العدد 964 صدر بتاريخ 16فبراير2026
الآن ، وبعد مرور أكثر من شهر على انتهاء الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي والذي شرفت بتولي مسئولية مجلته اليومية، أعود لحديث، أجلته طويلا، عن ذلك الجدل الذي بات مصاحبا لكل دورة من دورات المهرجان، بل ولكل نشاط من أنشطة الهيئة .
لقد لاحظت أن في كل دورة من دورات مهرجان المسرح العربي، ومع كل إعلان لنتائج مسابقة أو اختيار لجنة أو تكريم اسم، تخرج علينا بعض الأصوات الغاضبة. غضب مشروع؟ ربما. اختلاف في الرأي؟ بالتأكيد. لكن المؤسف أن يتحول الخلاف الفني إلى حملة تشكيك، وأن يُختزل مشروع ثقافي عربي كبير في دعوة لم تصل، أو نص لم يُقبل، أو مشاركة لم تتحقق.
وأقولها بوضوح: من حق أي كاتب أن يحزن إذا رُفض نصه، ومن حق أي مخرج أن يتألم إذا لم يُدعَ إلى مهرجان يرى نفسه جزءًا منه. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل غضبه الشخصي إلى حكم عام على مؤسسة، أو أن يصوّر قرارات لجان مستقلة على أنها مؤامرة أو إقصاء أو استهداف.
في البدء كانت القاهرة
أتذكر الآن ذلك الاجتماع الذي عُقد في القاهرة، بحضور نخبة كبيرة من مسرحيي الوطن العربي، للإعلان عن تأسيس الهيئة العربية للمسرح. لم يكن لقاءً عابرًا، بل كان لحظة مفصلية شعرنا فيها أن المسرح العربي - بكل تاريخه وتنوعه وأسئلته - يبحث عن إطار جامع، عن مظلة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وتؤمن بأن الثقافة قادرة على أن تصنع ما تعجز عنه السياسات.
يومها، في كلمتي، أعربت عن سعادتي البالغة بهذا الاسم وبهذا الهدف. وقلت إن الاسم ذكرني بهيئة أخرى كان لها عظيم الأثر في وجداننا العربي، وهي الهيئة العربية للتصنيع.
لم تكن المقارنة عابرة، بل كانت مقصودة؛ فكما سعت تلك الهيئة إلى تحقيق قدر من التكامل الصناعي العربي، فإن الهيئة العربية للمسرح جاءت لتطرح حلمًا مشابهًا في المجال الثقافي: تكامل مسرحي عربي، يقوم على تبادل الخبرات، ودعم الإنتاج، ورعاية النصوص، وصناعة جيل جديد من المسرحيين المؤمنين بأن المسرح فعل نهضوي لا مجرد نشاط فني.
أهمية الهيئة العربية للمسرح لا تكمن فقط في تنظيم مهرجان سنوي كبير، أو إطلاق مسابقات للتأليف، أو تكريم الرواد - على أهمية كل ذلك - بل تكمن في أنها أعادت طرح سؤال المشروع الثقافي العربي المشترك. لقد وفرت مساحة للحوار، وأتاحت فرصًا حقيقية للشباب، وخلقت حالة من الحراك المستمر، بحيث لم يعد المسرحي العربي يعمل في عزلة بلده فقط، بل ضمن فضاء عربي أوسع يتقاطع فيه المحلي بالقومي، والتجربة الفردية بالوعي الجمعي.
قد تختلف أو تتفق مع مهرجان هنا، أو اختيار هناك، أو لجنة تحكيم في دورة بعينها تقيمها الهيئة؛ وقد ترى أن عرضًا ما كان أحق، أو أن نصًا آخر كان أولى بالتتويج. وهذا طبيعي وصحي، بل هو جزء من حيوية أي فعل ثقافي حي. لكنك، مهما اشتد خلافك، لن تستطيع إنكار الأثر الذي حققته الهيئة العربية للمسرح عبر مهرجانها العربي. بل إن مجرد استمرارية هذا المهرجان، وانتظامه، وقدرته على جمع هذا الطيف الواسع من التجارب، هو في حد ذاته إنجاز لا يمكن القفز فوقه أو التقليل من شأنه.
في رأيي أن الهيئة أسهمت في ترسيخ فكرة أن المسرح ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية. ففي زمن تتراجع فيه القراءة، وتتصاعد فيه النزعات الفردية، يأتي المسرح ليعيد الاعتبار لفعل اللقاء، لفكرة الجماعة، لفن يقوم على الحضور الحي والمواجهة المباشرة. ومن هنا فإن دعم المسرح هو دعم للوعي، وللقدرة على النقد، ولإنتاج خطاب ثقافي يواجه السطحية والتطرف ويصون التنوع.
ودعونا هنا نتذكر ،كم من نص شاب وجد طريقه إلى النشر عبر مسابقات الهيئة؟
كم من مخرج شاب عُرف عربيًا لأول مرة عبر هذا المهرجان؟
كم من مدينة عربية استعادت وهجها المسرحي لأنها استضافت الدورة السنوية؟
هذه أسئلة لا يجيب عنها الغضب، بل الوقائع.
حين يفسد الخلاف كل ود
المفارقة أن بعض من يهاجمون الهيئة اليوم، كانوا بالأمس يحتفون بها حين كانوا جزءًا من فعالياتها. وهذا ليس عيبًا فيهم بقدر ما يكشف هشاشة الموقف حين يُبنى على الاعتبار الشخصي لا على الرؤية الموضوعية. فالمؤسسة الثقافية لا تُقاس بمدى استضافتها لنا، بل بمدى تأثيرها في الحقل الذي تعمل فيه.
الدفاع عن الهيئة العربية للمسرح لا يعني تأليهها، ولا يعني تحصينها ضد النقد. بل يعني ببساطة وضع الأمور في نصابها: مؤسسة تعمل منذ سنوات بانتظام، تستثمر في النصوص، وتدعم الترجمة، وتطلق المبادرات، وتنظم مهرجانًا عربيًا متنقلًا حافظ على استمراريته في ظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد. وهذا وحده إنجاز يستحق الاحترام.
اليوم، بعد سنوات من العمل، أرى أن الحلم لم يكن وهْمًا، بل مشروعًا يتطور، يخطئ أحيانًا، ويصيب كثيرًا، لكنه يمضي إلى الأمام.
ومن الإنصاف - حتى ونحن نختلف - ألا ننسى ذلك.