أضواء على المسرح الفلسطينى

أضواء على المسرح الفلسطينى

العدد 705 صدر بتاريخ 1مارس2021

يظل المسرح قناة اتصال مناسبة يستخدمها الفلسطينيون فى اراضى 48 او الداخل الفلسطينى للتعبير عن معاناتهم من ابشع استعمار استيطانى يعرفه التاريخ صمودهم فى وجهه وتمسكهم بارضهم  وامالهم فى تحرير سوف ياتى يوما ما.
وتشهد الفترة الحالية نشاطا مسرحيا مكثفا فى عدد من التجمعات العربية. وتتنوع المسرحيات المعروضة فى اشكالها وموضوعاتها لكنها تصب جميعا فى التعبير عن الشعب الفلسطينى.
وأهم مسرحية معروضة حاليا هى   «الزاروب». والزاروب هو مفرد «الزواريب» وهو الاسم الذى يطلقه ابناء عكا على الازقة والحوارى الضيقة التى تتميز بها مدينة عكا التاريخية المصنفة ضمن التراث الانسانى.
المسرحية من  تأليف وبطولة  ابنة عكا الفنانة  سامية قزموز بكري وإخراج فؤاد عوض الذى لا تتوافر معلومات عنه.  وهى من مسرحيات الشخص الواحد قدمتها قزموز لاول مرة عام 1992 على مسرح تل الفخار فى  عكا وحققت نجاحا كبيرا.  وبعدها عرضت فى كل المدن والبلدات الفلسطينية تقريبا سواء فى الضفة الغربية وقطاع غزة واراضى 48. وعرضت فى دول عديدة فى عدد من قارات العالم مثل النرويج والبرازيل والارجنتين واسبانيا واليونان ةغيرها.
ذكريات اليمة
 الشخصية الرئيسية  فى المسرحية امرأة  من عكا تحكى ذكرياتها عن تلك المدينة  قبل ان تضطر للرحيل عنها مع اسرتها عام 48 مع الاحتلال الصهيونى لها رغم انها كانت من حق العرب وفقا لقرار التقسيم الجائرسنة 1947 ...تماما مثلما كانت يافا والناصرة  والرملة من حق العرب وفقا للقرار الجائر.
وفى هذه الذكريات  تخيلت مؤلفة المسرحية ان البطلة ذهبت الى منازل عدد من الشخصيات الفلسطينية التاريخية التى لم تعد موجودة بالطبع بعد ان صادرها اليهود او هدموها  والتقت باصحابها وتحدثت منهم عن المدينة . زارت منزل الاديب «غسان كنفاني» (1936 - 1972). ومرت بحى الفاخورة حيث عاشت لبعض الوقت نجوى قعوار  الروائية الفلسطينية (1923 - 2015) والاديبة والاذاعية والناشطة الفلسطينية سميرة عزام (1927-1967).
.وكانت تحكى الذكريات بصوت مثقل بالحزن. وتتذكر البطلة عندما كانت تلهو بامواج بحر عكا رغم صخوره   وزيارات فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب لقهوة «الازاز» في عكا..وعندما يزدان شارع صلاح الدين بجريد النخيل والورود والشرايط الملونة في المولد النبوي.  والاحتفالات التى تقام فى جامع الجزار وغيرها من الذكريات.
كل ذالك اختصرته  سامية بكري  فى المسرحية  عن نكبتها ونكبة شعبها واوجاعه وآلام رحيله عن وطنه..  وتذكرت كيف تحول   حمام الباشا إلى متحف إسرائيلي تعلو فيه الأكاذيب ويزيفون به الحقائق،   وكيف اندثرت معالم المدينة الدينية والتاريخية   وزيفوا حقائق  التاريخ. وشوهوا بوجودهم المكان.
دموع
ولم يملك الحاضرون مغالبة دموعهم وهى تروى بصوتها المعبرالحزين  قصة خالتها التى هربت من يافا بعد ان اجتاحها اليهود واكتشفت بعد ان خرجت من المدينة انها تحمل وسادة وليس طفلها الرضيع. وهذه النقطة بالذات تناولته اعمال درامية عديدة حول ماساة فلسطين مثل مسلسل «التغريبة الفلسطينية « فى شخصية ام سالم و»عائد الى حيفا «لغسان كنفانى فى شخصية ام خلدون .وكانت دموع الحاضرين تنسال  فى كل مكان عرضت فيه المسرحية.  
وتقول الفنانة سامية قزموز بكري لـ»نافذة الخير» عن سبب تسميتها للمسرحية بالزاروب « لقد عشت بزواريب عكا وتنقلت بها وهى صورة مصغرة من فلسطين.فأي مدينة هي شريحة عن كل مدن فلسطين وأي إنسان فلسطيني عاش ومر ما مررت به في عكا ومرت به عائلتي، فالمسرحية هي حكاية كل فلسطيني، فهي ما نشعر وما نحس به، وأركز فيها على الإنسان الفلسطيني، فهي قصة كل واحد فينا بالداخل والشتات. وتعمدت الا تذكر اسما للبطلة فى مسرحيتها باعتبارها رمزا للمرأة الفلسطينية ولفلسطين كلها.
وعن المسرحية، تقول قزموز أنها من تأليفها وتوليفها بحيث قامت بها من خلال تجربتها وعائلتها في النكبة وعن قصص قامت بالبحث عنها وشهادات حية ممن عايشوا النكبة، وجهد بحث طويل على مدار عامين، ومن تمثيلها وإخراج ورؤية الفنان فؤاد عوض.
استمرار
  وأكدت الفنانة أن استمرار المسرحية  حتى اليوم دليل أنها ما زالت نابضة بما نعيشه، فهي تعكس ما تمر به القدس والشيخ جراح وما تمر به كل مدينة فلسطينية، وتحكي مخططات إسرائيل بتهويد المدن العربية بالداخل، وكيف تقوم بتوطين المهاجرين اليهود في كل حي عربي حتى تسلخه عن تاريخه وماضيه وذكرياته.
وقد أكدت قزموز، أن محاولات المحتل ستبوء بالفشل، لان ما تراه هي في عكا لا يراه المهاجر الصهيوني، لان لها تاريخ وذكريات في ذلك المكان، وما تشاهده بعينها لا يراه هو.
وأضافت « المسرحية رغم أعمالي الأخرى التي تتحدث عن القضية الفلسطينية والنكبة إلا أنها بطاقتي الشخصية، وهي ملخص لعمر عشته في هذه المدينة العريقة الصامدة، وتتحدث عن جرح ما زال ينزف نورثه للأجيال القادمة، فهي قول داخلي وعمل نثري وقصصي بقدر ما هو مسرحي”.
من هى
 و سامية قزموز بكري  لها العديد من المسرحيات والأعمال الدرامية ولها اعمال اخرى خلاف «الزاروب» منها أيضا «فاطمة» و«رومولوس العظيم» وغيرها، وكانت مؤسسة مسرح تل الفخار   في مدينة عكا، وشاركت بتأسيس مسرح الناهض في حيفا، ولها عدة مؤلفات من القصص القصيرة أهمها «بوابة سجن الظاهرية» و «دمعتان ودمعة»، كما وتم تكريمها من قبل وزارة الثقافة التونسية خلال دورة مهرجان قرطاج المسرحي لعام 2003.
من جانبها أبدت الناقدة  سناء شبيطة   إعجابها الكبير بالمسرحية وأداء  قزموز، وقالت « أن المسرحية عكست واقع النكبة بكل تفاصيلها وهي شهادة حية بأداء مبدع، وقد أتت على تفاصيل مدننا ونكبتنا ورسمت لنا عبق تلك الذكرى بأسلوب بسيط ومميز»
الخازوق والارقام القياسية
السخرية والغناء يمتزجان
صمويل بيكت فى ام الفحم
ومن هذه المسرحيات»الخازوق»  وهى  من تأليف واخراج محمد عبد الرءوف محاميد، وبطولة الفنانة بروين عزب محاميد وهى فنانة شهيرة وناشطة اجتماعية معروفة فى اوساط فلسطيني 48  وشاركها اخرون   منهم  ابراهيم دسوقي ، وايهاب محاجنه وأشرف جبارين وكفاح اغبارية.  
عرضت المسرحية على مسرح مدينة ام الفحم التى كانت قرية ثم تحولت الى مدينة بعد ان صادر اليهود كل الاراضى الزراعية فى زمامها كما حدث مع قرى فلسطينية كثيرة فى اراضى 48.
استغرق الاعداد للمسرحية 6 شهور وهى ماخوذة من مسرحية «فى انتظار جودو «للاديب الفرنسى الايرلندى صمويل بيكيت(1906- 1989).  وتحكي المسرحية عن زوجين يقطنان مخيم الشاطئ الفلسطيني بقطاع غزة ، ويفران من المخيم لحماية أنفسهما من القصف الصاروخي خلال العدوان الاسرائيلي على غزة ، ويشاهد الزوج في إحدى الصحف اعلانًا حول مسابقة عن «أكبر  خازوق فلسطيني» لتسجيله في  موسوعة جينيس  ، والجائزة عبارة عن مليون دولار .
ويقوم الزوجان بالبحث عن اكبر خازوق فلسطيني ، ويتم تقديم كل خازوق كمشهد من الحالة الفلسطينية العامة والواقع الحي المعاش بأسلوب عبثي هزلي ساخر ، ومن خلال قصائد وأحداث مقتطفة ومنتقاة من كتابات عدد من الكتاب والشعراء العرب منهم السوري نزار قباني ومظفر النواب ، ويرافق بعض مشاهد المسرحية أغنية ساخرة تناسب الحدث .
ويقول الناقد الفلسطينى ابن عكا  شاكر فريد حسن ان طاقم المسرحية تنافسوا فى الاجادة ليعبروا عن جوانب متعددة من مأساة الشعب الفلسطينى. ولعب الديكور والاضاءة دورا لايستهان به فى نجاح العمل المسرحى.


ترجمة هشام عبد الرءوف