فن الحكي.. بمتحف المركز القومي للمسرح

فن الحكي..   بمتحف المركز القومي للمسرح

العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026

منذ آلاف السنين، ظل فن الحكي واحداً من أقدم الفنون الإنسانية وأكثرها قدرة على أسر القلوب وإشعال الخيال، فهو ليس مجرد سرد الحكاية تروي،بل عالم كامل من الصور والمشاعر والرموز، ينتقل فيه المستمع بين الأزمنة والأماكن دون أن يبرح مكانه، وبين نبرة الصوت وتلوين الكلمات وحضور الحكاء تتحول الحكاية إلى تجربة نابضة بالحياة، تمتزج فيها الدهشة بالحكمة، وتصبح الكلمة وسيلة لاختزال تاريخ طويل من الوجدان الشعبي والذاكرة الجمعية.

وفي زمن كانت فيه الحكاية تقال قبل أن تكتب،وكان الحكاء هو حامل التراث وراوي الحكايات ومرآة المجتمع، ظل هذا الفن حاضراً في وجدان المصريين، ينسج من الخيال حقيقة، ومن الواقع أسطورة، ومن التجارب اليومية حواديت تتناقلها الأجيال فقد عاش فن الحكي في المقاهي  والموالد والليالي الطويلة، يتردد صداه في الشوارع الشعبية والبيوت القديمة، يزرع البهجة في العيون، ويترك أثره في القلوب، ليؤكد أن الحكاية ليست مجرد ترفيه عابر، بل وسيلة لحفظ القيم والعادات والهوية.

ويمثل فن الحكي أحد أهم أشكال التعبير الشعبي التي لم تفقد بريقها رغم تغير الأزمنة لأنه يجمع بين الكلمة والوجدان، وبين الذاكرة والخيال، ويعيد تشكيل وعي المجتمع من خلال سرد ممتد عبر التاريخ، فالحكاية لم تكن يوماً مجرد بداية ونهاية ، بل كانت وطناً صغيراً  يسكن داخل الذاكرة، ومفتاحاً لفهم الناس وأحلامهم وخوفهم ودهشتهم وجسراً يصل الماضي بالحاضر في لحظة واحدة وفي جضرة الحكاء تصبح القصة أكثر من كلمات تقال، بل تتحول إلى عرض حي ينبض بالحياة، لا يحتاج إلى ديكور ولا إضاءة ولا مؤثرات، إذ يكفي حكاء بارع وكلمات صادقة حتى يتحول المكان إلى عالم كامل من الحواديت، وتتحول اللحظة إلى طقس فني وإنساني يلامس روح الجمهور, من هنا تظل الحكاية قادرة على الإلهام والتأثير، لأنها تعيد للناس متعة الإصغاء، ودهشة الخيال وتذكرهم بأن التراث الشعبي ما زال حاضراً قادراً على الحياة والتجدد، وعلى أن يظل جزءاً أصيلاً من هوية المجتمع ووجدانه.

أحيا الفنان محمد عبد الفتاح (كالا) أمسية ثقافية (حكي) تحمل عبق التراث وروح الحكايات الشعبية بمتحف المركز القومي للمسرح، حيث استقبل متحف المركز القومي للمسرح، عرضا مميزاً لفن الحكي، قدمه الحكاء المعروف محمد عبد الفتاح(كالا) وذلك في تمام الرابعة عصر الأحد الموافق 8 فبراير 2026، بمقر المركز الكائن 9 شارع حسن صبري- الزمالك، وسط حضور متوقع من محبي الفنون الشعبية وعشاق السرد الحكائي.

وتأتي هذا الفعالية في إطار حرص وزارة الثقافة على دعم الفنون الشعبية التراثية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، باعتبارها أحد أهم عناصر الهوية الثقافية المصرية، وذلك برعاية الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة، وبإشراف الفنان القدير هشام عطوة رئيس قطاع الإنتاج الثقافي.

أكد المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، أن هذه الفعالية تأتي ضمن استراتيجية المركز التنويرية والتوعوية، التي تهدف إلى إعادة إحياء فن الحكي بوصفه أحد أبرز الفنون الشعبية التي لعبت دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجمعي المصري، كما ساهم في حفظ الموروث الثقافي والإنساني عبر العصور، من خلال تناقل الحكايات والخبرات الشعبية من جيل إلى جيل.

 قدم كالا قراءة مسرحية لنص بعنوان “نوح” المستلهم من تجربة علاجية لمجموعة استطاعت تجاوز الاكتئاب عبر الحكي، لتتحول التجربة إلى نص جديد يلامس الوجدان، وتخللت الأمسية قصائد من ديوان “على سبيل الحزن” للشاعر محمد عز الدين،وسط إنصات الجمهور بشغف ووعي، انعكس في فريق العيون المليء بالخيال.

الحدث جسد إداركاً عميقاً لأهمية فن الحكي كأحد أروع أشكال التراث الفني المصري، مؤكداً أن الحكي ليس مجرد رواية، بل طاقة إبداعية قادرة على بث الأمل وإحياء الذاكرة الثقافية.


أعرب الفنان محمد عبد الفتاح (كالا) عن سعادته الكبيرة بالدعوة التي تلقاها من المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، لتقديم عرض فن الحكي داخل متحف المركز القومي للمسرح، مؤكداً أن هذا المكان يمثل له قيمة خاصة ومكانة كبيرة على المستوى الثقافي والفني.
وقال “كالا” إن متحف المركز القومي للمسرح يعد واحداً من أهم وأبرز الأماكن التابعة لوزارة الثقافة لما يقدمه من نشاط وجهود واضحة في حفظ وتوثيق تاريخ الحركة المسرحية المصرية، مشيراً إلى أن تقديم عروض فن الحكي داخل هذا الصرح يمثل تجربة مهمة بالنسبة له.

 وأضاف أن هذا التعاون مع إدارة المتحف لن يكون الأخير، موضحا أن هناك تعاوناً مستمراً بينه وبين المركز القومي للمسرح في إطار دعم الفنون التراثية وتقديمها للجمهور بشكل معاصر.

وأوضح”كالا” أن المتحف لا يُعد مجرد مكان للعرض أو التوثيق،بل هو موروث ثقافي يمثل قيمة مشتركة للجميع، خاصة عندما يتم تقديم حكايات مرتبطة بمقتنيات الفنانين وذكرياتهم ومتعلقاتهم الشخصية، بما يساهم في تعزيز الوعي بتاريخ الفن المصري وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة أكثر حيوية.

وكشف محمد عبد الفتاح “كالا” أن مثله الأعلى في فن الحكي هي “أبلة فضيلة” معتبراً إياها مصدر إلهام ليس له فقط،بل للوطن العربي بأكلمه، لما قدمته من تجربة مؤثرة رسخت فن الحكاية في وجدان أجيال عديدة.

وأشار إلى أن رسالته الأساسية للجمهور تتمثل في أهمية أن يكون الإنسان مستمعاً جيداً لفن الحكي، وأن يحرص على مشاركة تجاربه الشخصية، مؤكداً أن التجارب الحقيقية تترك أثراً مختلفاً لدى الجمهور، خاصة عندما تكون نابضة بالمشاعر والصدق الإنساني.

واختتم “كالا” حديثة مؤكداً أنه كان يتمنى أن يصبح مدرساً أو مقدم برامج تعليمية، نظراً لحبه الشديد للتعلم ورغبته في تقديم محتوى يساعد الناس على التعلم وتطوير أنفسهم، موضحاً أن تجربته الطويلة وخبراته المتراكمة جعلته يدرك أهمية الحكي كوسيلة إنسانية غنية، ساهمت في تغيير الكثير من طباعه وأفكاره، واكسبته نضجاً أكبر بعد أن كان يتسم بالتسرع في بعض الأمور.
 


تغريد حسن