«جبل النار».. عرض مسرحى يجمع التراث بالهوية المصرية

«جبل النار»..  عرض مسرحى يجمع التراث بالهوية المصرية

العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026

ضمن فعاليات الموسم المسرحى الجديد 2025/2026، للهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة اللواء خالد اللبان، يواصل إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد حضوره الثقافى عبر عرض «جبل النار» لفرقة قصر ثقافة بنى سويف، مأخوذ من نص (الغرباء بلا أقنعة) للكاتب أسامة بدر وإخراج أسامة محمود، يقدم العرض برعاية الإدارة المركزية للشون الفنية، برئاسة الفنان أحمد الشافعى، والإدارة العامة للمسرح لمديرتها سمر الوزير وفرع ثقافة بنى سويف، برئاسة الكاتب أحمد حلمى.

أسامة محمود: «جبل النار» نص مسرحى يلامس الواقع المصرى
يقول المخرج أسامة محمود: (إن الفكرة الأولى التى جعلتنى أختار هذا النص هى تماسّه المباشر مع الوضع الحالى فى مصر، وتحديدًا فكرة تأصيل الهوية المصرية. فمن هذا المنطلق، وفى أوقات الأزمات، يصبح الشعب المصرى كله جنودًا. فالعصر الذى يدور فيه النص المسرحى هو أوائل القرن العشرين، حيث تقتحم مجموعة من الإنجليز قرية ما للاستيلاء على منجم، دون أن يحدد النص نوع هذا المنجم. فالغرض الأساسى للإنجليز ليس الحرب، بل استغلال موارد مصر، إذ من المعروف منذ القدم أن مصر هى خزائن الأرض، وتدور الأحداث كلها داخل هذه القرية).
ويكمل: (أتعامل مع النص على أنه مادة قابلة للتأويل، بحيث يكون ملائمًا للرؤية التى أعمل عليها، وهى تأصيل الهوية المصرية من خلال فهم الماضى والحاضر واستشراف المستقبل. وقد أضفتُ شخصية جديدة إلى النص، وهى سيدة تؤكد هذه الفكرة، إذ تتمسك بيدها بطاحونة ترمز إلى الخير الذى تقدمه مصر منذ فجر التاريخ، كما تؤكد أن ساعة العمل قد بدأت، وليس الاكتفاء بالتنظير كما يحدث عبر وسائل التواصل الاجتماعى).
ويوضح: (أمنح مساحة واسعة للارتجال فى بداية العمل الفنى، بهدف فك جمود أحداث النص، خاصة لدى فئة الشباب. وإلى جانب ذلك، أسعى إلى بناء الإيقاعات داخل المشاهد من خلال التنوع، أى عدم الالتزام بإيقاع ثابت للعرض، رغم أن العرض المسرحى قد يوحى بوجود إيقاع واحد مسيطر، وهو الإيقاع الخطابى، لكنى أحرص على كسره عبر تنويع الإيقاعات داخل العمل).
ويضيف: (أسعى إلى كسر التصنيفات الجاهزة؛ فالنص قد يبدو قابلًا للإخراج من مدرسة فنية واحدة، لكننى خلال البروفات أعمل على توظيف أكثر من مدرسة إخراجية. وقد انعكس ذلك أيضًا على بناء السينوغرافيا الخاصة بالعرض، إذ توجد خلفية ثابتة للجبل والبيوت، بينما تحدث المشاهد داخل المنجم، لذلك جعلت الديكور متعدد الاستخدامات وقابلًا لفك وإعادة التركيب).
ويختتم: (يضيف هذا العرض الكثير إلى تجربتى كمخرج، حيث أسعى من خلاله إلى تعريف الجيل الجديد بالموروث الصعيدى بأسلوب بسيط وخفيف، ليصبح المسرح فى هذا العرض حالة ذهنية تُثير العديد من التساؤلات المهمة التى أحاول طرحها بوعى).

أنواع أحمد: بناء الشخصية بين التراث الصعيدى والتعرف على الابعاد
تقول الممثلة أنوار أحمد: (أقوم بتمثيل دور الحاجة عابدة، وهى شخصية ترمز إلى مصر؛ إذ تظهر فى الفواصل وتلقى رباعيات، تكشف كل رباعية منها عن الحدث القادم. وقد بدأتُ فى بناء ملامح الشخصية اعتمادًا على معرفتى ببعض التقاليد فى الصعيد المصرى، إلى جانب الأبعاد الاجتماعية والنفسية للشخصية، بوصفها سيدةً كبيرة فى السن، ما يستوجب إظهار قوة شخصيتها المستمدة مما رأته وعاشته فى حياتها. وحتى على مستوى مخارج الحروف، كانت تفكر فى كل كلمة قبل نطقها، وقد ساعدنى فى بناء هذه الشخصية الأستاذ أسامة محمود).
وتكمل: (من أصعب التحديات التى واجهتنى الالتزام باللهجة الصعيدية، فضلًا عن التنقل بين الحالات الشعورية المختلفة، من مشاعر القوة إلى لحظات الجدية. ومن خلال الالتزام بالبروفات، أسعى إلى تجاوز هذه التحديات وتحقيق الأداء المطلوب).
وتختتم: (فى الحقيقة، يسعى الأستاذ أسامة إلى تقديم كل ما هو أفضل داخل البروفات من أجل خروج عرض احترافى، لذا فإن الالتزام برؤيته الإخراجية أمر ضرورى، إذ ينطلق هذا النص من سؤال جوهري: أين تقف مصر الآن؟).

يوسف أسامة بدر: سالم خادم العمدة بين الهامش والبعد الإنسانى
يقول الممثل يوسف أسامة بدر: (أقوم بدور سالم، خادم العمدة، وهى شخصية تبدو فى ظاهرها هامشية، لكنها تحمل داخلها أبعادًا إنسانية ودلالات اجتماعية مهمة. بدأتُ فى بناء ملامح الشخصية بالاعتماد على خيالى الشخصى أثناء القراءة الأولى للنص، محاولًا تكوين خلفية متكاملة لها، سواء على المستوى النفسى أو الاجتماعى، لفهم دوافعها وعلاقتها بمحيطها وبالسلطة التى تمثلها شخصية العمدة).
يضيف: (وانطلقتُ فى البداية من مساحة واسعة من الارتجال، سواء فى الحركة أو الإلقاء، لاكتشاف احتمالات الشخصية المختلفة، ثم قمتُ بعرض هذه المقترحات على المخرج، لنبدأ معًا مرحلة التعديل والتهذيب، وصولًا إلى تثبيت الخط الأدائى الذى يتماشى مع الرؤية الإخراجية العامة للعرض).
ويكمل: (بدأتُ فى إظهار حالة الاختلال العقلى التى تعانى منها الشخصية بشكل تدريجى وغير مباشر، بحيث لا تبدو مفتعلة أو قائمة على الاستعراض الأدائى على خشبة المسرح، وإنما تنبع من الداخل، من خلال تفاصيل دقيقة فى السلوك وردود الفعل، مثل التردد فى الحركة، واضطراب النظرات، والتغير المفاجئ فى نبرة الصوت، بما يجعل المتلقى يكتشف هذا الاختلال تدريجيًا عبر تطور الأحداث، لا من خلال أداء صريح أو مباشر).
يوضح: (أنطلق دائمًا من فهم رؤية المخرج، فهى تمثل بالنسبة لى البوصلة التى توجهنى وتمنعنى من التيه أثناء بناء الشخصية والأداء، ليس الإشكال فى الاختيار بين «س» و(ص)، بل فى إيجاد صيغة تحقق «س» من دون أن تنفى «ص» فالإشكالية هنا لا تتعلق بالمفاضلة أو الإقصاء، بقدر ما ترتبط بالبحث عن آلية توازن تسمح بتحقيق الفعل الأول دون أن يهدم أو يُفرغ الفعل الآخر من مضمونه. إنها محاولة لإدارة التعقيد لا تبسيطه، وفهم العلاقة الجدلية بين الطرفين بوصفها علاقة تكامل أو تفاوض، لا صراعًا صفريًا. ومن ثم، يتحول السؤال من منطق الاختيار الحاد إلى منطق التفكير التركيبى، الذى يسعى إلى إنتاج حلول مركبة تستوعب التناقض بدلًا من إنكاره).
يختتم: (تمثل المقاومة الذروة الحقيقية التى يتفجر عندها الحدث الدرامى، حيث تنبع أبعاد الشخصية، نفسيًا ودراميًا، من عمق التراث المصرى وبنية المجتمع، بما يمنحها مشروعية وجدانية وقدرة على التأثير داخل السياق المسرحى).

محمد رمضان: العمدة بكر بين البناء التدريجى والشخصية المركبة
يقول الممثل محمد رمضان: (العمدة بكر شخصية انطلقتُ فى بنائها منذ القراءة الأولى للنص، حيث تشكّلت ملامحها فى ذهنى تدريجيًا، وبدأت بتدوين ملاحظات تفصيلية حول طبيعتها ودوافعها وسلوكها داخل الحدث الدرامى. ومن بين الأسئلة الجوهرية التى شغلتنى أثناء العمل على الشخصية: تفصيله الأقارب داخل النص؛ هل يقفون فى صف العمدة أم ضده؟ وكيف تؤثر هذه العلاقات العائلية فى قراراته ومسار تحوله؟).
يكمل: (اشتغلت كذلك على تلوين الصوت والأداء، وما زلت فى مرحلة تدريب مستمرة على الإيقاع، خاصة أن فهمى الأول له تغيّر مع تعمّق القراءة والبروفات، حيث اكتشفت أبعادًا أعمق للشخصية ولرسالة النص، لم تكن واضحة فى البداية. هذا العمق كشف لى أن الشخصية ليست ثابتة أو أحادية، بل تحمل تناقضات داخلية تُغذّى الحدث وتدفعه إلى الأمام).
يضيف: (وقد ساعدتنى العلاقة الجيدة التى جمعتنى بفريق العمل، خصوصًا من حيث التناغم والحوار والنقاش المفتوح، على تطوير الأداء وصقل التفاصيل. أنا أميل إلى الالتزام الصارم داخل العمل المسرحى، لكننى فى الوقت نفسه أفضّل الارتجال الواعى، لأنه يصنع الفارق بين الممثل العادى والممثل المفكر، بشرط أن يكون ارتجالًا محدودًا، منضبطًا، ولا يخرج عن سياق النص أو يخل برسالته الأساسية).
يوضح: (أما التحدى الأكبر بالنسبة لى، فهو أن الدور يتوافق ظاهريًا مع هيئتى الجسدية وملامح وجهى، وهو ما يدفعنى إلى محاولة كسر هذا الحاجز النمطي؛ بحيث لا يرى المتلقى الشكل قبل الأداء، ولا يقول: «هذا دوره الطبيعي»، بل يشعر أنه أمام ممثل قدّم دورًا مختلفًا ومؤثرًا).
يؤكد: (ويطرح النص سؤالًا جوهريًا: لماذا ندافع عن أرضنا؟ وهو سؤال يتجسد داخل التحول الداخلى للشخصية، إذ إن هذا التحول يمنح المشهد اختلافه الحقيقى، ويُسهم فى بناء التصاعد الدرامى. فبعض الشخصيات فى النصوص قد تظل ثابتة، لكن فى هذه التجربة، التحول هو المحرّك الأساسي).
يختتم: (وأراهن فى أدائى على تراكم الإحساس لا على الانفعال المباشر، وما زلت فى طور بناء الأبعاد النهائية للشخصية، مع اقتناع متزايد بأن هذه الأبعاد ستكون درامية بالأساس، وربما تتقدّم الدراما فيها على التحليل النفسى، وفق ما يفرضه سياق النص ورؤيته).
مسرحية جبل النار، من تأليف أسامة بدر، وإخراج أسامة محمود، أشعار أحمد هيكل، ألحان محمد عبد الوهاب، الكير وجراف وائل عيد، ديكور سليفا سعيد، فيديو مابج محمد البدرى، إضاءة وليد درويش، ماكياج عهد عمرو، الممثلون: يوسف أسامة بدر، محمد رمضان، أنوار أحمد، أحمد قناوى، أشرف تمساح، ولاء سلام.
 


جهاد طه