العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026
عُرضت مسرحية «مزامنة الشفاه « لأول مرة عالميًا فى مسرح باربيكان بلندن فى سبتمبر 2008، وتطلبت من الجمهور الجلوس لمشاهدة ملحمة من تسعة فصول استمرت تسع ساعات. ورغم وجود فترات استراحة منتظمة نسبيًا، إلا أن طلب التركيز على هذا النوع من المسرح يتطلب جهدًا كبيرًا، وبالفعل، كان علينا بذل جهد كبير! كان حضور «مزامنة الشفاه» «عملًا شاقًا»، ليس فقط بسبب ضخامتها وسرعتها وما ترتب على ذلك من صعوبة فى تجميعها معًا لتكوين سرد متماسك، كما أشار جيمس رينولدز. بل حثتنا «ليب سينك» على تنمية مهاراتنا فى الانتباه والحركة الحسية، بالإضافة إلى قدراتنا التخيلية، وقدرتنا على بناء السرد، وإدراكنا الكلى.(1) من خلال تجسيد العلاقة المعقدة بين الصوت والكلام واللغة بشكل أدائى، تطلبت «مزامنة الشفاه» من الجمهور الانخراط فى مناورات انتباه معقدة ومرحة بطبيعتها. ومن الأمثلة التى لا تُنسى، بداية الفصل الخامس، بعنوان «ماريا».
يبدأ الفصل بماريا، فى منتصف المسرح، جالسةً إلى طاولة أمام حاسوب محمول. لقد خضعت للتو لجراحة فى الدماغ وفقدت قدرتها على الكلام. يخبرنا طبيبها أن العملية ستؤدى إلى فقدانها القدرة على الكلام، ولكن ليس صوتها. خلفها، يُعرض ما تراه على حاسوبها المحمول على شاشة عرض ضخمة؛ رسم بيانى صوتى. فى الدقائق التالية، يشهد الجمهور عملية تأليف مقطوعة موسيقية (تناغم رباعى على النمط الجريجوري) تُؤلف فى الوقت الفعلى. تبدأ ماريا بإصدار سلسلة من الأصوات الزفيرية، تقع بين الغناء والكلام. وبينما تُصدر هذه الأصوات، نراها فى شكلها المرئي/العلمى كترددات على الرسم البيانى الصوتى. بمجرد أن تُسجل هذا الخط الأساسى الأولى، تُوقف التسجيل، ثم تُعاوده باستخدام هذا المشهد الصوتى كأساس لإنتاج لحن ثانوى يُضاف إليه. يتكرر هذا مرتين أخريين، بحيث أنه فى المرة الرابعة، تُرتجل (أو يبدو أنها تُرتجل) على هذه النوتة الصوتية، ينتج نوع من التناغم الرباعى.
ليس فقط ما يُسمع، بل أن نبدأ بالتفكير فى كيفية سماعنا. يُشتق فعل «الاستماع» من كلمة «hlysnan»، وهى كلمة إنجليزية قديمة من أصل جرمانى، وتعنى «الانتباه إلى». وبالتالى، من الناحية الاشتقاقية والفينومينولوجية، يُعد الاستماع فعل انتباه: فالاستماع هو الانتباه إلى الصوت (الأصوات)؛ والتركيز عليه، وإبرازه، ومحاولة التقاط شكله أو طابعه أو جوهره. وقد كشفت تجربة حضور هذا الجزء من الأداء أن الانتباه يتجاوز مجرد الانتباه الأحادى البعد. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يعمل الاستماع على أكثر من مستوى فى الوقت نفسه. عند الاستماع إلى، أو بالأحرى الانتباه إلى، هذا التسلسل من تقنية «مزامنة الشفاه»، ووجود أكثر من صوت قيد التشغيل فى الوقت نفسه. عند الاستماع إلى، أو بالأحرى الانتباه إلى، هذا التسلسل من تقنية مزامنة الاستماع، ومع وجود أكثر من صوت واحد قيد التشغيل فى الوقت نفسه، كان عليّ أن أنخرط فى نوع من التلاعب الصوتي/السمعى. بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس الاستماع إلى مقطوعة موسيقية كورالية على الراديو، لعب وجود التجسيد المرئى للأصوات دورًا حاسمًا فى تجربة الاستماع. هذه الآثار، وهذه العلامات، مكنتنى من التمسك بالأصوات داخل المشهد الصوتى بشكل ملموس أكثر، مما ساعد فى عملية التلاعب السمعى. بعبارة أخرى، وكما أكد تيم إنجولد، فإن النظر ليس عدوًا للاستماع بل هو مُيسِّر له: «إن دمج الرؤية فى عملية الإدراك السمعى هو ما يحول السمع السلبى إلى سمع نشط». فالنظر والاستماع «يستحوذان» على بعضهما البعض. علاوة على ذلك، يُجسد هذا المشهد الطرق التى يجب على الجسد من خلالها أن يمدد نفسه من أجل الإدراك. طوال هذا المشهد، كنتُ على دراية بالحركة ليس فقط على مستوى الزمن (الموسيقى/الصوت الذى يمر عبر الزمن)، بل كنتُ على دراية أيضًا بالحركة الجسدية والوجودية التى قمتُ بها، بصفتى أحد رواد المسرح، أثناء الاستماع. وهكذا، لا ينطوى الاستماع على مجرد تفاعل مستمر مع إمكانيات بيئة معينة، بل يخلق مساحة: مساحات الاستماع.
بهدف استكشاف هذه الفكرة بشكل أعمق، واقتراح طرقٍ قد تُشكك من خلالها تجربتنا الصوتية فى المسرح المعاصر فى المفاهيم الراسخة للتجربة السمعية، لا سيما العلاقة الظاهرية بين الصوت ومصدره والمكان، سأتأمل الآن فى تجربتى لحضور عرض «شون-كين» لفرقة «كومبليستي». عُرضت المسرحية فى مسرح باربيكان فى فبراير 2009، وهى مستوحاة من أحد أهم كُتّاب القرن العشرين فى اليابان، جونيتشيرو تانيزاكى. تروى «شون-كين» قصة حياة عازفة شاميسن أرستقراطية، سادية مازوشية، وعمياء (شون-كين)، وخادمها وحبيبها وتلميذها المخلص، ساسكى، الذى يتعرض للإيذاء باستمرار، والذى يقضى حياته فى التدرب على عزف الشاميسن بإخلاص وتلبية كل نزواتها، حتى يُعمى نفسه فى النهاية كرمز للاتحاد النهائى.
لموقعنا فى المسرح دورٌ مهم فى إدراكنا للحدث المسرحى، ليس فقط من حيث «خطوط الرؤية» أو «خطوط السمع»، بل وبشكل أدق من حيث الانتباه: فالمواقع المختلفة تتطلب أنماطًا مختلفة من الانتباه. وينطبق هذا بشكل خاص على عروض مثل «شون-كين» التى تستخدم الترجمة النصية. كان مقعدى فى أقصى يمين قاعة باربيكان الضخمة، فى منتصف الصفوف تقريبًا. وعلى خشبة المسرح، بدا أن هناك أربعة مكبرات صوت، اثنان منها بأحجام مختلفة، على كل جانب، أحدهما فوق الآخر. والأهم من ذلك، أننى كنت فى نهاية الصف، لذا كان مقعدى مائلًا بزاوية حادة. ونتيجة لذلك، بينما كانت الترجمة النصية، المثبتة على الحائط، بجوارى مباشرة، على بعد أربعة أمتار تقريبًا فوق مستوى نظرى، شعرت أن خشبة المسرح نفسها هامشية بعض الشيء.... بسبب قربى من المسرح وموقعى فيه، كان من شبه المستحيل، أو هكذا شعرت على الأقل، قراءة الترجمة المصاحبة مع الحفاظ على نوع من الوعى المحيطى بمصدر هذه الكلمات. ومع ذلك، ومن المفارقات، أن وجود الصوت المُشغّل هو ما زاد من صعوبة هذه المهمة. ففى حالة شون-كين، كان المسرح مُضخّمًا بشكل كبير بواسطة العديد من الميكروفونات، لدرجة أن إدراكى للعلاقة بين الصوت ومصدره أصبح موضع شك. وقد كان هذا صحيحًا بشكل خاص فى حالة الكلام.
اقترح ريك ألتمان أنه فى المسرح «لا يساورنا أدنى شكٍّ على الإطلاق بشأن هوية المتحدث [...] فآذاننا تخبرنا بذلك». ومع ذلك، يستند تأكيد ألتمان إلى افتراض أن الممثلين على خشبة المسرح يتحدثون بشكل طبيعى دون مساعدة الميكروفونات أو مكبرات الصوت من أى نوع. وبالتالى، فى حالات مثل شون-كين، وإلى حدٍّ أقل، مزامنة الشفاه، حيث يتم تضخيم أصوات الممثلين بشكل متزايد من خلال ترتيبات وتكوينات معقدة لمكبرات الصوت، غالبًا ما تخطئ آذاننا. فعندما يبدو الصوت وكأنه منفصل بطريقة ما عن مصدره، تتأثر قدرتنا على التركيز على موقعه الأصلى سلبًا، وغالبًا ما يصبح الانتباه الموضوعى مجزأً ومشتتًا.
على سبيل المثال، فى بداية عرض «شون-كين»، يتقدم ساسكى، كرجل عجوز، ببطء نحو الجمهور. فى تلك اللحظة، سمعت صوت رجل عجوز قادمًا من مكان بعيد إلى يمينى. للحظة، لم أدرك حتى أن هذا الصوت صادر عن يوشى أويدا، الممثل الذى يؤدى دور ساسكى. كان هناك تعدد أبعاد غريب ومريب فى أصوات الكلام التى سمعتها. لم يقتصر الأمر على اتساع نطاق انتباهى، بل والأهم من ذلك، أن الضوضاء والإشارة أصبحتا فى حالة تغير مستمر. لم يكن الأمر أننى مشتت بسبب هذا الانفصال الغريب عن الجسد، بل إن حالة عدم اليقين المفاجئة بشأن مصدر هذا الصوت المجرد من الجسد قد سُجلت بوضوح فى صميم تركيزي: المحتوى الهامشى والموضوعى بدا للحظة وكأنهما يتعايشان فى حالة من الغموض الشديد والمسرحى بطبيعته. بعيدًا عن كونه ثابتًا ومتجانسًا، كشف هذا المثال عن الطبيعة الجدلية والديناميكية للانتباه. تُثير هذه الأحداث حواسنا الانتباهية، وتحفزنا بالتالى على الانتباه ليس فقط إلى غموض مجال الانتباه، بل إلى ديناميكيات فعل الانتباه نفسه. فمن خلال الانتباه، تبرز الضوضاء الخلفية لما يبدو غير ذى صلة، وتُسمع وسط النظام المُهيكل للقصد السردى والفنى. فى الواقع، يُشير هذا المثال إلى ضرورة الابتعاد عن الميل الطبيعى لفصل الانتباه عن التشتت، والتركيز بدلًا من ذلك على مناقشة ووصف الظهور الظاهرى لموضوع انتباهى مُحدد ضمن سياقه الانتباهى المُناسب.
ومن المثير للاهتمام، أن ظاهرة مماثلة حدثت خلال المشهد الافتتاحى لـ «مزامنة الشفاه». تبدأ المقطوعة بآدا، مغنية الأوبرا التى تؤدى دورها ريبيكا بلانكنشيب، واقفةً بمفردها، وكأنها «منغمسة» فى المشهد الصوتى الحزين والمنتشر لسمفونية جوريكى الثالثة الحزينة. فى البداية، سحرتنى، بل غمرتنى، ما رأيته - صورة امرأة فاتنة على خلفية حمراء غنية، مع موسيقى تصويرية تُغلف هذا المشهد بنسيج وثقل معينين. ثم، بعد بضع ثوانٍ، أدركت أن هذه المرأة فى المشهد كانت مصدرًا، أو بالأحرى مصدرًا مشاركًا، لهذا الصوت الجميل بشكل مذهل: بدت آدا، مغنية الأوبرا، وكأنها «منغمسة» (2) فى الصوت (الأصوات) الذى صنعته بنفسها. ينتج عن هذا الإزاحة للصوت من مصدره تأثيرات أخرى غريبة، أبرزها، الإنشاء اللحظى لما يُعادل «مقياس الصوت» المسرحى لميشيل شيون.(3)
على سبيل المثال، فى إحدى لحظات عرض «شون-كين»، سمعتُ صوت رجل عجوز يتحدث باليابانية، لكننى عجزتُ تمامًا عن تحديد هوية الجسد الذى صدر منه. نظرتُ حولى باحثًا عن أى دليل، وأمعنتُ النظر فى الترجمة المكتوبة والممثلين الصامتين على خشبة المسرح، لكننى لم أجد شيئًا. والجدير بالذكر أن هذا الصوت لم يكن مجرد صوت مسموع، أى صوت لا يمكن رؤية مصدره أو تحديده. بل، بما أن الصوت كان يُعاش وكأنه يقع فى قلب السياق السردى والمكانى، فقد تجلى كحضور غائب غريب، مما جعل الاستماع والنظر فى حالة من الاضطراب. ومع ذلك، كانت هذه التجربة قصيرة جدًا؛ فبمسح البيئة بحثًا عن معلومات، وبمدّى قليلًا إلى يمينى، تلاشت هذه الظاهرة الصوتية. وبينما كنتُ أمدّ يدى حول نسيج الأجساد أمامى، عثرتُ على الجسد الذى انفصلت عنه هذه الظاهرة الصوتية بشكلٍ مقنع: ألا وهو ساسكى. نشأت هذه الظاهرة كنتيجة مباشرة لتأثيرات الصوت المضخم بقوة على إزاحة الرؤية، بالإضافة إلى حقيقة أن رؤيتى لهذا الجزء من المسرح كانت محجوبة مؤقتًا. فعادةً، كما يلاحظ ألتمان، نستطيع تحديد الموقع الدقيق للممثل، حتى لو كانت الإضاءة خافتة وكان ظهره لنا، وذلك بفضل خصائص الإدراك السمعى التى تُحدد الموقع المكانى وتُحسّنه. مع ذلك، فى هذا المثال، ما قد يُوصف عادةً بأنه لحظة عابرة من انطفاء الرؤية، تحوّل إلى لحظة غامضة للغاية، وبالتالى مسرحية بطبيعتها، من الغموض الإدراكى حيث تم اختبار قدراتى التفاعلية بشكل كبير، وإن كان مؤقتًا. وكما يُبيّن هذا المثال، مع ظهور المشهد الصوتى المسرحى، تظهر تجارب مكانية صوتية مثيرة للاهتمام، وتحدّية، وغير مألوفة. ومع ذلك، فإن المشهد الصوتى للمسرح لا يبشر بعصر جديد من السمع حيث يتردد صدى الصوت، أو بالأحرى «الضوضاء». كما أن تجارب الغموض والالتباس، كما وُصفت أعلاه، لا تقتصر على مجال التشتت. فهذه الظواهر شبه الصوتية ليست فقط محفزًا لقدراتنا الانتباهية، بل إنها، إلى حد ما، ناتجة عن ممارسات الانتباه الجسدى الديناميكى. علاوة على ذلك، على الرغم من أن الكثيرين اقترحوا أن الصوت غير مكانى،(4) فإن هذا التصور لا يعتمد فقط على مفهوم إقليدي/هندسى للفضاء يستبعد مناقشة كيفية الشعور بالفضاء، بل إنه ينطوى على مفهوم خطى، أحادى الاتجاه، وثابت للإدراك، وهو مفهوم غير قابل للتطبيق. وتتجلى التجربة الظاهرية للشعور بالفضاء والمكانية فى مثالى الأخير.
وفى الدقائق الأخيرة من عرض شون كين، لاحت ظاهرة بالغة الجمال والجاذبية: فى مناسبتين أو ثلاث، ارتفع سرب من الطيور البيضاء الكبيرة بشكل مائل من خلف المسرح، ثم اختفى وهو يطير إلى الكواليس. كانت تجربة رؤية هذه الطيور نابضة بالحياة بشكل مذهل. كانت، بالطبع، مجرد صور معروضة على شاشة كبيرة. لكن هذه الحقيقة التجريبية كانت محجوبة إدراكيًا بصوت عالٍ؛ إذ كان كل عرض متزامنًا مع أصوات سرب من الطيور وهى ترفرف بأجنحتها. قد يقول قائل: «لا شيء غير عادى فى ذلك؛ فالتأثيرات المذهلة لتزامن الرؤية والصوت شائعة لدرجة أنها أصبحت عادة». ومع ذلك، كما تم إدراكها، كانت هذه الظاهرة بعيدة كل البعد عن الابتذال. أولًا وقبل كل شيء، يُشكك هذا المثال فى فكرة أن الحواس منفصلة؛ كانت تجربتى البصرية والسمعية للطيور شيئًا واحدًا: «السمع [كان] رؤية». وكما فى مثال إنجولد عن طائر الرعد، (5) كانت هذه الطيور هى الصوت الذى تُصدره أثناء تجوالها فى الفضاء؛ فقد كان المشهد مسموعا وكان الصوت مرئيا. ثانيًا، هذه التجربة تُعقّد النقاش حول مصدر الصوت. زوكير كاندل، مُتبعًا مفهومًا كلاسيكيًا للصوت، يُشير إلى أنه على عكس الرؤية، التى يتصورها على أنها «خارجية»، يُختبر الصوت على أنه «من الخارج نحوى، ومن داخلي». فى هذا المفهوم، يكون السمع سلبيًا، ويُعتقد أن الأصوات موجودة، إدراكيًا، ليس فى مصدرها، بل فى الأذن. ومع ذلك، يبدو أن تجربتى مع طيور شون-كين تُشير إلى عكس ذلك تمامًا. عند انتباهى لهذه الكائنات التى تُصدر أصواتًا تُشبه الطيران، شعرتُ بإحساس طاغٍ بالحركة الخارجية؛ لم يتبع جسدى مسار هذه الكائنات عبر الفضاء فحسب، بل تحرك معها أيضًا. باختصار، لقد تأثرتُ: عاطفيًا وجسديًا ووجوديًا. اقترح كيسى أوكالاهان مؤخرًا أن الأصوات تقع فى مصدرها. لكن فى هذه الحالة، لا ندرك الصوت فى مصدر ثابت ولا فى آذاننا؛ لا فى الخارج ولا فى الداخل، بل ندرك أنفسنا والصوت الذى نسمعه ضمن منطقة غير متجانسة، فضاء لا مكان له فى حركة دائمة. فى التمدد عبر الفضاء وفيه لفهم هذه المدركات العابرة بشكل لافت، اتضح أنه كما يحث إنجولد، «النظر والاستماع واللمس ليست أنشطة منفصلة، ??بل هى مجرد جوانب لنفس النشاط: نشاط الكائن الحى بأكمله فى بيئته».
فى هذا الفصل، أوضحت أن الاشكالية ليست التمسك بفكرة أن الانتباه يُعارض التشتت بشكل قاطع ومبسط فحسب، بل إنه من غير المقبول أيضًا ربط «الانتباه» بالرؤية و»التشتت» بالسمع. علاوة على ذلك، فقد اقتُرح أن الثنائيات التى تبدو مستعصية، وهي: النظر/الاستماع، والانتباه/التشتت، والإشارة/الضوضاء، والمتفرج/الجمهور، يُمكن تجاوزها بفعالية وتفعيلها من خلال إعادة النظر فى معضلة «إدراك المسرح» من منظور الانتباه. فبدلًا من فهم «ضوضاء» المسرح على أنها صوت غير مرغوب فيه أو غير مقصود، تم تقديم استخدام أوسع للمصطلح يضع «الضوضاء» فى علاقة جدلية مع «الانتباه الدينامى المتجسد فى العالم». وبدلًا من أن تكون الضوضاء مُعارضة تمامًا لظاهرة الانتباه، يجب علينا إعادة النظر فيها باعتبارها نتاجًا للانتباه ودافعًا له فى آن واحد. باختصار، يدعونا الأداء المعاصر بشكل متزايد، بل ويفرض علينا، إيجاد طرق جديدة للتعامل مع الأصوات، وحالات الوجود، و»الضوضاء» التى تتجلى فى ممارسة حضور المسرح.
أن تكون متفرجًا يعنى حضورًا سلبيًا وثابتًا. ومع ذلك، فإن ممارسة الاستماع فى المسرح تنطوى فى الواقع على تحولات فى الحركة، وتثاؤب، وتمددات، قد تبدو غير مهمة - مجرد ضجيج جسد مضطرب - لكنها فى الحقيقة جانب حيوى لا يتزعزع من إدراك المسرح نفسه. إن التعدد الهائل للمسرح المعاصر لا يسمح للمتفرج فحسب، بل ويطالبه أيضًا، بالقيام بمناورات انتباهية أكبر وأكثر تعقيدًا، بل إنه يجعلنا أكثر وعيًا بموقعنا الجسدى وتجربتنا داخل هذه المصفوفة الهائلة. فى توافق وثيق مع اقتراح براون بأن المشهد الصوتى للمسرح يتيح درجة جديدة من التفاعل مع ما كان يُعتبر تقليديًا مجرد ضوضاء خلفية (2005، 117)، فقد اقترحت أن المسرح المعاصر يدعونا أو يحثنا دائمًا على الانتباه إلى «مجال انتباهنا». لكن هذا الاستنتاج لا يُشير إلى «نهاية الضوضاء»، ولا يُوحى بالعودة المظفرة لـ»التفكير السمعى». بل إن المسرح، وربما أكثر من أى وقت مضى، يُجسّد الإدراك: فنحن مدعوون للتأمل فى الروابط المعقدة بين الحواس ودور الجسد فى الحدث الإدراكى. يُحس الصوت فى المسرح أولًا وقبل كل شيء؛ لكن هذه الظاهرة لا تتعارض مع السيميائية؛ فالعلامات تُحس والحواس تُشير. فى الواقع، هذا التشابك الديناميكى غير المحدد هو ما يُتيح مجموعة متنوعة من الأفعال الإبداعية. وهكذا، لا يُكشف عن الوجود فى الصوت إلا من خلال تفاعلنا النشط مع عالم الصوت: أو كما قال هايدجر: «لا يُمكن أن يكون علم الوجود ممكنًا إلا من خلال الفينومينولوجيا».
الهوامش
1- لقد صاغ دون إيد (1991) مفهوم التمييز بين الإدراك الجزئى والإدراك الكلى. وتقدم فيفيان سوبتشاك الملخص التالي: «أولًا من خلال الظروف المادية المحددة التى من خلالها تتفاعل هذه المفاهيم بشكل كامن مع حواسنا وتوسعها على المستوى الجسدى الشفاف والمعاش [...] إدراكنا الجزئى، ثم مرة أخرى من خلال وظيفتها التمثيلية الظاهرة التى من خلالها تتفاعل مع حواسنا بشكل واعٍ ونصى على المستوى التأويلى لما يسميه [إيد] إدراكنا الكلي» (سوبتشاك 1992، 138).
2- أصبح مفهوم «الانغماس» استعارة شائعة فى الخطاب النقدى المعاصر. ومع ذلك، وكما أوضحت فى موضع آخر (انظر أطروحة الدكتوراه غير المنشورة للمؤلف)، فإن الانغماس المعاش ليس كرويًا بشكل مبسط، بل هو دائمًا متعدد الأشكال وديناميكي: «الانغماس الكامل» خرافة تتناغم بشكل وثيق مع اعتقاد شائع آخر، وهو أن «الصوت كروي».
3- إن مصطلح شيون الجديد هو كلمة مركبة مشتقة من الفرنسية «être acousmatique» أو الكائن الصوتى (1999، 21)؛ ويوضح شيون أنه «عندما يكون الحضور الصوتى صوتًا، وخاصة عندما لا يكون هذا الصوت مرئيًا بعد - أى عندما لا نستطيع ربطه بوجه - فإننا نحصل على كائن خاص، نوع من الظل المتحرك والمتفاعل الذى نطلق عليه اسم مقياس الصوت» (شيون 1999، 21).
4- ومن أبرز المؤيدين لهذا الرأي: بيتر ستروسون، وستيفن هاندل، وجوناثان رى، ومؤخرًا ماثيو نودز.
5- يوضح إنجولد أن «طائر الرعد [على عكس الوقواق] ليس شيئًا ماديًا. فهو، كصوت الرعد، ظاهرةٌ تجريبية. ورغم أن الرعد هو ما يُسمع به وجود الطائر، إلا أن هذا الصوت لا يصدره طائر الرعد كما يصدر الوقواق نداءه. فالرعد هو الطائر نفسه، فى تجسيده الصوتى. لذا، فإن رؤيته لا تُحل لغز الصوت الكونى،[...] بل إن المرء ينجذب أكثر إلى [...] فالسمع هو الرؤية [...] وباعتباره شكلًا محددًا من أشكال تجربة الضوء، فإن طائر الرعد لا يُقابل المُدرِك ككائن مرئى، بل يتغلغل فى وعيه» (2000، 279).