«الناعشون» ما الحياة إلا انتظار للموت

«الناعشون» ما الحياة إلا انتظار للموت

العدد 996 صدر بتاريخ 28سبتمبر2026

فى دورته الثالثة والثلاثين التى أقيمت بالقاهرة خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، حصد العرض السعودى «الناعشون» جائزة أفضل مؤلف للكاتب فهد ردة الحارثى، وإذا كان العرض يستحق أكثر من جائزة، فهو يضم أكثر من عنصر من عناصر الفرجة المسرحية المتميزة جدًا، منها: أداء الممثلين، الإضاءة، الموسيقى.
سينوغرافيا وإخراج أحمد الأحمرى، وإنتاج فرقة مسرح الطائف، بطولة مجموعة متميزة من الممثلين السعوديين، وقدم على مسرح ميامى خلال فعاليات المهرجان.
العرض مبنى على فكرة قد تكون غريبة إلى حد ما، فهو يضع المتلقى منذ اللحظة الأولى داخل عالم لا يبدو الموت فيه حادثًا استثنائيًا، وإنما حالة يومية تحيط بالإنسان من كل جانب، عالم تتداخل فيه الحروب والأوبئة والخوف والجوع والنزوح، حتى يصبح الإنسان نفسه شبيهًا بالنعش الذى يحمله الآخرون، ومن هنا فإن العنوان يثير أسئلة من المؤكد فكر فيه المتلقى قبل أن يشاهد العرض هو من هم الناعشون؟ هل هم من يحملون الموتى؟ أم الذين يواصلون الحياة فى عالم فقد ملامح الحياة الحقيقية؟ فالعرض يقدم عالمًا مسرحيًا يقوم على الجماعة أكثر مما يقوم على الشخصية الفردية، فالخشبة لا تستقبل شخصيات مكتملة الملامح بقدر ما تستقبل كتلاً بشرية تتشكل وتتفكك، تتحرك وتتعثر، تحمل النعوش وتستقبلها، ثم تجد نفسها فى النهاية محاصرة بما حملته طوال الوقت، هذه الجماعة ما هى إلا وسيلة للتعبير عن مأساة تجاوزت حدود الفرد إلى الجميع.
ويمتلأ فضاء العرض بكثير من الدلالات الموحية والمتغيرة، فهى ليست ديكورًا ثابتًا لكنها فضاءًا مضطربًا، منها: الملابس المعلقة والأقمشة البيضاء، والحبال الممتدة على الأرض، والأجساد التى تتكشف تدريجيًا من داخل الصورة، وحين تتحرك الجماعة، يصبح الجسد الجماعى نفسه أداة سينوغرافية، فالممثلون لا يتحركون داخل الفضاء فقط، وإنما يعيدون إنتاجه بأجسادهم وحركتهم، أما الحبال فهى من أكثر مفردات الصورة المسرحية قابلة للتحول الدلالى، فهى فى البداية جزء من المشهد، ثم تتحول تدريجيًا إلى عنصر يثير التهديد والاختناق، خاصة مع تمددها واشتداد حضورها فى الفضاء، ما يجعل الخشبة ليست مكانًا محايدًا تجرى فيه الأحداث، بل تصبح قوة ضاغطة على الشخصيات، مثل الخوف الذى يطوق الإنسان ولا يستطيع الإفلات منه، أما المفردة البصرية الأكثر حضورًا فهى النعوش، لكنها غير مرتبطة بصورة الجنازة التقليدية، فهى فى حركة مستمرة، وتتكاثر وتدفق حتى يبدو المكان عاجزًا عن استيعابها، وهنا تتحول كثافة النعوش من مجرد علامة على الموت إلى صورة للازدحام الإنسانى الذى يصنعه الموت والحرب والفقر والنزوح، وهنا يفقد المكان قدرته على احتضان الإنسان فلا يعود فيه متسعًا للحياة، فلم تعد أزمة موت فردى بل أزمة عالم فقد القدرة على توفير مساحة للحياة.
إن العرض لا يقدم الموت فى صورة واحدة، فهو يقدم مفارقة حادة بين المأساة والاحتفال، فالطبول والموسيقى والحركة الجماعية والرقص المصاحب لوصول النعوش تصنع حالة احتفالية تبدو متناقضة مع طبيعة الحدث، وهذه المفارقة هى التى تمنح المشهد قوته، فحين يتكرر الموت إلى درجة أنه يصبح مألوفًا، تتغير العلاقة به ويصبح الاحتفال بالجنازة رمزًا على الاعتياد على الكارثة من خلال كيفية تعامل المجتمع معه بعد أن فقد غرابته.
ويحتل الجسد الجماعى مساحة أساسية فى العرض، فالممثلون لا يقدمون مجموعة من الشخصيات المستقلة بقدر ما يتحولون فى لحظات كثيرة إلى جسد واحد متعدد الأصوات، وخطوات فردية تتحول إلى حركة جماعية، وصوت منفرد ترد عليه الجماعة، وحركة تبدأ من شخص ثم تنتقل إلى الأخرين، ومن خلال هذا التشكيل يصبح الخوف غير مرتبط بشخص بعينه، فهو خوف جمعى ينتقل بين الأجساد كما تنتقل العدوى.
وفى هذا السياق تكتسب شخصية السارد حضورًا خاصًا، فهو لا يقف خارج العالم الذى يرويه وإنما يصبح بشكل تدريجى جزءًا من أزمته، فوظيفته فى العرض ترتبط بمحاولة تسمية ما يحدث والكشف عنه، لكن الجماعة لا تتعامل معه باعتباره يمتلك الحقيقة المطلقة، بل تحاوره وتسأله، ويقابله المنادى الذى يؤدى وظيفة مختلفة، فهو يحول الكارثة إلى إعلان متكرر، ويعلن أعداد النعوش ويستقبلها كما لو كان يقوم بطقس اعتاد الناس عليه، وتكمن دلالة الشخصية فى أن الموت من خلال تكرار الإعلان عنه يفقد أهميته كحدث جلل ويتحول إلى خبر عابر ويتحول الميت إلى مجرد رقم، وبين السارد والمنادى تتشكل علاقة بين محاولة فهم المأساة ومحاولة التعامل معها كأمر اعتيادى، أما الشاعر فيظهر فى مساحة أكثر التباسًا، فهو يملك اللغة ويوظفها فى مواجهة الواقع، لكنه يميل إلى الزخرفة والمبالغة، على الرغم من قسوة الواقع والذى لا يصلح معه التجميل.
ولأن الأداء جماعيًا فمن الصعب تناول أداء الممثلين بشكل تفصيلى فقد قدم جميع الممثلين أداءً مميزًا، على الرغم من صعوبة الحركة والتشكيل وهم: سامى الزهرانى، بدر الغامدى، ممدوح الغشمرى، عبدالوهاب شندى، مطر زايد، عادل الحارثى، أحمد عدنان، وصقر العتيبى.
 ويعتمد العرض على التكرار كتيمة أساسية تجعل الحدث فيه دائريًا من خلال تكرار النعوش والأسئلة والحديث عن الخوف الرحيل، وتكرار الأصوات والحركات، فلا يبدو الموت حادثًا يقع مرة واحدة، بل دورة تعيد إنتاج نفسها، وكلما حاولت الجماعة الخروج، عادت لتواجه الصورة نفسها، وكأن الرحيل نفسه أصبح فعلاً متكررًا لا يصل إلى النهاية. 
أما الإضاءة التى صممها ونفذها الفنان عبدالله دوارى، فبالإضافة لدورها الجمالى الأكثر من رائع، فهى تلعب دورًا كبيرًا فى التعبير عن السياق العام للعرض، فالانتقال من الإضاءة الكاملة إلى الخفوت، ثم إلى الضوء الشاحب، يوازى التحولات التى تمر بها الجماعة، فالضوء لا يكتفى بكف الأجساد والأشياء، بل يشارك فى تشكيل الإحساس بالاختناق والفراغ، وفى النهاية حين تتراجع الحركة بشكل تدريجى ويتحول الفضاء إلى حالة أكثر شحوبًا وفراغًا، لا يشاهد المتلقى نهاية حاسمة بقدر ما يشاهد عامًا يفقد قدرته على الاستمرار.
وكذلك الموسيقى التى صممها سلطان الحارثى وصممها نواف الخديوى، تلعب دورًا مهمًا، فالطبول والأصوات الجماعية والخطوات والإيقاعات ما هى إلا لغة موازية للحوار الذى يتحدث عن الموت والخوف والرحيل، فالإيقاع يجعل هذه المعانى محسوسة، كما أن الحركة من الاحتفال الصاخب إلى الحركة البطيئة والباردة فى المراحل التالية، يكشف تحول الجماعة من محاولة مقاومة الواقع إلى الاستسلام لإيقاعه الثقيل.


نور الهدى عبد المنعم