العدد 965 صدر بتاريخ 23فبراير2026
3/2/2 سردية المرأة مقابل سردية الرجل
تمثَّلت «سردية المرأة» و«سردية الرجل» بالتعارض فى عدد من العروض من نماذج الدراسة؛ وهي: «الأيام المخمورة» (إخراج: عبد الرحمن طلعت؛ الأسكندرية)، «طقوس الإشارات والتحولات» (إخراج: أحمد زكي؛ القاهرة)، «الخروج عن النص» (إخراج: ماركو فؤاد؛ الشرقية)، «ظلال» (إخراج: هانى يسري؛ الغربية)، «خيط أحمر طويل» (إخراج: زينب العزب؛ الأقصر). ونلاحظ تكرار حضور تعارض السرديتين فى خمسة عروض مسرحية تنتمى إلى بيئات ثقافية متنوعة (الأسكندرية، القاهرة، الشرقية، الغربية، الأقصر)، لتكون السرديات المتصارعة الأكثر حضورًا وتكرارًا فى خطاب العروض المسرحية فى نموذج الدراسة.
سنولى اهتمامًا بالصراع الدرائر بين «سردية المرأة» و«سردية الرجل» فى خطاب العروض المسرحية نموذج الدراسة، بعرض مكوناتها البنائية المتصارعة؛ التالية:
• الفاعلون: نجد أن «سردية المرأة» تمثَّلتْ فى عدد من الشخوص الفاعلة؛ منها: (سناء) من عرض «الأيام المخمورة»، و(مؤمنة) من عرض «طقوس الإشارات والتحولات»، المرأة من عرض «خيط أحمر طويل»، لكنها لم تخرج من تمثُّلٍ ساذجٍ سطحى للسردية حول التعظيم الأنثوى للنفس حيث تم التحيز للمرأة لكن مع اختزال وتبسيط فى طرح وجهو نظر أحادية التكوين حول كون المرأة موضع اضطهاد من الذكور. كما نجد أن «سردية الرجل» تمثَّلت –كذلك فى عددٍ من الشخوص الفاعلة؛ منها: المفتى من عرض (طقوس الإشارات والتحولات»، والزوج (عبد القادر) من عرض «الأيام المخمورة»، والرجل من عرض «خيط أحمر طويل»، وكلها تمحورت حول النظام الأبوى (البطريركي) من حيث «كونه نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا سابقًا على الحداثة والرأسمالية، يعمل فيه الرجال على إخضاع واستعباد النساء»(رعد عبد الجليل الخليل، حسام الدين على مجيد؛ 2022م؛ ص46)، فلم تُقدم «سردية الرجل» ما يجعل المتلقى يميل إليها أو يقتنع بها، فقد كانت تُقدم بشكل يشوهها ولا يمنحها الفرصة لطرح نفسها بشكل واضح مقنع، باستثناء عرض «الخروج عن النص» لأنه اعتمد على تقديم «سردية الرجل» من خلال الرواية التوراتية لها، وهى رواية مترابطة مقنعة، عمل العرض على تفكيكها عبر أحداثه.
• الأحداث: تمثَّلتْ «سردية المرأة» فى أحداث العروض الثلاثة («الأيام المخمورة»، «طقوس الإشارات والتحولات»، «خيط أحمر طويل») حيث كانت المرأة تحـيا فى مجـتمع ذكورى، يعـتمد عـلى مركزية الـذكر داخـل المجـتمع وهـامشية المرأة، وهـو ما أنتج مركزية مكانة الـذكر وهـامشية مكانة المرأة، ومنح الذكر حرية الفعل، وحرمها على المرأة، وهـو ما أثر بدوره عـلى نمط العـلاقـة الاجـتماعـية بين الـذكر والمرأة، وقدمت «سردية المرأة» تفسيرًا لهذه الوضعية التى تمنح الذكر المركز وتضع المرأة على هامشه. وتُعرض الأحداث فى العروض الثلاثة عبر التسلسل التعاقبى، ويتم وضع علاقات بينها وبين غيرها من الأحداث. أما فى عرض «ظلال» فقد تمثلتْ «سردية المرأة» بشكل هامشى، وكذلك قدِّمتْ تمثُّلات رمزية لسردية المرأة فى عرض «الخروج عن النص» من خلال حكاية داخلية يلعب الممثل (برنار) وشريكه على تمثيلها؛ وهى قصة خلق (حواء)، ثم يتم معاضتها فى نهاية العرض بواسطة (ميشيل) التى أصبحت شريكة (برنار) فى عروضه المسرحية، ليكون هناك ترابط بين ماضى السردية وما آلت إليه العلاقة بين شخوصها.
• السياق: للغة نصيب عظيم فى السياق المُنتج لخطاب العروض الثلاثة («الأيام المخمورة»، «طقوس الإشارات والتحولات»، «خيط أحمر طويل»)؛ حيث أن النظام اللغوى هو نظام ذكورى بطريركى يتم فيه التواصل وفقًا لمخيلة ذكورية محضة(رعد عبد الجليل الخليل؛ ص230)، وهو ما ساهم فى وجود خَلال فى إدراك بعض النساء للعالم الناتج عـن العـلاقـة الاجـتماعـية المؤسـسة عـلى مركزية الـذكر فى اللغة ومركزية مكانته، ووضاعة المرأة وهـامشية مكانتهـا لغويًا؛ مما أدى إلى تعـزيز مركزية الـذكر ومركزية مكانته داخـل المجـتمع، وبدوره حـافـظ عـلى رسوخ المجـتمع الذكورى وثـوابته الاجـتماعـية، فجلب خروج المرأة الفاعلة فى سياق العروض الثلاثة عن النص الاجتماعى المعزز باللغة ومؤسسات المجتمع الدينية والدنيوية معارضة ذكورية شديدة، استلزمت عنفًا لغويًا وجسديًا أحيانًا. ففى عرض «الأيام المخمورة» يقول (عبد القادر) لزوجته (سناء) غاضبًا من سوء سلوكها المتصور معه: «كلما اقتربت منك يداهمك التعب. أتعرفين أن هذا نشوز، وأن الناشزات يُضربن». يمكن اعتبار التمثُّل الهامشى فى الأحداث لـ«سردية الرجل» فى عرض «الخروج عن النص» مركزيًا فى فهم تمثلات «سردية الرجل» فى باقى العروض فى هذا التحليل، إذ يقدم عرض «الخروج عن النص» تمثلًا فى الأحداث لسردية الرجل من خلال قصة خلق حواء عبر التمثيلية التوراتية «قصة الخلق»، فيحاكى (برنار) و(ميشيل) الحكاية التى يقوم الراوى بسردها بقوله: «غير أنه لم يجد لنفسه [يقصد: آدم] معينًا نظيره.. فأوقع الإله آدم فى نوم عميق.. ثم تناول ضلعًا من أضلاعه.. وعمل من هذا الضلع امرأة [هى حواء] أحضرها إلى آدم»، وهو ما استتبع فى «سردية الرجل» أن المرأة خلقت من الرجل لصالح الرجل، فهى شىء خاص ملكه يتصرف فيه كما يشاء، وليس للتابع أية حقوق لدى سيده، وعلى مر العصور صار الأمر استعبادًا، فعلى المرأة أن تتعبد فى رجلها، وتنتظر منه المنح والعطايا؛ فليس لها أية حقوق؛ حتى تحول استعباد الرجل للمرأة استعبادًا اجتماعيًا مؤسسًا ونظاميًا تحميه القوانين، فلاستعباد ليس أمرًا شخصيًا، ولا راجعًا إلى تدنى القدرات الفردية فقط بقدر ما هو حصاد بنية اجتماعية معينة ورؤى محددة، بالإضافة إلى كونه مؤشر على أداء هذه البنية الاجتماعية لوظائفها. وبهذا يمكن أن نفهم كلمات (وردة) إلى (مؤمنة) فى عرض «طقوس الإشارات والتحولات»؛ إذ تقول لها: «ألم يكن الشيخ الجليل.. أبوك هو الذى علمنى طبقات الفسق ومراتبه قبل أن أحيض، ثم تناوب على الابن مع الأب، ثم ألقوا بى فى الشارع لأن العرق دساس، ولأن حركاتى تنم عن فسق مبكر!». ومن خلال الحركة والإيماءة نجد الرجل فى عرض «خيط طويل أحمر» هو الذى يقوم بإخضاء المرأة ومجموعة النساء فى العرض حتى تصنع علامات «لا أرى»، «لا أسمع»، «لا أتكلم»، ويعلن الرجل للمرأة أنها هى المسئولة عن أفعالها بلغة رمزية: «شجرتك مرهونة بأفعالك»، دون أن يترك الرجال للمرأة حرية اختيار أفعالها.
إن عرض «الأيام المخمورة» عاد وصنع إدانة لترك (سناء) لزوجها، فقلب الصراع برمته لصالح «سردية الرجل»، مقدمًا إدانة لسردية المرأة، بينما نجحت النساء فى عرض «خيط أحمر طويل» فى التخلص من هيمنة الرجل، إذ تخلصن منه بذلك الخيط الأحمر الطويل الذى كان يتدلى من سقف المسرح طيلة العرض ويستخدمه الرجل فى إخضاع النساء، لقد فهم المرأة عبر الأحداث فى «خيط أحمر طويل» أن سرديتها الحقيقية ليست تعظيم نفسها الأنثوية فقط، أو فى نديتها للرجل، أو فى التخلى عن الرجل واستقلالية العيش، لكن سرديتها الحقيقة تكمن فى التخلى عن طاعتهن لذلك العالم الذى وصفه لهن الرجال.
• الترتيب الزمنى للأحداث: تخلت العروض عن استخدام النسق التعاقبى لتسلسل الأحداث، فقدمت الأحداث متشظية بغير ترتيب، مما يعمل على جذب تركيز المتلقى لمحاولة تجميع المشاهد وترتيبها زمنيًا لصنع نسق خطى للأحداث، مما جعل الترابط بين ماضيها ومستقبلها غير متماسك بنائيًا.
• السببية: ظلت السببية هى العلاقة التى يُعتمد عليها فى إعادة ربط الأحداث المتشظية فى فضاء العروض، فلم تخضع جميع الأحداث لأن تكون إما سببًا أو نتيجة، فالتحولات الحادثة للفاعلات لم تكن تحولات ثقافية أو فكرية بقدر ما كانت ردود أفعال، «فمجتمعات ما بعد الحداثة مجتمعات معلوماتية، إذ تتميز بكونها متشظية وتعددية ولا يجمعها مركز قوى»(رعد عبد الجليل الخليل؛ ص 203)، كذلك الأفراد فى تلك المجتمعات الحديثة، ربما كانت العروض تؤميء بخطابها المسرحى إلى ذلك.
3/3 خاتمة أخرى أولية
تصارعت عدة «السرديات الكبرى» داخل عروض نوادى المسرح فى الدورة الحادية والثلاثين، وقد شكلت سرديات (الدستوبيا ضد اليوتوبيا؛ والمرأة – ضد الرجل) قاسمًا مشتركًا فى عدد من العروض، وكان الصراع بينها على مستويين أحدهما بنائى حيث تتصاعد الأحداث وتكون السرديات من خلال تمثيلاتها هى محور الصراع الذى تُشيد من خلاله الحبكة الدرامية. أما المستوى الثاني؛ فكان على مستوى الخطاب الذى ينتجه العرض المسرحى وتوجيه المعنى به، كما فى عرض «الخروج عن النص» على وجه التحديد، فالعروض الأخرى كعرض «الأيام المخمورة» ينتصر لسردية الذكر ضد «سردية المرأة»، وعرض «خيط أحمر طويل» ينتصر لسردية المرأة، وعرض «أخر الأرض» ينتصر لسردية الديستوبيا عبر خطابه.
إن حضور «السرديات الكبرى» خلال العروض كان عبر تمثلاتها المتعددة والمتنوعة سواء من شخوص أو أحداث أو رموز أو عبر ممارسات بصرية أو سمعية، وكانت تعمل على أن تصنع هيمنة لوظيفتها –كسردية- على المعنى الذى ينتجه خطاب العرض، فقدمت (تبريرًا لما حدث من قتل) فى خطاب عرض «موسم الحرب والغناء»، وقدمت (تفسيرًا لفشل النجاة) فى عرض «أخر الأرض»، وقدمت (رصدًا لوضعية المرأة فى المجتمع الذكوري) فى عرض «طقوس الإشارات والتحولات»، أى أن السرديات هيمنت على خطاب العروض باستثناء العروض التى حدث بها إرتباك خلال تمثُّل السردية بالعرض، كعرض «ثامن أيام الأسبوع».
المراجع
• تحرير: جيمس ميردوند – الفضاء المسرحى – ترجمة: محمد سد، وآخرون – وحدة إصدارات المسرح – ع 15 – أكاديمية الفنون – القاهرة – مصر – بدون تاريخ نشر.
• نخبة من الباحثين – الفعل الثقافى ومشكلة المعنى – كتاب أبحاث المؤتمر العام لأدباء مصر الدورة 35 – الهيئة العامة لقصور الثقافة – الوادى الجديد – مصر – 2022م.
• جان بول سارتر – دفاع عن المثقفين – ترجمة: جورج طرابيشى – دار الآداب – الطبعة الأولى – بيروت - لبنان – 1973م.
• حسن حنفى – الهوية - المجلس الأعلى للثقاقة - الطبعة الأولى – القاهرة - مصر - 2012م.
• محمد إبراهيم عيد - دراسة تحليلية للاغتراب وعلاقته ببعض المتغيرات النفسية لدى الشباب - رسالة دكتوراه غير منشورة – كلية التربية - جامعة عين شمس – القاهرة - مصر – 1987م.
• محمد القاضى، وآخرون - معجم السرديات - الرابطة الدولية للناشرين - الطبعة الأولى - بلا بلد نشر محدد - 2010م.
• إيريكا فيشر-ليشته – جماليات الأداء: نظرية فى علم جمال العرض – ترجمة: مروة مهدى - المشروع القومى للترجمة - العدد 1968 – المركز القومى للترجمة – الطبعة الأولى – القاهرة – مصر – 2012م.
• أريستوفانيس – السُّحُب – ترجمة: أحمد عتمان – سلسلة من المسرح العالمى – العدد 18 و19 – المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب – الطبعة الثانية – الكويت – الكويت – سبتمبر ونوفمبر 2011م.
• برنار نوبل – الموجز فى الإهانة – ترجمة: محمد بنيس – دار توبقال للنشر – الطبعة الأولى – الدار البيضاء – المغرب – 2017م.
• جميل صليبا – المعجم الفلسفى – دار الكتاب اللبناني/مكتبة المدرسة – بيروت – لبنان – 1982م.
• جاستون بشلار - جدلية الزمن - ترجمة: خليل أحمد خليل - المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع - الطبعة الثالثة - بيروت - لبنان - 1992م.
• إيكه هولتكرانس – قاموس مصطلحات الأثنولوجيا والفلكلور – ترجمة: محمد الجوهرى، حسن الشامى – سلسلة ذاكرة الكتابة – العدد 9 – الهيئة العامة لقصور الثقافة – الطبعة الثانية – القاهرة – مصر – 1999م.
• جوردون مارشال - موسوعة علم الاجتماع - ترجمة: محمد الجوهرى، وآخرون - المجلس الأعلى للثقافة - المشروع القومى للترجمة - الطبعة الأولى - القاهرة - مصر - 2000م.
• مراد عبد الرحمن مبروك - العناصر التراثية فى الرواية العربية فى مصر: دراسة نقدية (1914 - 1986) - دار معارف – القاهرة - مصر - 1991م.
• أحمد زلط - معجم الطفولة: مفاهيم مصطلحية - دار هبة النيل للنشر والتوزيع - الطبعة الأولى - القاهرة - مصر - 1422 هـ/ 2001م.
• سعد الله ونوس - الأعمال الكاملة - الأهالى للطباعة والنشر والتوزيع - الطبعة الأولى - دمشق - سوريا - 1996م.
• عالم الفكر – المجلس الوطنى للقثافة والفنون والآداب - الكويت – الكويت - أكتوبر/ديسمبر 1998م:
• – المجلد 27 - العدد الثانى.
• العدد 186.
• مجلة علامات – مجلد 1 – العدد 3 – 1995م – ص 121. (نسخة إلكترونية) رابطها:
https://alamat.saidbengrad.net/?p=6692
• نشرة النوادى 31 – الإدارة العامة للمسرح – الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة – مصر - مايو 2024م:
• العدد الخامس
• العدد السابع
• العدد التاسع