المسرحية بصرخة الراوى نحو الجمهور معلناً عجزه مثلهم أمام استبداد السلطة وسلاحها.
عبثية مسافر ليل ونجاح صلاح عبد الصبور
تتجلى فى مسرحية مسافر ليل آثار تأثر صلاح عبد الصبور المباشر بمسرح العبث وبخاصة بأونيسكو، إذ تبدأ المسرحية بموقف واقعى فى عربة قطار مع راكب مسافر، ثم يتطور تدريجيًا إلى موقف عبثى حين يظهر عامل التذاكر مدّعيًا أنه الإسكندر، ويتصاعد الحدث حتى يقتل الراكب البريء. ويشدد الراوى – الذى يمثل وعى الكاتب والجمهور – على الصمت والعجز، فى إشارة إلى استحالة مقاومة الطغيان.
استخدم عبد الصبور تقنيات أونيسكو، مثل «التكاثر» الذى يعنى تضاعف الضغوط النفسية حتى يخنق الفرد ويعزله عن التواصل، كما فى المستأجر الجديد. كذلك تظهر عبثية تغيّر الأسماء دون مبرر منطقى، كما فى المغنية الصلعاء، وهو ما نجده فى تنقل العامل بين أسماء متعددة («الإسكندر»، «زهوان»، «سلطان») وفى تكرار اسم «عبده» حتى يفقد معناه. أما المشهد الأخير، حيث يُقتل الراكب ويُحمل جثمانه، فيذكّر بنهاية مسرحية أميديه.
لا يقف تأثير عبد الصبور عند أونيسكو، بل يمتد إلى ألفريد جارى فى الملك أوبو، إذ يتشابه العامل مع أوبو فى نزعة القتل والتخلص من الأصدقاء والأعداء معًا، ثم السقوط فى عزلة قاتلة. كذلك استوحى عبد الصبور فكرة «موت الله» من نيتشه (هكذا تكلم زرادشت)، فجعل العامل يعلن مقتل الله وسرقة بطاقته الشخصية، ثم يبحث عن القاتل ليعيد النظام إلى الكون، لكنه يتضح أنه هو القاتل، فيتصرف كإله طاغية يقرر مصير الآخرين.
يجسد عامل التذاكر تاريخ الطغاة عبر العصور (الإسكندر، هانيبال، تيمورلنك، هتلر)، بينما يمثل الراكب البرىء ضحية الطبقات المسودة على مر التاريخ. بهذا التصور يقدّم عبد الصبور رؤية تجريدية للصراع الطبقى بين القاهر والمقهور، لكنه يصل فى النهاية إلى نغمة عدمية متشائمة، إذ يظل الراوى - رغم وعيه - عاجزًا عن الفعل، مكتفيًا بالصمت، مانحًا النص طابعًا وجوديًا يائسًا على غرار مسرح العبث الأوروبى، وعليه، فإن مسافر ليل تُعدّ مثالًا خالصًا لمسرح العبث فى صياغة عربية، إذ استطاع عبدالصبور أن يوظف تقنيات العبث والفلسفة الوجودية ليعكس قلقه العميق من عبثية العالم ولاجدوى المقاومة.
مما سبق يتضح لنا أن كتاب «عبث إدريس وعبد الصبور فى المسرح المصري» للدكتور أحمد سخسوخ يقدم قراءة تحليلية دقيقة لمحاولات التأصيل المسرحى لدى يوسف إدريس وصلاح عبد الصبور، مع إحالة عابرة إلى تجربة توفيق الحكيم. وقد اختار المؤلف مسرحيتى «الفرافير» و«مسافر ليل» بوصفهما نموذجين كاشفين لتداخل التنظير بالتطبيق، ولاختبار مدى تحقق مشروع «المسرح المصرى الأصيل» فى مواجهة تيار مسرح العبث.
وهنا يتضح أن يوسف إدريس، رغم دعوته الصريحة إلى العودة للتراث الشعبى (السامر، الأراجوز، خيال الظل) وتأكيده على جماعية الفعل المسرحى، وقع فى تناقض واضح بين الطرح والتنفيذ؛ إذ جاءت «الفرافير» أقرب فى بنيتها وتقنياتها إلى مسرح العبث الأوروبى، متأثرة ببيكيت وأونيسكو وبريخت، أكثر من انتمائها إلى المسرح الشعبى الذى بشّر به.
أما صلاح عبد الصبور، فقد قدّم فى «مسافر ليل» تجربة عبثية واعية بجذورها الغربية، معترفًا بتأثره المباشر بأونيسكو، وصاغ عبثًا ذا بعد شعرى وفلسفى، لكنه ظل فى جوهره محاكاة لنموذج أوروبى، لا تأسيسًا لرؤية مسرحية مصرية خاصة.
ونخلص فى النهاية إلى أن تجارب الحكيم وإدريس وعبد الصبور، على اختلاف منطلقاتها، انتمت فى جوهرها إلى المرجعية الأوروبية، وأن استدعاء التراث الشعبى جاء فى أغلب الأحيان توظيفًا شكليًا لم يحقق مشروع التأصيل المنشود. غير أن أهمية هذه المحاولات لا تكمن فى نتائجها المباشرة، بل فى كونها مهّدت الطريق لجيل لاحق من المسرحيين، مثل ألفريد فرج، محمود دياب، نجيب سرور، يسرى الجندى، وميخائيل رومان، الذين تعاملوا مع التراث الشعبى والتاريخى بوعى أعمق وأكثر التصاقًا بالواقع المصرى، ما أسهم فى تراجع موجة العبث لصالح اتجاهات مسرحية أكثر تجذرًا.
ويتميّز كتاب سخسوخ بربطه النصوص المسرحية بسياقها الثقافى والاجتماعى فى ستينيات القرن العشرين، حيث كان المسرح المصرى مأزومًا بسؤال الهوية بين الأصالة والمعاصرة. كما يكشف أن أزمة المسرح المصرى ليست أزمة تقنيات فنية فحسب، بل أزمة وعى ثقافى تتجدد عبر الأجيال.
ورغم ثراء الكتاب وجرأته النقدية، يمكن تسجيل ملاحظتين أساسيتين: الأولى أن حصر التحليل فى إدريس وعبد الصبور يضيّق من أفق المقارنة، وكان من الممكن توسيعه ليشمل تجارب موازية؛ والثانية أن الربط بين العبث والوجودية الغربية، على قوته، لم يتعمق بالقدر الكافى فى أثر السياق السياسى المصرى، خاصة ما بعد هزيمة 1967، فى شيوع خطاب العبث واليأس.
فى المحصلة، يقدّم الكتاب مراجعة نقدية واعية لتجربة جيل الستينيات، ويعيد طرح السؤال المركزى الذى ما زال مفتوحًا: هل نجح المسرح المصرى فى العثور على صوته الخاص، أم لا يزال عالقًا بين إغراء التراث وضغط النموذج الغربى؟