3/2/1 سرديات النهاية مقابل سرديات اليوتوبياتمثَّلت «سردية النهاية» فى عدد من عروض مهرجان نوادى المسرح الحادى والثلاثين؛ وهى: «ثامن أيام الأسبوع» (إخراج: عبدالخالق أحمد؛ الجيزة)، «لعبة النهاية» (إخراج: أحمد مجدي؛ المنصورة)، «آخر الأرض» (إخراج: أحمد رضوان؛ السويس)، «موسم الحرب والغناء» (إخراج: أحمد سعد؛ بورسعيد). وتنتقى «سردية النهاية» -فى العروض المشار إليها- أحداثًا تبدو بسيطة، فنجدها: انتظارًا للنهاية التى لا تأتى طواعية فى «لعبة النهاية»، والبحث عن آخر قطعة أرض صالحة لإقامة الحياة فى «آخر الأرض»، وممارسة القتل الممنهج فى «موسم الحرب والغناء»، وهذه الأحداث قابلة للحدوث وإن كانت تخييلية، ويمنحها ترابطها قابلة التصديق لدى المتلقى.كما تمثَّلتْ «سردية اليوتوبيا» فى عرضى: «طقوس الإشارات والتحولات» (إخراج: أحمد زكى؛ القاهرة)، «موسم الحرب والغناء».تتكون «سردية النهاية» (الديستوبيا) من المكونات البنائية؛ التالية:• الفاعلون: حفار القبور الفاسد أخلاقيًا فى عرض «ثامن أيام الأسبوع»، والذى يعمل على إنهاء حياة من يصل إلى فضاء المقابر الذى يسيطر عليه مع مجموعة من المشوهين (الزومبى). وفى عرض «لعبة النهاية» نجد (هام) الكفيف القعيد و(كلوف) مراقب العالم الخارجى يقفان على حدود النهاية «فى عالم مجرد يقف على حافة الزمن» (جيمس ميردوند؛ ص 187). وفى عرض «آخر الأرض» نجد العرافة والمجموعة التى تصطحبها، وضمنهم مجموعة من السجناء. وفى عرض «موسم الحرب والغناء»؛ نجد القاتل (هربرت) مجرم الحرب السادى.• الأحداث: هى الأحداث التى يتم إيرادها فى السردية عبر التسلسل التعاقبى، ويتم وضع علاقات بينها وبين غيرها من الأحداث. ففى عرض «آخر الأرض» نجد سفية النجاة تحمل مجموعة من الناجين تم اختيارهم بالقرعة، يصحبهم عدد من السجناء المجرمين، بالإضافة إلى العرافة التى تعرف أنه لا خلاص لهم، كما أنهم لو وصلوا إلى الجزيرة الأمنة فإنهم ليس لديهم القدرة على التناسل لاستمرار الحياة، ليس معهم سوى ثلاث نساء مسنات هن العرافة والعاهرة والعجوز العمياء، وتستمر رحلة السفينة نحو النهاية بحثًا عن أمل غير موجود لتتحطم فى النهاية. كانت الأحداث تسير فى مسار حتمى نحو النهاية (الدستوبيا). كذلك فى عرض «لعبة النهاية» حيث الزمن المتوفق والأحداث المتكررة ولا شيء يتقدم للأمام، (هام) لا يموت، و(كلوف) لا يهرب، و(نيل) و(ناج) فى صندوق القمامة، كأن النهاية مقيمة وثابتة ومستمرة. أما عرض «ثامن أيام الأسبوع» فلا أحداث كبيرة بين وصول الرجل إلى فضاء المقابر وبين إتمام عملية دفنه سوى مجموعة من المحاورات العنيفة بين الرجل وحفار القبور، والنهاية ماثلة أمام أنظار الجميع وجاثمة على المشهد عبر فضاء المقابر الذى يحتوى الأحداث والشخوص.• السياق: وهو الذى يتم فيه انتاج خطاب العرض المسرحى، ويحتوى على الأحداث، ووسائل الخطاب سواء كانت لغوية (الحوار) أو غير لغوية (الصورة، الموسيقى، أداء الإيمائى للممثلين)، وفضاء الحدث الذى يتواجد به الحدث والفاعلين، فنجده فى عرض «لعبة النهاية» و«ثامن أيام الأسبوع» غير محدد بدقة على الرزمانة الزمانية أو الإحداثيات الجغرافية المعروفة، فالغرفة التى يتواجد بها (هام) و(كلوف) فى «لعبة النهاية» يمكن أن توجد فى أى مكان بالعالم ليس لها أى احداثيات، وكذلك لا نعرف لفضاء «لعبة النهاية» أى تحديد زمانى دقيق، ربما لأن الزمن متجمد فى هذه اللحظة، والأمر كذلك فى «ثامن أيام الأسبوع»، فباستثناء فضاء المقابر التى لا نعرف فى أى بلد أو فى أى عصر توجد، لا يوجد أى تحديد زمانى لهذه اللحظة الوجودية. عرض «آخر الأرض» يحدد لنفسه إحداثيات مكانية متخيلة (آخر الأرض)، لكن زمنه غير متجمد، فالأيام والليالى تمر دون تحديد حقيقى لعصرها على الروزمانة، ومرور الأيام والليالى ضرورة لوجود الرحلة التى تقطعها السفينة بمجموعة الناجين غير الناجين. عرض «موسم الحرب والغناء» هو الوحيد من بين عروض «سردية النهاية» الذى يحدد فضاء أحداثه، بأنها الفترة الزمنية الواقع بها الحرب العالمية الثانية، وأراضى أوروبا الشرقية التى تعرضت للاحتلال الألمانى، ربما لأن النص المأخوذ عنه «عندما انتهت الحرب» لـ(ماكس فريش). العروض الأربعة تم وضعها فى مسرحى روض الفرج والسامر ذا التصميم الإيطالى الغربى عن نصين غربيين تم الإعداد لهما، ونص لمؤلف عراقى، ونص لمؤلف مصرى، ولم يمنح الفضاء غير المنظور للعلبة الإيطالية أيًا من العروض الأربعة أى خصوصية أو إضافة ثقافية، كانت الأحداث والفاعلين الناطقين باللغة العربية مجرد امتداد لهذه الوضعية الثقافية الغربية للمشاهدة التى يفرضها النموذج الإيطالى للمسرح على العروض والمشاهدين، ولو فى الجزء اللاواعى من عقولهم، فـ»تنظيم المحتوى المستتر قد ينظر إليه كبيان للقوى الاقتصادية والاجتماعية وكتمثيل لمعاملة نفسية تكشف وظيفة اللاوعى كتنويع للأسطورة الثقافية أو كمساحة لمساحة انتقالية تعرض البقية الثقافية المتراكمة لسلسة من اللحظات الوقتية»( جيمس ميردوند؛ ص 33) ، ليعمق غربة المشاهد عما يعرض أمامه من أحداث بفعلها - فى الأغلب فاعلون - يحملون أسماءً وهويات غربية؛ وربما كانت أزيائهم كذلك. كما أن حديث مخرجى عرضى «آخر الأرض» و»موسم الغناء والحرب» يمكن أن يشكل جزءًا من السياق المقدم به خطاب العروض المسرحية. يقول (أحمد سعد) مخرج عرض «موسم الحرب والغناء» فى حديث صحفي: «هذا العرض يناقش بشكل مباشر ما تفرضه علينا الحروب من شتات اجتماعى ونفسى لا يمكن أن تُشفى منه المجتمعات إلا بعد عقود من الزمن»(رنا رأفت؛ ب؛ ص6)، أما (أحمد رضوان) مخرج عرض «آخر الأرض» فيرد على سؤال «هل للتوقيت دخل فى اختيار تقديم العرض؟»، فيقول: «من ينظر فى اللحظة التى يعيشها العالم الآن ويتأملها، خاصة فى منطقتنا، يدرك تمامًا أننا نحتاج إلى سفينة نجاة، وأن الأمر لم يعد يحتمل التأجيل وعلينا القيام بفعل ما من أجل تحقيق النجاة لأنفسنا ولمن حولنا»(رنا رأفت؛ أ؛ ص 6)، وهذه الكلمات تكشف عن محاثية خطاب العروض المسرحية للحظة الراهنة سياسيًا واجتماعيًا، عبر المخاطر المحتملة من حدوث صدام بين روسيا وحلف الناتو بسبب الحرب الأوكرانية، أو ما يحدث على مرمى البصر من ممارسات الإبادة الجماعية التى تمارسها الجماعات الصهيونية فى غزة الفلسطينية، كذلك ستجد أن العرضين قادمان من محافظتين على خط المواجهة مع العدو الصهيونى، هما محافظتا السويس وبورسعيد.• الترتيب الزمنى للأحداث: يتم السرد فى نسق خطى تعاقبى لتسلسل أحداث السردية، باستثناء القليل من مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك) فى عرضى: «موسم الحرب والغناء»، و«آخر الأرض»، لتوضح المؤثرات الفكرية والعقائدية التى صنعت شخصية السفاح (هربرت) فى العرض الأول، والسياق الاجتماعى القادم منه مجموعة الناجين المحتملين فى العرض الثانى. فجاءت الأحداث مرتبة فى زمن خطى فى العروض الأربعة لسردية النهاية، ربما ليدفع التركيز إلى اللحظة الأخيرة التى ينبغى أن لا تليها أى لحظة زمنية أخرى. هذا الترتيب الزمنى يمنح السردية فرصة تحقيق وظيفتها؛ ففى عرض «موسم الحرب والغناء» تفسر السردية كيف تقود المعتقدات المتشددة والأفكار الأيديولوجية المتحجرة العالم إلى نهاية مفجعة، وفى عرض «أخر الأرض» تبرر السردية لماذا لا يوجد أمل فى أى خلاص من النهاية الكارثية المرتقبة لأن محاولة النجاة لم تكن مدروسة جدية وكانت عشوائية مما قاد المجموعة إلى مصير كارثى بعثية.• السببية: وهى العلاقة التى اعتمد عليها عرضى: «آخر الأرض»، و»موسم الحرب والغناء»؛ فى ربط الأحداث، حيث خضعت جميع الأحداث لأن تكون إما سببًا أو نتيجة، وهو ما يقترب من مفهوم الحبكة الدرامية التقليدية التى تعمل على تسلسل الأحداث. بينما خلا عرضا: «ثامن أيام الأسبوع»، و»لعبة النهاية» من هذه السبيبة بسبب البنية العبثة لها. لكن جميع العروض قدمت ربطًا بين ما هو ماضى تمثل فى بعض الشخوص كما فى شخصية الأستاذ فى عرض «موسم الحرب والغناء»، وشخصيتى (ناج) و(نيل)، أو فيما يتم بثه عبر الحوار المسرحى فى معظم العروض، وبين ما هو مستقبل، حيث كانت اللا-نجاة فى عرض “آخر الأرض»، أو دفن الحفار للشخص حيًا فى «ثامن أيام السبوع»، فالسردية تربط باحكام ما بين الماضى والمستقبل.وقد احتوى خطاب عرض «موسم الحرب والغناء» على سرديتين متضادين من «السرديات الكبرى» يتصارعان، هما «سردية النهاية» (الديستوبيا)، وسردية «اليوتوبيا». تمثلت «سردية النهاية» (الديستوبيا) فى أحداث العرض التى امتلأت بالقتل وممارساته والتى حملها إلى العرض نص (ماكس فريش) (اللغوي) «عندما انتهت الحرب»، وكذلك تمثَّلتْ فى مفردات السينوغرافيا (البصرية) التى جاءت بمجسم للانفجار النووى ظل جاسمًا على الصورة البصرية للعرض فى معظم مشاهده، وكذلك تمثلَّلتْ فى بعض المفردات الموسيقى المستوحاة من ألحان كنسية وموسيقى عصر الباروك، وصوت آلة (الكاخون)، وهى (أصوات) التى أضفت مزيدًا من التوتر والترقب انتظارًا للنهاية، وتمثَّلتْ فى كلمات المخرج: «الهدم لا يكلف أكثر من لحظة»(رنا رأفت؛ ب؛ ص 6) (النص المحيط Paratext). فى مقابل «سردية النهاية» (الدستوبيا) جاءت «سردية اليوتوبيا» التى تمثَّلتْ فى جمل حوارية أضافها الإعداد لنص (ماكس فريش)، وتمثَّلتْ فى السينوغرافيا التى قدمت عالم ميتافيزيقى انتقلت له بعض الشخوص المفعول بها فى الأحداث الدرامية للعرض، وتمثَّلتْ كذلك فى موضعها فى جغرافيا الفضاء المسرحى فى مكان مرتفع، وفى رموز دينية تم إضافتها للأزياء. تعارضت السرديتين وتزامنتا فى سياق العرض، فكانت «سردية اليوتوبيا» فى الأعلى بتمثلاتها اللغوية والمصورة والرمزية، و«سردية النهاية» بتمثلاتها اللغوية والأحداث والسمعية فى الأسفل فى مستوى صفر من الفضاء المسرحى.