خالد رسلان: «لاجئ رقم 1».. تفكك الإنسان حين يُجبر على إعادة تعريف نفسه

خالد رسلان: «لاجئ رقم 1».. تفكك الإنسان حين يُجبر على إعادة تعريف نفسه

العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026

برز اسمه فى المشهد الثقافى المصرى والعربى، جمع بين الممارسة الإبداعية والاشتغال النقدى والعمل المؤسسى، فى مسار يمتد لأكثر من اثنين وعشرين عامًا من الخبرة المتراكمة، فهو كاتب ومخرج وباحث، تشكل مساره عبر تنقل واعٍ بين خشبة المسرح، والبحث الأكاديمى، والمواقع الثقافية، ما منحه قدرة على قراءة الفعل المسرحى جماليًا ومعرفيًا ومجتمعيًا. وُلد المخرج والكاتب خالد رسلان فى الكويت عام 1979، وتخرج فى أكاديمية الفنون، قبل أن يستكمل مساره العلمى بالدراسات العليا فى الفنون المسرحية والإعلام، وصولًا إلى مرحلة الماجستير وحاليًا التجهيز للدكتوراه. وعلى امتداد هذا الطريق، أسهم فى صياغة تجارب مسرحية وتجريبية، وأدار مؤسسات وفرقًا، وشارك فى لجان تحكيم واختيار محلية وعربية، إلى جانب حضوره الفاعل كمحاضر ومدرب فى جامعات ومهرجانات وملتقيات مسرحية.
نال خالد رسلان جائزة الدولة فى الآداب والفنون، إلى جانب سلسلة من الجوائز المصرية والعربية فى التأليف والنقد المسرحى، منها جائزة الدولة فى الآداب والفنون، جائزة فوزى فهمى لأفضل كتاب فى النقد المسرحى، جائزة الكتابة المسرحية مؤسسة ربع قرن من الشارقة، جائزة الشارقة للتأليف المسرحى المدرسى 2024 و2025، وجائزة الإبداع المسرحى من مؤسسة ربع قرن، كما حصدت مؤخرًا المركز الأول فى جائزة ساويرس الثقافية للنص المسرحى فى دورتها الحادية والعشرين، وفى هذا الحوار، نقترب من تجربة رسلان الكاملة فى المسرح وعلاقته بالجوائز، وموضوعات أخرى.

حدثنا فى البداية عن النص الفائز بجائزة ساويرس «لاجئ رقم 1»؟
«لاجئ رقم 1» ليس نصًا عن اللجوء بوصفه انتقالًا من مكان إلى آخر بل عن تفكك الإنسان حين يُجبر على إعادة تعريف نفسه خارج سياقه الطبيعى، ما شغلنى فى الكتابة لم يكن سبب الرحيل، بل ما يحدث بعده، اللحظة التى يتحول فيها الإنسان من ذات كاملة إلى حالة تحتاج دائمًا إلى الشرح والتبرير كى يُسمح لها بالبقاء.
الشخصية فى النص لا تفقد وطنها فقط، فهى تفقد الإحساس بأن وجودها أمر بديهى، كل شيء يصبح مشروطًا، اللغة، الذاكرة، الانفعال، وحتى الحق فى الصمت، وفى هذا السياق، لا يعود اللجوء حالة استثنائية، بل يتحول إلى نمط حياة طويل الأمد، تُقاس فيه القيمة الإنسانية بمدى القدرة على التكيف، لا بعمق التجربة أو صدق الألم.
فالنص لا يسعى لاستدرار التعاطف، ولا لتقديم صورة نمطية للضحية، بل يقترب من منطقة أكثر إرباكا وهى كيف يمكن للإنسان أن ينجو جسديا، وفى الوقت نفسه يشعر بأنه يتآكل من الداخل؟ ومن هنا جاء العنوان «لاجئ رقم 1»؛ ليس لأنه الأول، بل لأنه نموذج قابل للتكرار بلا نهاية.
كيف ترى أهمية جائزة ساويرس الثقافية لك وللمبدعين عموما؟ وهل يسهم هذا النوع من الجوائز فى إثراء الوسط الثقافى والمسرحى، أم أن بعض النصوص الفائزة ينتهى بها المطاف فى الأدراج؟
جائزة ساويرس مهمة ليس لأنها تمنح تقديرًا معنويًا فحسب، بل لأنها تضع النص في دائرة الاهتمام العام وتُخرجه من عزلة الكتابة الفردية إلى فضاء النقاش والتداول، وقيمتها الأساسية أنها جائزة مدنية لا تصدر عن مؤسسة رسمية، وهو ما يمنحها قدرًا من الاستقلال، ويجعلها أكثر اقترابًا من حيوية المشهد الثقافى وأسئلته المتغيرة. لكن الجائزة، مهما بلغت أهميتها، لا تصنع مسارًا كاملًا للنص فهى تفتح الباب، لكنها لا تضمن ما بعده، وفى المسرح تحديدًا، لا تكمن المشكلة فى مستوى النصوص الفائزة، بل فى غياب منظومة إنتاج حقيقية تتبناها وتمنحها فرصة التحول إلى عروض حية، فكثير من النصوص لا تبقى فى الأدراج لأنها تفتقر إلى القيمة، بل لأنها تصطدم بواقع إنتاجى متردد، لا يميل إلى المغامرة أو الاشتباك مع الأسئلة الصعبة. من هنا، أرى أن الجوائز تسهم فعليا فى إثراء الوسط الثقافى عندما تكون جزءا من سياق أوسع من الرعاية والاستمرار، وعندما تتحول من لحظة احتفاء عابرة إلى بداية لمسار فعلى، أما إذا ظلت معزولة عن آليات التنفيذ والعرض، فإن خطر أن تتحول إلى نهاية معنوية بدل أن تكون نقطة انطلاق حقيقية يظل قائما.
وهل تمثل الجوائز برأيك ضغطًا إبداعيًا على المؤلف فيما يكتبه لاحقًا؟
نعم، يمكن للجوائز أن تتحول إلى ضغط إبداعى، لكن ذلك لا يحدث بسبب الجائزة نفسها، وإنما بسبب الطريقة التى يتعامل بها الكاتب معها، الخطر يبدأ عندما تتحول الجائزة من لحظة تقدير إلى معيار يحاكم الكاتب نفسه من خلاله، فينشغل بمحاولة تكرار النجاح بدل الاستمرار فى طرح الأسئلة التى دفعته إلى الكتابة من الأساس، وفى هذه الحالة، لا يصبح الضغط خارجيًا فقط بل داخليًا أيضًا. فالكاتب قد يشعر بأن عليه أن يكتب وفق صورة مسبقة كونها الآخرون عنه، أو وفق توقعات لجان التحكيم والوسط الثقافى، وهنا تفقد الكتابة جزءًا من حريتها، وتتحول من فعل بحث ومغامرة إلى فعل حذر وحسابات.
لكن يمكن النظر إلى الجائزة من زاوية أخرى أكثر صحية كونها اختبارًا لاختيارات الكاتب، لا قيدا عليها، إذا استطاع الكاتب أن يفصل بين الاعتراف بما أنجزه، وحقه فى الشك والتجريب والتعثر لاحقا، فإن الجائزة تتحول من ضغط إلى مسئولية واعية، مسئولية الاستمرار فى الكتابة بصدق، لا بطمأنينة زائفة.
نعود إلى نص «لاجئ رقم 1» الحصار فى العمل يبدو نفسيا بقدر ما هو مكانى، كيف اشتغلت على فكرة الحصار الخارجى ليتحول إلى حالة داخلية تعيشها الشخصية؟
اشتغلت على فكرة الحصار انطلاقا من كونها عملية تراكم لا صدمة واحدة، فالحصار الخارجى واضح ومحدد، مكان مغلق، قوانين، إجراءات، وحدود مرئية، لكن ما يهمنى دراميا هو اللحظة التى يبدأ فيها هذا الحصار فى إعادة تشكيل وعى الشخصية وسلوكها، دون حاجة إلى ضغط مباشر أو عنف صريح.
فى البداية، تتعامل الشخصية مع الحصار باعتباره ظرفا مؤقتا يمكن تجاوزه ثم تدريجيا، تبدأ فى تعديل لغتها، وانفعالاتها، وطريقة حضورها أمام الآخرين، وهذا التعديل لا يأتى بدافع القناعة، وإنما بدافع الخوف من الرفض أو الإقصاء، ومع الوقت، يتحول هذا السلوك الدفاعى إلى قيد داخلى، وتصبح الشخصية هى من تراقب نفسها وتفرض على ذاتها ما كانت ترفضه فى الخارج. هنا يتحول الحصار من حالة مكانية إلى بنية نفسية مستقرة، لم يعد السؤال كيف أخرج من هذا المكان؟ بل كيف أعيش داخله بأقل قدر من الخسارة؟ فى هذه النقطة تحديدًا، يصبح الحصار أكثر خطورة، لأنه لم يعد مفروضًا من الخارج فقط، بل صار جزءًا من آلية التفكير نفسها، وهو ما حاول النص تتبعه وكشفه دون مباشرة أو خطابية.

هل بطل النص حالة فردية خاصة، أم نموذج لإنسان معاصر يعيش الاغتراب القسرى خارج وطنه؟
تعمدت أن يظل البطل حالة فردية واضحة الملامح، لا نموذجًا تجريديًا أو صورة عامة. له تاريخ شخصى، وتفاصيله الصغيرة، وتناقضاته الخاصة، لكن فى الوقت نفسه، هذه الفردية ليست غاية فى ذاتها، فعلى العكس هى مدخل لفهم تجربة أوسع يعيشها كثيرون فى عالم اليوم.
البطل لا يمثل اللاجئ باعتباره فئة اجتماعية، بل إنسانا وجد نفسه فجأة خارج السياق الذى كان يمنحه معنى واستقرارًا، اغترابه ليس ناتجًا فقط عن فقدان الوطن، بل عن اضطراره إلى العيش داخل منظومة جديدة تُعيد تعريفه وفق شروطها الخاصة. من هنا، يصبح فردًا محددًا، لكن أزمته قابلة للتعميم، لأنها تمس جوهر الإنسان المعاصر الذى يعيش حالة اقتلاع مستمرة، سواء عبر الهجرة القسرية، أو عبر فقدان الإحساس بالانتماء داخل وطنه نفسه، وبهذا المعنى، البطل ليس استثناء ولا رمزًا مغلقًا، بل نقطة تقاطع بين تجربة شخصية دقيقة، وسؤال إنسانى أوسع عن معنى الانتماء والاغتراب فى عالم يتغير بسرعة ويضيق بالهويات الهشة.

كيف عالجت دراميًا فكرة «الوطن البديل» دون الوقوع فى الخطاب السياسى المباشر؟
تعاملت مع فكرة «الوطن البديل» كتجربة معيشة لا مفهومًا سياسيًا جاهزا، فلم أنشغل بتعريف الوطن أو الدفاع عنه نظريًا، بل بما يتركه هذا «البديل» من أثر يومى على الشخصية، فالسياسة، فى النص، لا تظهر فى شكل شعارات أو مواقف معلنة، لكنها تتسلل عبر التفاصيل الصغيرة التى تحكم حياة البطل وتعيد تشكيل علاقته بالمكان وبذاته.
دراميًا، حضرت فكرة الوطن البديل فى مواقف عابرة تبدو بسيطة فى نظرة شك، جملة ناقصة، محاولة لشرح الذات، أو التزام صامت بقواعد غير مكتوبة، فهذه التفاصيل تكشف التناقض بين خطاب الاحتواء المعلن، وتجربة العيش الفعلية التى تضع الشخصية دائمًا فى موضع الاختبار، فالوطن البديل هنا ليس فضاء معاديا بالضرورة، لكنه ليس محايدا أيضا؛ هو مكان يفتح باب النجاة، لكنه يطالب بثمن غير معلن.
بهذا الأسلوب، بقيت الفكرة داخل المجال الإنسانى والدرامى، لا داخل الجدل السياسى المباشر، ما يهم النص هو طرح السؤال الأكثر إزعاجا: هل يمكن لمكان يمنحك الأمان أن يطلب منك فى الوقت نفسه التخلى عن جزء من نفسك؟ وليس الحكم على الوطن البديل.
الاندماج القسرى الذى تطرحه فى العمل، هل تراه خلاصًا أم شكلًا آخر من أشكال الحصار؟
يقدم الاندماج القسرى فى النص كحلٍ اضطرارى يحمل تناقضه فى داخله فهو لا يقدم كخلاص كامل، هو من جهة شرط للبقاء وتفادى العزلة، ومن جهة أخرى يفتح شكلًا جديدًا من الحصار، أقل وضوحًا لكنه أكثر عمقًا.
المشكلة ليست فى الاندماج ذاته، بل فى كونه مفروضًا ومشروطًا، وحين يُطلب من الإنسان أن يعيد تشكيل لغته وسلوكه وهويته وفق نموذج واحد مقبول، يتحول الاندماج من مساحة تفاعل إلى أداة ضبط، عندها لا يختفى الحصار، بل ينتقل من الخارج إلى الداخل، ويصبح جزءًا من وعى الشخصية وسلوكها اليومى. لهذا، يطرح النص الاندماج القسرى كسؤال مفتوح: هل هو نجاة مؤقتة، أم ثمن طويل الأمد تدفعه الهوية مقابل البقاء؟
اخترت الإطار الساخر لمعالجة قضية إنسانية شديدة القسوة؛ ماذا أضافت السخرية إلى بناء النص ورؤيته؟
السخرية فى النص لم تكن أداة ترفيهية، فهي آلية دفاع درامية تسمح بالاقتراب من ألم شديد دون أن تتحول التجربة إلى استعراض مأساوى بحت، من خلالها، يمكن للمتفرج أن يرى التناقضات والعبثية فى الواقع الذى يعيشه البطل: القوانين، الإجراءات، المراقبة اليومية، وكل ما يفرضه «الوطن البديل» من شروط غريبة وغير منطقية. كما أضافت السخرية بعدًا نقديًا يسمح للنص بأن يكون أكثر حدة ووضوحًا، من دون الحاجة إلى خطابات مباشرة أو توجيه لوم صريح فهى تخلق مسافة كافية للتفكير، وتبرز الفجوة بين ما يُفترض أن يكون وبين ما هو موجود فعليًا، فالسخرية جعلت النص أقرب إلى تجربة إنسانية معقدة، متناقضة، وقابلة للتأمل، بدل أن يكون مجرد سرد أو بيان سياسى.

إلى أى مدى يتقاطع النص مع قضايا الهجرة واللجوء عالميا دون أن يتحول إلى بيان أيديولوجى؟
النص يتقاطع مع هذه القضايا من خلال الإنسان الفردى وتجربته اليومية، لا من خلال الخطاب السياسى أو الشعارات الجاهزة، فالهجرة واللجوء يظهران فى تأثيرهما المباشر على حياة الشخصية: فقدان الانتماء، اضطرارها لإعادة تعريف نفسها، الضغوط النفسية والاجتماعية التى تواجهها، والقيود المفروضة عليها فى الوطن البديل، وبهذه الطريقة، يصبح النص نافذة على تجربة إنسانية مشتركة عالميا، دون أن يتحول إلى بيان أيديولوجى. التركيز على التفاصيل الفردية والسلوك اليومى يضمن أن القضايا الكبرى تُطرح كتجربة عاطفية ومعرفية، لا كمقالة سياسية أو موقف معلن.
كيف انعكس الاغتراب على لغة الشخصية وسلوكها وحضورها داخل النص؟
الاغتراب فى النص لم يقتصر على كونه ظرفا خارجيا، فهو يتحول إلى قوة تشكيلية داخلية تحدد كل أبعاد شخصية البطل، لغته تصبح مرآة لصراعه النفسى: جمل قصيرة، متقطعة، أحيانا مبطنة، تعكس التردد المستمر بين الرغبة فى التعبير عن الذات والخوف من الرفض أو سوء الفهم، والكلمات هنا أدوات لإدارة الهوية وحماية الذات فى بيئة غير مألوفة وليست مجرد وسيلة اتصال.
أما سلوك الشخصية فهو قائم على يقظة مستمرة فكل حركة محسوبة، كل تعبير متأنٍ، وكل موقف اختبار خفى للحدود المفروضة عليها. حضور البطل على الخشبة أو فى المشهد ليس مجرد ظهور بل تجسيد لتوتر داخلى دائم بين الرغبة فى الانتماء والخطر المستمر لفقدانه، بهذه الصياغة، يصبح الاغتراب عنصرا بنيويا فى النص، ينسج لغة وشكل وسلوك الشخصية معا، ليكشف كيف يمكن للغربة أن تعيد تشكيل الإنسان من الداخل قبل أى تأثير خارجى.

ما السؤال الإنسانى أو الفكرة الأساسية التى كنت تكتب النص من أجلها وحرصت على ترك إجابتها مفتوحة أمام المتفرج؟
السؤال المحورى للنص هو: إلى أى مدى يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاته وهو مجبر على التكيف مع واقع يفرض عليه التخلى عن جزء من هويته؟ حرصت على إبقاء الإجابة مفتوحة لأن التجربة الإنسانية ليست ثابتة ولا خطية، فكل متفرج يجيب عن هذا السؤال بحسب تجربته، شعوره، وإدراكه للحرية والقيود، والنص لا يقدم حكما جاهزا، لكنه يطرح حالة للاكتشاف والمواجهة: هل النجاة تستحق التضحية بالذات، أم أن الثبات على ما نحن عليه هو الشكل الوحيد للكرامة؟ ومن هنا يتحول النص من سرد إلى فضاء تأملى، حيث يبقى المتفرج شريكًا نشطًا فى طرح الأسئلة واستخلاص المعانى، بدل أن يكون مستهلكًا لجواب محدد.
تمتد تجربتك بين الكتابة، والإخراج، والنقد، والعمل الإداري؛ كيف انعكس هذا التعدد على رؤيتك للمسرح، وأى هذه المسارات ترى نفسك أقرب إليه اليوم؟
التعدد فى مساراتى كان تراكم خبرة مباشرة على خشبة المسرح، حيث يتحقق النص فى مواجهته مع الجسد، المكان، والزمن، وقد منحتنى الكتابة القدرة على بناء النصوص بعمق، والإخراج أتاح لى اختبار هذه النصوص فى الفعل المسرحى، والعمل الإدارى أعطانى فهما لآليات الإنتاج والقيود الواقعية. حتى النقد، الذى قد يُفهم على أنه مجرد قراءة وتحليل، يحتاج بدوره إلى خبرة عملية فى خشبة المسرح لفهم ديناميكيات الأداء، العلاقة بين النص والممثل، وكيف تتشكل اللحظة المسرحية الحية.
لذلك، رغم تنوع المسارات، أرى نفسى اليوم أقرب إلى الكتابة والإخراج معًا، ولكن دائمًا من منظور خشبة المسرح، حيث يصبح النص تجربة حية، والخشبة هى المقياس الحقيقى لكل ما نكتب أو نحكم عليه.
حصلت على جائزة الدولة فى الآداب والفنون، وجائزة فوزى فهمى فى النقد المسرحى، كيف ترى هذا التداخل بين النقد والكتابة الإبداعية؟ وكيف يخدم كل منهما الآخر داخل مشروعك المسرحى؟
النقد والكتابة الإبداعية مساران متكاملان لفهم المسرح، والكتابة تمنح النص حرية التجريب، بينما النقد لا يصدر حكما جاهزا، لأنه يكتشف جماليات جديدة ويحلل إمكانيات النص وعلاقته بالخشبة والجمهور. الخبرة فى الكتابة تجعل النقد عمليًا وحيويًا، والفهم النقدى يجعل النص أكثر وعيًا ودقة. بهذا التداخل، يصبح كل نص مساحة للإبداع الحر والمراجعة الواعية معا، حيث تتفاعل الأفكار والخيال على خشبة المسرح دون أن يتحول العمل إلى مجرد حكم مسبق أو سرد نظرى.
فى المقابل نلت جوائز متتالية من الشارقة فى مجالات التأليف المسرحى.. ماذا أضافت لك هذه الجوائز عربياً؟ وهل فتحت أمام نصك أفقًا مختلفًا من حيث الموضوعات أو طبيعة المتلقى مقارنة بالتجربة المصرية؟
جوائز الشارقة منحت نصوصى حضورًا عربيًا أوسع وفرصة للحوار مع جمهور متنوع، ما أضاف عمقًا وسعة للرؤية الفنية. فتحت أمامى الأفق لاستكشاف قضايا إنسانية وعالمية مثل الاغتراب والهجرة، وصياغة نصوص قادرة على التواصل مع جمهور متعدد الخلفيات، بعيدًا عن الإطار المحلى.

حدثنا عن جائزة الشارقة للتأليف المسرحى المدرسى التى حصلت عليها مؤخرًا.
تجربتى فى المسرح المدرسى بالشارقة كانت تجربة أساسية ومؤثرة فى مسارى المسرحى، لأنها أكدت لى أن هذا المسرح مساحة حقيقية للإبداع وبناء الوعى الجمالى والفكرى لدى الطفل، وحصولى على جائزة أفضل عرض مسرحى عن مسرحية «بطل من ورق» فى مهرجان الشارقة للمسرح المدرسى، إلى جانب فوزى مرتين بجائزة التأليف المسرحى المدرسى، جاء تتويجًا لإيمان عميق بقيمة النص المسرحى الموجه للطفل وقدرته على طرح قضايا معاصرة بوعى وجدية.
فى هذه التجربة، انشغلت بتقديم نصوص تناقش المتغيرات الاجتماعية التى يعيشها الطفل اليوم، خاصة تأثير التكنولوجيا الحديثة ومخاطر الذكاء الاصطناعى على وعيه وخياله وعلاقته بالعالم، حيث تعاملت مع الطفل كونه شريكًا فى الفعل المسرحى، قادرا على الفهم والتساؤل وليس متلقيًا سلبيًا لخطاب تعليمى مباشر.
ولا يمكن قراءة هذه التجربة بمعزل عن التطور الكبير الذى يشهده المسرح المدرسى فى الشارقة، وهو تطور يرتبط باستراتيجية الهيئة العربية للمسرح التى وضعت المسرح المدرسى فى قلب مشروعها الثقافى، بوصفه أساسًا لبناء أجيال جديدة من المبدعين والمتذوقين
إلى جانب ذلك، كان لإدارة المسرح فى الشارقة دور محورى وعمل دءوب فى تطوير هذا القطاع، من خلال المتابعة المستمرة، وتنظيم المهرجانات، ودعم التدريب، وخلق بيئة إنتاجية تحترم الطفل والمسرح معًا.
من هنا، أرى أن العمل فى المسرح المدرسى مسئولية ثقافية وفنية حقيقية، وفرصة لتأسيس وعى مسرحى مبكر، وهو ما يجعل هذه التجربة من أكثر التجارب التى أعتز بها وأعتبرها امتدادًا طبيعيًا لرؤيتى للمسرح ودوره فى المجتمع.
اشتغلت طويلًا فى مسرح الأقاليم وفرق الثقافة الجماهيرية.. فكيف تقيم هذه المرحلة من مشوارك؟ وهل ترى أن هذا المسرح ما زال يواجه الإشكاليات نفسها حتى اليوم؟
أعتبر فترة عملى فى مسرح الأقاليم وفرق الثقافة الجماهيرية ركيزة أساسية فى تجربتى المسرحية، وفخرى الأكبر أننى ابن هذه الثقافة التى تضع المسرح فى قلب المجتمع، هنا تعلمت أن المسرح ليس مجرد فن أو عرض، بل هو أداة للتواصل مع الجماهير، لفهم تنوعهم، وللمس حياتهم اليومية، فالجمهور يصبح شريكا حقيقيا، والنص لا يكتمل إلا بتفاعلهم الحى، سواء فى المدينة أو الريف، سواء فى الجماعات الشعبية أو المجتمعات المحلية، لكن، هذا المسرح يواجه صعوبات مستمرة حيث نقص الموارد، ضعف البنية الإنتاجية، غياب سياسات دعم واضحة، وعدم استدامة البرامج والمشاريع، وهذه التحديات تجعل من الصعب نقل التجارب المسرحية من مجرد فعاليات عابرة إلى مشاريع مستمرة يمكن أن تغير الوعى وتثرى الثقافة المحلية.
على الرغم من هذه الصعوبات، أرى فى مسرح الأقاليم قيمة لا تقدر بثمن، لأنه يربط المسرح بالناس مباشرة، ويعلم المبدع كيفية العمل ضمن محدودية الموارد، والابتكار فى سياق حقيقى، وهو ما أعطانى خبرة لا يمكن اكتسابها فى أى فضاء آخر. فخرى هو أننى خرجت من هذا المسرح وأنا أحمل تجربة العمل المباشر مع الجماهير وفهم الديناميكيات الحقيقية للممارسة المسرحية، وهو ما شكل أساس رؤيتى لكل ما أكتبه وأقدمه اليوم.
فى كتابك «الطليعة فى المسرح المصرى.. من المركز إلى الهامش»، كيف تقرأ خريطة المسرح المصرى والعربى اليوم؟ وهل تعتقد أن ثنائية المركز والهامش بدأت تتغير؟
خريطة المسرح المصرى والعربى اليوم تظهر تنوعًا واضحًا بين ما يُنتج فى المركز وما يُقدّم على هامش التجربة الرسمية أو المؤسساتية، حيث المركز، الذى يمثل غالبا القاهرة أو العواصم الكبرى فى العالم العربى، ما زال يتحكم فى الموارد، مساحات العرض، والتغطية الإعلامية، بينما الهامش يظل فضاءً للابتكار والتجريب، لكنه يعانى من محدودية الدعم والانتشار.
ما تغير اليوم هو أن الهامش بدأ يكتسب صوته الخاص ويؤثر فى المشهد العام من خلال تجارب مستقلة، عروض مسرح الشارع، والفنون المسرحية الرقمية، مما يقلل الفجوة بين المركز والهامش من حيث التأثير الثقافى، ومع ذلك، لا يمكن القول إن الثنائية قد اختفت؛ الفجوة فى الموارد والبنية المؤسسية لا تزال قائمة، لكنها أصبحت أكثر مرونة وإمكانية للاختراق من قبل المبدعين الذين يعرفون كيف يستخدمون أدوات العصر للوصول إلى جمهور أوسع. فباختصار، المسرح المصرى والعربى اليوم حقل مفتوح للتجريب والتفاعل بين المركز والهامش، والثنائية لم تلغ لكنها صارت أكثر ديناميكية، ما يمنح المبدعين فرصة إعادة تشكيل المشهد المسرحى بعيدا عن القيود التقليدية.
انشغلت فى أكثر من عمل بقضايا كبرى مثل الإرهاب،والخوف،والاغتراب، والعنف؛فهل ترى المسرح أداة مقاومة مباشرة، أم مساحة لطرح الأسئلة دون حلول كيف ترى دور المسرح اليوم؟
أرى أن المسرح اليوم ليس مجرد أداة مقاومة مباشرة بالمعنى السياسى أو الدعائى، فهو مساحة لإثارة الأسئلة الكبرى، لعرض التناقضات الإنسانية والاجتماعية، ولخلق لحظة تأمل نقدية عند الجمهور، فالقدرة الحقيقية للمسرح تكمن في تحريك الوعى، وليس فرض الحلول، وفى جعل المتفرج يواجه ذاته وأسئلته قبل أن يواجه النص أو الفكرة المطروحة.
فى أعمالى التى تناولت الإرهاب، الخوف، الاغتراب، والعنف، حرصت على أن يكون النص مساحة للتجربة الإنسانية المعقدة، حيث يشعر الجمهور بثقل الأحداث وتأثيرها على الفرد والمجتمع، دون أن يتحول العرض إلى بيان أو محاضرة، فالمسرح هنا يصبح مرآة للمجتمع، وعينا على النفس، وميدانًا للاختبار الإنسانى، يتيح للمتلقى أن يكتشف الأسئلة بنفسه ويواجه الإجابات الممكنة، دور المسرح اليوم هو طرح الأسئلة بعمق وجرأة، ومواصلة الحوار مع الجمهور، أكثر من كونه منصة لإصدار أحكام أو حلول جاهزة.

شاركت فى لجان مشاهدة وتحكيم واختيار فى مهرجانات محلية ودولية، كيف تصوغ معاييرك الجمالية عند لحظة الاختيار؟ وإلى أى مدى تفصل بين ذائقتك الإبداعية ومسؤوليتك كمحكم أمام تنوع التجارب والسياقات؟
بالنسبة لى، التحكيم ليس مجرد تقييم أعمال وفق ذائقة شخصية، بل عملية تأملية دقيقة تتطلب الوعى بالنصوص فى سياقها الواقعى والثقافي المعايير أداة للتوازن بين التقدير الفنى والاعتبارات السياقية، وليس مجرد معيار شخصى. أما الفصل بين الذائقة الشخصية والمسؤولية كمحكم، فهو يتطلب وعيا مزدوجا إذ يمكن للذائقة أن توجه الانتباه إلى جماليات معينة، لكنها لا تتحكم فى الحكم النهائى، يجب أن أقدر كل تجربة وفق إمكانياتها وغاياتها، وأن أكون منصفا لكل السياقات، سواء كانت عروضا تقليدية أو تجريبية، قصيرة أو طويلة، مع الحفاظ على حس نقدى قادر على كشف قيمة العمل الفنى وجوهره دون فرض رؤيتى الخاصة، فالتحكيم بالنسبة لى هو ممارسة مسؤولة وعميقة للوعى الجمالى، توازن بين الانبهار الشخصى والالتزام بالعدالة الفنية، وتتيح تقدير كل عمل وفق إمكاناته الحقيقية وتأثيره على المشهد المسرحى.
باعتبارك محاضر ومدرب لأجيال جديدة من المسرحيين، ما الخلل الأبرز الذى تلاحظه اليوم فى وعى الشباب بالكتابة المسرحية، خاصة مع تصاعد الكتابة الموجهة فقط للمسابقات والجوائز؟
أبرز الخلل الذى ألاحظه هو ارتباط الكتابة المسرحية غالبًا بالنتائج الخارجية بدلًا من التجربة الإبداعية نفسها، كثير من الشباب يكتبون نصوصهم بهدف الفوز بالجوائز أو الامتثال لمتطلبات المسابقات، ما يؤدى إلى نصوص متحفظة، مقننة، وأحيانًا بلا عمق إنسانى أو روح حقيقية على الخشبة، التركيز على النجاح الخارجى يحجب عنهم فرصة التجريب والبحث فى الأسئلة الكبرى التى تجعل المسرح تجربة حية ومؤثرة.
كما يلاحظ ضعف في الوعى بالجمهور والمكان والزمن المسرحي؛ بعض النصوص قوية على الورق لكنها تفشل عند الانتقال إلى الأداء، لأن الكاتب لم يمر بتجربة فعلية أو لم يفكر فى المسرح كفضاء حى يتفاعل فيه النص والجسد والجمهور.
الحل، من وجهة نظرى، يكمن في تعليم الشباب أن المسرح قبل كل شيء ممارسة حية، تجربة إنسانية، ومساحة للتأمل والتجريب. الجوائز والمهرجانات مهمة، لكنها لا يجب أن تتحول إلى هدف نهائى، بل إلى فرصة لتقييم التجربة بعد أن تُخلق روح النص على الخشبة.

اشتغلت على المسرح المدرسى ومسرح الطفل، كيف ترى علاقة كاتب الطفل بطفل اليوم فى ظل التطور التكنولوجى وتسارع الحياة؟ وكيف يمكن للمسرح أن يجذب هذا المتلقى؟
كاتب الطفل اليوم أمام تحدٍ كبير، لأنه يتعامل مع جمهور نشأ فى عالم سريع، متعدد الشاشات، ومليء بالمؤثرات البصرية والسمعية، والطفل لم يعد يكتفى بالقصة التقليدية أو السرد المباشر؛ هو يبحث عن تجربة تفاعلية، محفزة للخيال، وقريبة من واقعه المعاصر لذلك على الكاتب أن يفهم لغة الطفل اليوم، اهتماماته، مخاوفه، وطريقة تفكيره، دون أن يقدم نصوصًا مبسطة أو تحتقر ذكاءه بل نصوصًا تحترم قدراته وتوسع مداركه.
المسرح يمكن أن يجذب هذا المتلقى إذا أصبح تجربة حية متعددة الحواس: حركات جسدية مبتكرة، موسيقى وإيقاعات، فضاءات مرنة، ولغة سردية قريبة من الطفل المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون النص مرنًا فى معناه، يترك مساحة للتفاعل والتخيل، بحيث يشعر الطفل بأنه ليس مجرد متفرج، بل شريك فى الحدث المسرحى، فعلاقة كاتب الطفل بالطفل اليوم تقوم على الفهم العميق للتغيرات الثقافية والتكنولوجية، وعلى تقديم نصوص مسرحية حيوية، محفزة، ومفتوحة للتفاعل، تجمع بين المتعة والتفكير، وتعيد إلى المسرح دوره الأساسى كمساحة لتشكيل الوعى والخيال منذ الصغر.
نحن فى ذكرى ثورة يناير، كيف ترى علاقة المسرح بالثورات والتحولات الاجتماعية؟ وهل ما زال قادرًا على المساهمة فى تغيير الوعى؟
المسرح، بطبيعته، فضاء للمواجهة والتساؤل أكثر من كونه منصة للإعلان أو الدعوة المباشرة، الثورات والتحولات الاجتماعية تطرح أسئلة وجودية وجماعية، والمسرح قادر على إعادة صياغة هذه الأسئلة بصوت إنسانى حى، يجعل الجمهور يواجه تناقضاته، مخاوفه، وآماله، بدل أن يقدم حلولًا جاهزة.
بالرغم من التغيرات التقنية والاجتماعية، المسرح لا يزال قادرًا على تغيير الوعى، لكنه يفعل ذلك بطريقة غير مباشرة من خلال تجربة مشتركة، تعايش مع الشخصيات، واختبار مواقف الصراع على الخشبة، وهذه التجربة الحية تجعل المشاهد يعيد النظر فى معتقداته، فى فهمه للسلطة، للحرية، وللعلاقات الإنسانية، بطريقة أكثر عمقًا من مجرد قراءة أو خطاب إعلامى. فيمكن القول إن المسرح ليس أداة احتجاج مباشرة، فهو وسيلة لإثارة الفكر والوعى، ويظل مساحة حقيقية لتحريك المشاعر وتساؤل المجتمع، خاصة فى لحظات التحولات الكبرى مثل ثورة يناير.

وأخيرًا.. ما المشروع الذى تجهز له بعد حصولك على جائزة ساويرس؟
لا يوجد مسمى أو مشروع محدد قبل أو بعد ساويرس، فالمسرح نفسه هو عملى المستمر، كل ما يثير قلقى وأسئلتى الإنسانية يتحول مباشرة إلى خشبة، وكل تجربة عرض هى فرصة للتعبير والتجريب، الأهم بالنسبة لى هو الاستمرار فى العمل المسرحى بصدق وحرية، دون وضع أسماء أو خطط رسمية، لأن المسرح ذاته هو الهدف والميدان.


روفيدة خليفة