حسين عبد القادر فتي المسرح المتمرد

حسين عبد القادر فتي المسرح المتمرد

العدد 524 صدر بتاريخ 11سبتمبر2017

ولد (د. حسين عبد القادر محمد) بحي الحلمية الجديدة بالقاهرة في 4 إبريل 1936،  والتحق بكلية الآداب جامعه عين شمس قسم علم النفس، وفي بداية أعوام الدراسة قام ببطولة مسرحية “سيأتي الوقت”  لرومان روملان من إخراج عبد الرحيم الزرقاني وفاز العرض بالجائزة الذهبية للجامعات، وحصل على ليسانس الآداب قسم علم نفس عام 1962، وكان قد شارك ببطولة مسرحية “الأب” لأوجستيا سترنبرج” عام1961 من إخراج نور الدمرداش.

وعقب تخرجه التحق بالمسرح القومي عام 1962، وهو أول جامعي يلتحق بالمسرح القومي  وفي نفس العام أخرج مسرحية  “العادلون”لألبير كامي”  لجامعه الأزهر، وبعدها أشار د. محمد إسماعيل موافي في تقديمه لهذا النص في سلسلة (المسرح العالمي) إلى هذا الإخراج كأحد الأسباب لنشر هذا النص الذي ربما تعترض عليه الرقابة، ويواصل (حسين) تجاربه الإخراجية في (المسرح الجامعي)، فقام بإخراج مسرحية “الكل في الميدان” لجامعه الأزهر 1963، و”الإخوة كارامازوف” لديستويفكي لآداب عين شمس 1966، وفي العام التالي قدم لجامعه حلوان (كلية التجارة) مسرحيتين “بيكيبت -  شرف الله” لجان انوي 1967، و” كوميون باريس” لبرتولد بوريخت 1968، وفي العام التالي قدم مسرحية “كوميديا أوديب” أو  “انت اللي قتلت الوحش” علي سالم 1969،  وفي السبعينيات تتوالى تجاربه الإخراجية في المسرح الجامعي إلى جانب حصوله على رسالة الماجستير في التحليل النفسي، وعنوانها (الفصام) بحث في العلاقة بالموضوع كما تظهر في (السيكو دراما) عام 1973، ويربط فيها ما بين التحليل النفسي والعلاج بأساليب السيكو دراما مؤصلا لهذا الأسلوب في التراث العربي عند ابن سينا، وفي نفس الوقت  مع مزاولته الأداء التمثيلي في المسرح القومي والمسرح العالمي يواصل تجاربه في الإخراج في المسرح الجامعي ففي عام 1974 يقدم مسرحية “الشعلة” لـ كيستورز لجامعه حلوان يتلوها “القصة المزدوجة للدكتور بالي “لبيارو بيوخي  1975، ثم “حالة حصار” 1978 لجامعه حلوان أيضا تأليف البير كامي، “لكع بن لكع “ عن رواية “ يوميات أبي النحس المتشائل” لإميل حبيبي  1979  لمنتخب جامعه القاهرة،  إلي أن يعود لتقديمها بعد ثلاثة عشر عاما لمنتخب جامعه المنصورة، وقام بإعداده عن رواية “الكاتب الفلسطيني”، والذي حشد عشرات الممثلين والمجاميع يزيد عن المائة ممثل في كلا تجربتي جامعة القاهرة وجامعه المنصورة، واستطاع بعد ذلك أن ينقاش رسالة الدكتوراة في التحليل النفسي عام 1985 بعنوان “العلاج الجماعي والسيكودراما دراسة في الجماعات العلاجية لمرض السيكو دراما)، وانتدب ليدرس مادة التحليل النفسي في أكثر من جامعة.
أما عن إسهاماته في الأداء التمثيلي (بما أنه كان رافضا الإخراج في ظل (المؤسسة)  لاعتبارات الوصاية والرقابة من الإدارة  سواء في المسرح القومي او المسرح العالمي الذي انتدب للعمل فيه -لذا كان يفضل العمل في (المسرح الجامعي)– دون هذه القيود فكان يختار تلك النصوص المتمردة الرافضة للواقع، والتي لم تقدم من قبل على خشبات المسرح المصري، وكانت بداية مشاركاته بالأداء التمثيلي في المسرح العالمي في مسرحية شكسبير “عطيل” إخراج حمدي غيث، وقام بدور كاسيوس عام 1963، وفي عام 1964 شارك في مسرحية “هاملت” شكسبير، إخراج السيد بدير علي مسرح دار الأُبِرا في دور هوارشيو، وعلى نفس المسرح شارك في مسرحية “أنتيوجونا” لسوفوكليس إخراج سعد أردش عام 1965 في دور الحارس،  بالإضافة إلي مساعد مخرج، وفي عام 1966 شارك في مسرحية “الكلمة الثالثة” تأليف إليخاندرو كاسونا، وإخراج أنور رستم، وقام بدور أستاذ علم الأجناس على خشبة مسرح الطليعة، وفي عام 1967 قام بدور أستاذ الفلسفة في كوميديا موليير” البرجوازاي النبيل” إخراج سعد أردش في مسرح الجمهورية، وفي عام 1969 شارك في مسرحية “وطني عكا” تأليف عبد الرحمن الشرقاوي وإخراج كرم مطاوع، وقام بدور الراوي بمشاركة نجاة علي، وقام بدور راوٍ آخر في عرض مناسبة رحيل عبد الناصر بعنوان “28 سبتمبر” وقصيدة لأحمد عبد المعطي حجازي عام 1971، وفي عام 1978 يشارك في عرض “السيرة النبوية” تأليف أسامة أبو طالب -  إخراج عبد الغفار عودة، وفي عام 1978  أيضا يشارك في مسرحية “النار والزيتون” تأليف ألفريد فرج وإخراج سعد أردش في المسرح  القومي وقام بدور كبير الفدائيين، وفي عام 1984 يشارك في عرض “الميت الحي” تأليف سعد مكاوي وإخراج مجدي مجاهد في المسرح القومي وقام بدور الطبيب، وفي عام 1985 يشارك في نص شكسبير  “أنطونيو  وكليوباترا” إخراج المخرج البريطاني بيير لاجوس، وقام بدور (بومبي) على خشبة المسرح القومي.
ولعلنا نلاحظ أن ظهوره على خشبات المسارح جاء على فترات متباعدة نظرا لانشغاله بالكثير من دراساته الأكاديمية والخاصة بعلم النفس، فقد حصل على درجتي الماجستير والدكتوراة (1973-1985) في التحليل النفسي والسيكودراما -كما سبق أن أشرنا- بالإضافة إلى تأليفه كتاب “السينما والتحليل النفسي “ 1976  وكتاب “معجم علم النفس والتحليل النفسي”  تحرير د. فرج طه..
 ثم توالت كتبة ودراساته مثل “جُناح الأحداث والسيكودراما” 1995 (بالاشتراك)، “ التحليل النفسي -  ماضيه ومستقبله” 2002 دار الفكر المعاصر – لبنان، “يونس الصغير في ضوء التحليل النفسي” 2005        – دار أزمنة-  الأردن.
بالإضافة إلى قيامه بدوره النقابي في نقابة المهن التمثيلية لفترتين من 1978 -  حتى 1981 كسكرتير للنقابة، وإلى تدريسه مادة علم النفس في معاهد أكاديمية الفنون ما بين أعوام1985 – 1990، وعضوية لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضوية المكتب الفني للمسرح القومي 1985، 1990، وكذلك عضويته في الجمعيات العلمية المتخصصة، وفي لجان معهد التليفزيون، وإعداد أوراق بحثية في كثير من المؤتمرات العلمية في مجال علم النفس والفنون مثلما تناول المخرجان (شادي عبد السلام وصلاح يوسف ويوسف شاهين) في السينما على سبيل المثال، وغيرها من الدراسات في الفنون الأخرى، وكذلك حواراته في برنامج “العيادة النفسية” في إذاعه البرنامج الثقافي، ومشاركته في تحرير موسوعة” الطب النفسي العربي” 2000 بيروت.. كذلك يؤسس (الجمعية المصرية للتحليل النفسي) 2001 لتصبح عضوا في الرابطة العالمية للتحليل النفسي، وعقد لها مؤتمرا دوليا في القاهرة 2008. أما عن نشاطه الأكاديمي في الجامعات المصرية فقد قام بتدريس مادتي التحليل النفسي والتحليل المرضي في جامعتي المنصورة والزقازيق، وذلك خلال الأعوام 1976 – 1990.
وفي هذا الخضم من النشاط المسرحي والعلمي يكلف في نهاية حياته الوظيفية في المسرح بإنشاء (فرقة الغد للعروض التجريبية)، ولم يكن قد تم الانتهاء من إنشاء دار عرض لفرقة الغد، وكتب دراسة بعنوان: (فرقة الغد والعروض التجريبية ورؤى المستقبل) توقف فيها عند محاور ثلاثة هي: غياب الفلسفة، ترهل الإدارة، الأموال المهدرة،  رافعاً شعار (المسرح الغني الفقير)، وبدأ العمل بعد تعيينه مباشرة في مايو 1994، في (بروفات) سبع مسرحيات في وقت واحد بعد ورشة فنية درس فيها  أعضاء الفرقة (تدريب الممثل والباليه والسيكودراما بل والعرائس)، والمسرحيات هي: “الليلة نضحك” لميخائيل رومان وإخراج محمد دسوقي، “رحلة الحلاج” لعز الدين المدني وإخراج  د.محمد أبو الخير، “فصيلة على طريق الموت” أو “ كتبية إعدام”  لألفونسو ساستري وإخراج محمد عمر، “ الطريق” لوول سوينكا وإخراج إسماعيل مختار، “ أرض لا تنبت الزهور” لمحمود دياب وإخراج هناء عبد الفتاح، “ فيلو كتيتوس” لسوفكليس وإخراج عاصم رأفت، “المولوية” لمحمد السيد وإخراج  جمال الشيخ.. وأضاف إلى هذه المسرحيات السبع ثلاث مسرحيات وهي: “ملك الغرفة المظلمة” لطاغور وإخراج سامح مجاهد،”بانوراما فرعونية” تأليف مصطفي سليم وإخراج شريف صبحي و”امرؤ القيس في باريس” لعبد الكريم بوشيد وإخراج جلال عثمان، وأقامت هذه العروض (450) ليلة عرض على مدى ثلاثة شهور في أقاليم مصر في طنطا والمحلة والمنصورة وغيرها من الأقاليم، وفي القاهرة في مواقع متعددة، وهي عروض من المسرح العالمي والإفريقي والعربي والمصري، وقد وصلت (د. حسين) برقية بالإسبانية من (ألفونسو سستري)، وكان قد شهد عرض “كتيبة إعدام” في المحلة يعبر عن إحساسه بالفرحة مع عمال النسيج بالمحلة، وهي الرسالة التي أرسلها إلى د.أحمد يونس أستاذ اللغة الإسبانية يشير فيها إلى  تأثره بشجاعه (حسين) لتقديم هذا النص، واستطاع د.حسين أن ينشر تلك النصوص لتكون في متناول المثقفين والمهتمين بالمسرح مع بيانات لكل المشاركين في كل عرض.. وبعد صراعات طويلة مع المسئولين، وفي 2 أكتوبر 1995 يقدم حسين عبد القادر استقالته بعد صدام عنيف مع البيروقراطية،  هذه الاستقالة الأخيرة التي سبقتها استقالتان بسبب المعوقات التي تواجهها الفرقة، وأشار إليها في الصحف.
ويواصل الآن د. حسين عبد القادر دراساته في مجال المسرح وفي مجال علم النفس وإن كان قد انقطع نشاطه الفعلي في المسرح منذ خروجه إلى المعاش في إبريل 1996، لكن المسرحي الجاد بعد أكثر من عشرين عاما لا يزال يبحث في مشكلات المسرح ومعوقاته والبحث عن أسباب نهوضه وازدهاره.. دون أن تقعده شيخوخة.. فهو ما زال يتفجر حماسة وحيوية كشاب في مقتبل العمر.. سواء في ممارسته في التحليل النفسي.. أو في تناوله لمشكلات المسرح المصري عن عمق ووعي.
عبد الغني داود
 


محرر عام