العدد 996 صدر بتاريخ 28سبتمبر2026
أقيمت صباح يوم الأحد 6 سبتمبر 2026، بالمجلس الأعلى للثقافة، فى الفترة من الساعة 10:30 صباحًا حتى 12:30 ظهرًا، ندوة «التجريب وآليات النظام الرأسمالى العالمى»، وذلك ضمن الجلسة الأولى من فعاليات «المحور الفكرى» للدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، بمشاركة نخبة من الباحثين والمسرحيين من مصر والعالم العربى، لمناقشة العلاقة بين التجريب المسرحى وآليات النظام الرأسمالى، وتأثير منظومة التمويل والإنتاج فى استقلال التجربة الفنية وقدرتها على المقاومة والاشتباك مع الواقع.
وأدار الجلسة أ.د. أحمد مجاهد، أستاذ الدراما والنقد المسرحى بكلية الآداب - جامعة عين شمس، والمدير التنفيذى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الـ57، وبمشاركة كل من د. عز الدين بونيت من المغرب، والسفير على شبيب من العراق/فرنسا، ود. سيد الإمام، أستاذ الدراما والنقد المسرحى بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وأ.د. عمر بوجليدة من تونس، فيما تولى أ.د. عاطف بهجات مهمة مقرر الجلسة.
أحمد مجاهد: هل التجريب ثورة فنية فقط أم ثورة اجتماعية؟
فى مستهل الجلسة، رحب أ.د. أحمد مجاهد بالحضور والمشاركين، معربًا عن سعادته بإدارة هذه الندوة ضمن فعاليات الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، موضحًا أن عنوان «التجريب وآليات النظام الرأسمالى العالمي» يطرح مساحة واسعة للتفكير فى العلاقة بين التجريب والمنظومة الاقتصادية والسياسية التى تحيط بالإبداع.
وأشار مجاهد إلى أن كل باحث من المشاركين سيتناول جانبًا من جوانب التجريب وآليات النظام الرأسمالى العالمى، مؤكدًا أن العنوان يحمل أبعادًا فكرية واقتصادية فى الوقت نفسه، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان التجريب يتم داخل النظام العالمى، سواء كان رأسماليًا أو نيوليبراليًا أم أنه يقف فى مواجهته ويبحث عن آليات مختلفة لمقاومة النظام السائد.
وأوضح أن السؤال لا يتوقف عند علاقة التجريب بالمنظومة الفكرية، وإنما يمتد إلى إمكانات الإنتاج فى ظل هذا النظام، وكيف يمكن للمسرح التجريبى أن يجد مساحات للعمل والاستمرار فى ظل آليات السوق والتمويل.
وتوقف مجاهد أمام مقولة «التجريب هو ثورة»، متسائلًا: هل المقصود بالثورة هنا ثورة فنية وجمالية فقط، أم أن التجريب يمكن أن يتحول إلى ثورة اجتماعية أيضًا، تطرح أسئلة حول الواقع وتسعى إلى نقده وتغييره، وليس مجرد تحقيق قفزة فنية أو جمالية؟
وأشار إلى أن فكرة التجريب فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى ارتبطت منذ بداياته برؤية مؤسسه الراحل د. فريد الفلاحجى، موضحًا أن فكرة التجريب جاءت فى جانب منها «من أعلى» وليس من أسفل، وهو ما يفتح بدوره سؤالًا حول علاقة المؤسسة بالتجريب، ومدى قدرة المؤسسة على احتضان أشكال فنية تسعى إلى الخروج على الأطر التقليدية.
وأكد أن مصر والعالم العربى ربما لم يكونا فى البداية على الدرجة نفسها من الاستعداد لمفهوم التجريب، إلا أن المشهد العربى أصبح يضم أسماء وتجارب مهمة أسهمت فى تطوير المسرح التجريبى وأصبحت لها إسهامات واضحة فى حركة المسرح التجريبى عالميًا.
ثم قدم المشاركين، داعيًا كل باحث إلى تقديم ورقته فى حدود 15 دقيقة، كما رحب بأ.د. عاطف بهجات، مقرر الجلسة، وأشار إلى اهتمامه بالنقد والأدب الحديث، وإلى مؤلفاته وأبحاثه المرتبطة بالصراع والأسطورة فى المسرح.
عز الدين بونيت: الثقافة عند بوابة الاقتصاد
قدم د. عز الدين بونيت، من المغرب، ورقته البحثية بعنوان «تحولات الإبداع والإنتاج واستراتيجيات المقاومة فى ظل الرأسمالية المعاصرة»، مستهلًا حديثه بتوجيه الشكر إلى إدارة المهرجان والدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، على إتاحة هذه المساحة للنقاش.
وأشار بونيت إلى أن الثقافة تمثل واجهة يتعامل الإنسان من خلالها مع العالم، موضحًا أنه من دون هذه الواجهة يبدو العالم متشظيًا وغير مفهوم، كما يحدث عندما نستخدم جهاز الكمبيوتر أو الهاتف من دون معرفة الواجهة التى تمكننا من التعامل مع الشفرة الداخلية للجهاز.
وأوضح أن ورقته تتحرك عبر ثلاثة محاور أساسية، هى: الثقافة عند بوابة الاقتصاد، والمسرح التجريبى والرأسمالية الجديدة، ثم استراتيجيات المقاومة.
وتناول التحولات التى عرفتها الصناعات الثقافية منذ اختراع الطباعة بالحروف المتحركة على يد جوتنبرج، معتبرًا أن هذا التحول كان من أبرز التحولات الحضارية التى مهدت لبدايات الصناعات الثقافية فى القرن الخامس عشر.
وأشار إلى أن الصحافة تطورت من الأخبار المكتوبة بخط اليد إلى الأخبار المرتبطة بالموانئ والأسواق فى القرن السادس عشر، ثم ظهرت الدوريات فى القرن السابع عشر، وأصبحت الصحافة فى القرن الثامن عشر منتدى رئيسيًا للنقاش الفكرى والسياسى، وأسهمت فى نشأة أشكال أدبية حديثة مثل الرواية والقصة القصيرة، إلى جانب تطور النقد المسرحى.
وأضاف أن القرن التاسع عشر شهد تطور الطباعة البخارية وانتشار الصحف على نطاق واسع، لتتحول الصناعة الثقافية فى بداياتها إلى عملية إعادة إنتاج للمنتج الثقافى الأصلى.
وأشار إلى تأسيس وكالة الأنباء الفرنسية عام 1835، موضحًا أن الخبر نفسه أصبح سلعة ثقافية قابلة للتداول.
وأوضح أن القرن العشرين شهد توسعًا هائلًا فى الوسائط التى تحمل الثقافة، مع ظهور السينما والتصوير الفوتوغرافى والإذاعة والتليفزيون ثم البث الفضائى والوسائط الرقمية، لافتًا إلى أن كثيرًا من هذه الاختراعات لم تكن مصممة فى بدايتها خصيصًا لأغراض ثقافية، لكنها تحولت لاحقًا إلى أوعية ووسائط لنقل الثقافة.
وتطرق إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما دخلت الثقافة بصورة أكثر وضوحًا إلى المجال السياسى والدولى، مشيرًا إلى تأسيس منظمة اليونسكو عام 1945، بعد إدراك أن التصورات الثقافية والمخيال الجمعى كان لهما دور فى إنتاج الصراعات والحروب، وأن الثقافة يمكن أن تؤدى دورًا فى بناء السلام.
وأشار إلى أن اليونسكو احتاجت حتى عام 1982 لإقرار تعريف للهوية الثقافية، من خلال إعلان مكسيكو، ثم توالت الاتفاقيات والمواثيق المتعلقة بالتنوع الثقافى والتراث غير المادى، وصولًا إلى اتفاقية 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافى، إلى جانب اهتمام اليونسكو بالإحصاءات المتعلقة بالصناعات الثقافية والإبداعية.
وانتقل بونيت إلى المسرح، موضحًا أن تعبير «الصناعة المسرحية» ظهر فى فرنسا خلال القرن التاسع عشر، وتحديدًا فى حدود عام 1825، عندما استخدمه مديرو المسارح فى سعيهم للحصول على امتيازات ضريبية.
وأكد أن التيارات التجريبية ظهرت فى سياق ضغوط الرأسمالية فى أواخر القرن التاسع عشر، مشيرًا إلى تجارب ظهرت فى روسيا وفرنسا وألمانيا، وإلى فنانين لجأوا إلى المختبرات والاستوديوهات بعيدًا عن الأطر الإنتاجية التقليدية.
وأوضح أن عددًا من التجريبيين وجدوا أنفسهم غير قادرين على الدخول إلى المجال الفنى وفق قواعد النظام السائد، فمات بعضهم فنيًا، بينما دفع آخرون أثمانًا قاسية على المستوى الشخصى.
وأشار إلى نماذج للمقاومة، من بينها «مسرح الشمس» Théâtre du Soleil، ومسرح «الخبز والدمى» Bread and Puppet Theater فى الولايات المتحدة، وتجربة «أودين تييتر» التى ارتبطت بالمخرج يوجينيو باربا.
أحمد مجاهد: تسليع التجريب أكثر تعقيدًا من تسليع المسرح
وعقب ورقة بونيت، أوضح أحمد مجاهد أن القول بأن التجريب فى المسرح قديم منذ نشأة المسرح صحيح من زاوية، لكنه يحتاج إلى تدقيق، لأن كل مخرج يقوم بتحويل النص إلى عرض يضيف بالضرورة رؤيته ويجرب فى أدوات العرض، بينما يختلف مفهوم التجريب الحديث الذى ارتبط بتحولات فنية وفكرية ظهرت مع الحداثة.
وأشار إلى أن تسليع التجريب نفسه يبدو أكثر تعقيدًا من تسليع المسرح، لأن التجريب كثيرًا ما نشأ خارج الأطر الفنية والاجتماعية السائدة، كما أن عددًا من التجارب المهمة خرج من المسرح المستقل والمسرح المجتمعى.
ثم قدم د. سيد الإمام، أستاذ الدراما والنقد المسرحى بالمعهد العالى للفنون المسرحية، ليتحدث عن ورقته «التجريب وإشكالية التمويل.. قراءة فى نماذج عالمية مختارة».
سيد الإمام: هل يمكن للدولة أن تكون شريكًا فى التجريب؟
أوضح د. سيد الإمام فى بداية مداخلته ضرورة التمييز بين مفهوم التجريب الحديث وبين القول إن كل مسرح هو بطبيعته تجريب، مشيرًا إلى أن الحركة التجريبية بمعناها التاريخى والفنى المحدد بدأت بصورة واضحة خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن التاسع عشر.
وأكد أن جوهر التجريب فى هذه المرحلة ارتبط باستفادة الفنون من التقدم العلمى والدراسات الحديثة والمناهج، وبخاصة المنهج العلمى فى التفكير والممارسة.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر شهدت تداخلًا بين الواقعية والطبيعية والرمزية، مستشهدًا بتجارب أندريه أنطوان ومسرح «المسرح الحر» عام 1887، وبول فورت ومسرح الفن عام 1890، وتجربة ستانسلافسكى ومسرح موسكو للفنون عام 1898، إلى جانب تجارب الواقعية فى ألمانيا وإنجلترا.
وربط الإمام بين هذه التحولات ومفهوم الحداثة عند بودلير، الذى ظهر بصورة مبكرة فى القرن التاسع عشر، موضحًا أن التجريب لم يكن منفصلًا عن التحولات الاجتماعية والفكرية التى شهدها المجتمع الأوروبى.
وأكد أن الحركة التجريبية ارتبطت بما وصفه بـ«أزمة البرجوازية الصغيرة»، موضحًا أن هذه الطبقة، فى ظل التحولات الرأسمالية، كانت تبحث عن أشكال فنية تعبر عن وجودها وأزماتها وأسئلتها الجمالية.
وأوضح أن أوروبا كانت تنتقل من الرأسمالية التنافسية إلى الرأسمالية الاحتكارية، وهى التحولات التى وصلت إلى ذروتها مع الحرب العالمية الأولى، الأمر الذى دفع قطاعات من البرجوازية الصغيرة إلى البحث عن مساحة ثقافية وفنية تعبر من خلالها عن نفسها.
وأشار إلى أن مرحلة ما بين الحربين شهدت ظهور السريالية ومسرح القسوة، معتبرًا أن هذه الاتجاهات ارتبطت كذلك بأزمة البرجوازية الصغيرة، ووصفها بأنها «أزمة تحول وليس أزمة ثورة».
وانتقل إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة فى فرنسا، موضحًا أن الاحتلال النازى والدور الأمريكى والتحولات السياسية دفعت الفنانين إلى البحث عن مواقع ثقافية جديدة، وظهرت مسارح صغيرة داخل القاعات والغرف والنوادى والأقبية.
وأشار إلى تجربة «مسرح الشمس»، وإلى نموذج لمسرح صغير لم تتجاوز مساحته نحو 85 مترًا، معتبرًا أن المساحات المحدودة لم تمنع التجريب، بل أصبحت فى أحيان كثيرة جزءًا من شروطه.
وتوقف الإمام عند علاقة المثقف بالسلطة والرأسمالية، موضحًا أن المثقف المنتمى إلى البرجوازية الصغيرة قد يبدأ حياته متمردًا، لكنه قد يعيد إنتاج علاقته بالنظام بعد تحقيق النجاح، حيث ينتقل فى مراحل لاحقة من عمره إلى الدفاع عن المصالح التى أصبح يمتلكها.
ثم طرح السؤال: هل الدولة ممكن أن تكون شريكًا فى التجريب؟
وأشار إلى تجربة «الكوميدى فرانسيز» بوصفه من أقدم المسارح الوطنية فى فرنسا، والذى ارتبط فى بداياته بتراث موليير وراسين، قبل أن تؤدى القواعد التى فرضتها الدولة فى مراحل لاحقة إلى ترسيخ الطابع الكلاسيكى للمسرح وإلى موقف أكثر تحفظًا تجاه بعض الاتجاهات الجديدة، ومنها الرومانسية.
وتناول تجربة فرنسا فى ستينيات القرن العشرين، عندما أنشأت بيوت الثقافة والمسارح المرتبطة بوزارة الثقافة، مشيرًا إلى تجارب سعت إلى الوصول بالمسرح إلى المناطق الريفية وإلى جمهور خارج المركز الثقافى التقليدى.
كما أشار إلى تجربة المسرح القومى فى إنجلترا، وجهود جورج برنارد شو وجرانفيل باركر وغيرهما فى بداية القرن العشرين، بهدف تحرير الفنانين من هيمنة المسرح التجارى، وصولًا إلى تأسيس المسرح القومى عام 1963، بقيادة لورانس أوليفييه.
وأوضح أن التركيز الكبير على شكسبير داخل المسرح القومى قد يتحول فى بعض الحالات إلى عامل يحد من التجريب بدلًا من أن يكون محركًا له.
السفير على شبيب: عندما يتحول الإبداع إلى سلعة
قدم السفير على شبيب، من العراق/فرنسا، مداخلته حول «جدلية الصراع بين المسرح والأنظمة الرأسمالية»، متناولًا العلاقة بين المسرح ورأس المال من زاوية نقدية وفلسفية.
وأشار فى بداية حديثه إلى خبرته فى دراسة المسرح فى بغداد، وإخراج نصوص عالمية، والعمل فى مجال التنمية التابع للأمم المتحدة فى عدد من الدول.
واستشهد بمقولة جان لوى بارو: «فن المسرح هو فن الحاضر الراهن، هذا الجيل لن ينتج مسرحًا مجديًا إلا إذا كان هذا الشيء مستوحى من الحاضر الراهن».
وأوضح أن تاريخ الفن يعكس صراع الإنسان من أجل الحرية فى مواجهة البنى المهيمنة، مؤكدًا أن الرأسمالية لا تؤثر فقط فى الإنتاج، وإنما تسهم فى تشكيل الذوق وأنماط الاستهلاك ومعانى الأعمال الفنية.
واستند إلى مفهوم «التشيؤ» عند جورج لوكاتش، موضحًا أن السوق يمكن أن يبتلع النشاط الإنسانى، ويحوله إلى سلعة، بحيث تصبح العلاقات والإبداعات نفسها قابلة للتبادل والاستهلاك.
وقسم علاقة الرأسمالية بالمسرح إلى أربعة مستويات.
المستوى الأول يتعلق بالممثل، الذى قد ينتقل من كونه فنانًا يمتلك رؤية نقدية إلى أداة تجارية أو أيقونة قابلة للتسويق.
والمستوى الثانى يتعلق بالنص، الذى يمكن أن يتحول من أداة لطرح الأسئلة حول الواقع إلى منتج استهلاكى يخضع لمتطلبات السوق.
أما المستوى الثالث فيرتبط بالرسالة المسرحية، التى يمكن أن تنتقل من التطهير والنقد إلى الترفيه السريع والفرجة البصرية.
بينما يرتبط المستوى الرابع بالجهة الممولة، التى قد تنتقل من كونها شريكًا فى الإنتاج إلى سلطة مالية مطلقة تتحكم فى العمل.
واستند إلى مفهوم «صناعة الثقافة» عند أدورنو، موضحًا أن تحويل الفن إلى سلعة قد يضعف قدرته النقدية، وأن ضخ ميزانيات ضخمة فى الفرجة قد يأتى أحيانًا على حساب العمق التجريبى.
وأشار إلى دريدا، موضحًا أن الرأسمالية تستفيد من حضور الممثل وتحوله إلى سلعة بصرية، بينما يمكن للمسرح التجريبى استخدام الغموض المقصود لمقاومة المعنى الاستهلاكى المباشر، مؤكدًا أن الغموض هنا اختيار فنى واعٍ وليس ارتباكًا.
كما استند إلى بيير بورديو، مشيرًا إلى أن الرأسمالية يمكن أن تسهم فى تشكيل أذواق استهلاكية سطحية، بينما قد يظل المسرح التجريبى محصورًا فى دوائر محددة، بما يخلق فجوة طبقية تتصل برأس المال الرمزى والاعتراف الاجتماعى.
وتناول أفكار دولوز وجوتارى حول قدرة الرأسمالية على استعمار الحياة والرغبة، وإعادة امتصاص الإبداع داخل السوق، معتبرًا أن التفكيك يمكن أن يكون إحدى استراتيجيات المقاومة.
كما توقف عند بريخت والمسرح الملحمى وتأثير التغريب فى كسر التماهى السلبى مع العرض، وتحويل الخشبة إلى مختبر نقدى.
بيتر بروك ومسرح الفراغ
وانتقل شبيب إلى تجربة بيتر بروك، مشيرًا إلى كتابه «المساحة الفارغة» The Empty Space، وما طرحه من محاولة لتجريد المسرح من العناصر الزائدة.
وأوضح أن بروك قسم المسرح إلى أشكال، من بينها «المسرح الميت» المرتبط بالمسرح التجارى، و«المسرح الخشن» القائم على الشارع والارتجال وعدم الاعتماد على الديكورات المكلفة، و«المسرح الفوري» الذى يركز على الطاقة والابتكار حتى خارج المبنى المسرحى التقليدى.
وأشار إلى تأثير بروك فى تجارب مسرحية فى سويتو استخدمت المسرح فى مواجهة الفصل العنصرى والاستعمار.
وتحدث عن المركز الدولى لأبحاث المسرح الذى ارتبط بتجربة بروك فى باريس، وعن مسرح «بوفيه دو نور»، مشيرًا إلى أن بعض أعمال بروك، ومنها «المهابهاراتا»، أثارت نقاشات حول إمكانية وقوع التجارب العالمية نفسها فى إعادة إنتاج نظرة استشراقية تختزل الثقافات غير الغربية وفق متطلبات سوق المهرجانات العالمية.
أريان منوشكين.. مقاومة نظام النجوم
وتناول السفير على شبيب تجربة أريان منوشكين ومسرح «الشمس» Théâtre du Soleil، باعتبارها نموذجًا للمقاومة الفنية والتنظيمية.
وأوضح أن التجربة قامت على العمل الجماعى والتعلم المشترك، وعلى نموذج إنتاج تعاونى يرفض نظام النجم الواحد، كما تخلت عن الحاجز الرابع، وجعلت الجمهور فى بعض التجارب يجلس على الأرض أو يتحرك بين الممثلين.
وأشار إلى أن الفرقة اتخذت من ثكنة عسكرية قديمة ومصنع سابق للأسلحة فى «بوا دو فينسين» فضاءً لها، وأن نظام العمل قام على المساواة بين أفراد الفريق وتعدد المهام، بعيدًا عن تقسيمات صارمة بين الممثل والمصمم والعامل.
وأوضح أن التجربة استفادت من أشكال آسيوية ويابانية وهندية مثل الكابوكى والكاتاكالى، فى محاولة لمواجهة التجانس الذى تفرضه صناعة الترفيه العالمية.
ولفت إلى المفارقة المتمثلة فى أن منوشكين نفسها تحولت، رغم رفض نظام النجومية، إلى واحدة من أبرز الشخصيات المسرحية المعروفة عالميًا.
وانتقل إلى قضية التمويل، مشيرًا إلى أن تجارب مثل مركز بروك ومسرح الشمس تحصل على دعم مؤسسى وتمويلات عامة وخاصة، إلى جانب الإيرادات، موضحًا أن التمويل الحكومى والمؤسسى يمكن أن يكون ذا وجهين؛ فهو يوفر القدرة على الاستمرار، لكنه قد يتحول فى الوقت نفسه إلى وسيلة ضغط تحد من الاستقلال.
عمر بوجليدة: «أنا أجرب إذن أنا موجود»
قدم أ.د. عمر بوجليدة، من تونس، رؤية فلسفية للعلاقة بين المسرح ورأس المال، موضحًا أن التجريب لم يعد مجرد مغامرة جمالية معزولة، وإنما أصبح فعلًا فكريًا وثقافيًا يمكن أن يمارس المقاومة، ويكشف الوعى الزائف، ويفكك البنى التقليدية.
ودعا إلى الانتقال من الإطار الفولكلورى أو الاستشراقى الذى جرى وضع بعض الثقافات داخله، إلى فضاء نصنعه نحن بأنفسنا، من خلال الحداثة وما بعدها.
وأوضح أن الحداثة ليست مجرد مرحلة تاريخية أوروبية، وإنما سؤال يظهر عندما تتجمد آليات التحول نفسها وتتحول إلى بنى جامدة.
ودعا إلى تجاوز فكرة «المعجزة اليونانية» وحدها فى قراءة تاريخ الفكر، والاعتراف بإسهامات الحضارات السابقة، ومن بينها الحضارة المصرية القديمة.
وأوضح أ.د. عاطف بهجات، مقرر الجلسة، أن ورقة بوجليدة تطرح مفهومًا يمكن صياغته فى عبارة: «أنا أجرب إذن أنا موجود» بدلًا من العبارة الفلسفية الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود».
وتناول بوجليدة أربعة مفاهيم رئيسية، هى المسرح التجريبى، والسلعة الرأسمالية، وبنية التمرد، وآليات الامتصاص.
وأكد أن رأس المال يمتلك قدرة على امتصاص التمرد التجريبى وإعادة إدخاله فى النظام، وأن التمويل المؤسسى يمكن أن يتحول فى بعض الحالات إلى إحدى آليات هذا الامتصاص.
عاطف بهجات: «اقتصاد المشاريع» يعيد تشكيل علاقة الفنان بالإنتاج
وفى تعقيبه على الأوراق البحثية، أوضح أ.د. عاطف بهجات أن ورقة عز الدين بونيت تحتاج إلى قراءة كاملة، لأن العرض الشفهى ركز بصورة أكبر على علاقة الثقافة بالاقتصاد، بينما تذهب الورقة إلى العلاقة بين المسرح التجريبى والرأسمالية.
وأشار إلى أن العلاقة بين الفن والاقتصاد ليست دائمًا علاقة صدام، وإنما يمكن أن تكون هناك علاقة إيجابية من خلال ما أسماه «اقتصاد المشاريع» و«الرأسمالية الفنية».
وضرب مثالًا بمهرجان أفينيون، مشيرًا إلى العائد الاقتصادى الكبير الذى تحققه الفعاليات الثقافية، وإلى أن معارض الكتب والمهرجانات السينمائية والمسرحية أصبحت جزءًا من اقتصاد التجربة.
وتحدث عن «اقتصاد التجربة»، وعن تحول الفنان فى بعض النماذج المعاصرة إلى مدير مشروع ومنتج للمحتوى، وهو ما يعيد صياغة العلاقة بين الإبداع والسوق.
وأشار إلى نموذج ديزنى، وما يرتبط به من تجارب ترفيهية وسياحية، لافتًا إلى ضخامة العائدات الاقتصادية المرتبطة بهذا القطاع.
كما تحدث عن الأشكال المسرحية التى تتجاوز القوس المسرحى التقليدى، وعن الاقتصاد التعاونى واقتصاد الهبة والتضامن بوصفها نماذج بديلة يمكن أن تطرح نفسها فى مواجهة منطق السوق.
وعن ورقة سيد الإمام، أوضح بهجات أن النماذج التى قدمها الإمام عالمية، مشيرًا إلى أن التجريب الحديث ارتبط بالسنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وبالتطور العلمى، وتجارب ستانسلافسكى ومسرح الفن فى باريس والواقعية الإنجليزية.
وأشار إلى علاقة التجريب بأزمة البرجوازية الصغيرة، وإلى المراحل الثلاث التى عرضها الإمام: ما قبل الحرب العالمية الأولى، وما بين الحربين وظهور اتجاهات مثل مسرح القسوة، ثم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وظهور المسارح الصغيرة والفقيرة.
وتحدث عن بيوت الثقافة الفرنسية، وعن الواقعية الاشتراكية التى تقننت عام 1932، كما أشار إلى أن بعض التجارب التجريبية احتاجت إلى موارد وقادة ومساحات ومواد خام وسوق، مستشهدًا بتجارب ستانسلافسكى وجوردون كريج.
ولفت إلى أن دعم أصحاب المال لبعض التجارب ليس ظاهرة منفصلة، مستشهدًا بدور الأميرة كولا تورين فى دعم تجربة ميرخولد، ومقارنًا ذلك بأمثلة مصرية ارتبطت بدعم عائشة فهمى لتجارب يوسف وهبى.
وعن ورقة السفير على شبيب، أشار بهجات إلى أهمية المستويات الأربعة التى طرحها، وهى الممثل والنص والرسالة والممول، كما تناول بريخت والتغريب والحاجز الرابع وتجربة أريان منوشكين.
وأوضح أن الغموض قد يتحول، إذا زاد عن الحد، إلى عائق أمام التواصل مع الجمهور، مشيرًا فى الوقت نفسه إلى أنه لا يتفق مع رفض الدعم المؤسسى بصورة مطلقة، مستشهدًا بتجارب مثل المسرح القومى الجزائرى، التى يرى أنها تؤكد أن الدعم المؤسسى لا يعنى بالضرورة غياب التجريب.
وعن ورقة عمر بوجليدة، توقف بهجات عند عبارة «أنا أجرب إذن أنا موجود»، مؤكدًا أهمية فكرة امتصاص رأس المال للتمرد، لكنه أشار إلى أن الورقة اعتمدت بصورة كثيفة على الفلسفة الغربية، بينما كان من الممكن توسيع مساحة الأمثلة العربية.
واقترح الاستفادة من تجارب عربية مثل فاضل الجعايبى، وجواد الأسدى، وعبد الكريم برشيد والمسرح الاحتفالى، وإدريس، إلى جانب جهود أسعد عرابش/أردش وسميرة محجوب فى الترجمة ونقل الفكر المسرحى.
مداخلات الجمهور: هل يمكن أن تكون الدولة حاضنة للتجريب؟
وشهدت الندوة عددًا من مداخلات الجمهور التى واصلت النقاش حول العلاقة بين التجريب والرأسمالية والدولة.
وأعرب أحد الحضور عن سعادته بالمشاركة فى فعاليات المهرجان، مؤكدًا أن الندوة أعادت إليه الثقة فى الندوات الفكرية، مستشهدًا بقول الشاعر: «ملأنا السلال بالليالى ونشتكى الكلام»، موضحًا أن ما جرى فى هذه الندوة لم يكن مجرد شكوى أو تكرار للكلام.
وتساءل عن مدى استفادة النيوليبرالية من الماركسية، سواء بصورة إيجابية أو سلبية، كما طرح سؤالًا حول «بضاعة التجريب»، وما إذا كان الغرب قد قدم التجريب إلى العالم بوصفه نموذجًا قابلًا للبيع، أم أن مفهوم السلعة كان جزءًا أصيلًا من التجربة الغربية نفسها.
وأشار إلى أن الغرب نفسه عرف مقاومات عديدة لهيمنة الرأسمالية وتسليع الفن، مستشهدًا بمسرح الشمس ومسرح الخبز والدمى وبريخت.
كما توقف عند فكرة أن التجريب «قفزات فكرية»، وعند مفهوم ما بعد بعد الحداثة، بوصفها سؤالًا يظهر عندما تتجمد آليات التحول، مؤكدًا أهمية استعادة البعد الأيديولوجى.
وطرح سؤالًا على سيد الإمام حول ما إذا كان التجريب، إذا ارتبط بالمنهج العلمى، يمكن أن يحدث من دون هذا المنهج، بالاستفادة من التراث والممارسات الشعبية.
كما اختلف مع القول بغياب مقاومة المثقف المنتمى إلى البرجوازية الصغيرة، مشيرًا إلى أن مثقفين من الطبقة الوسطى فى أوروبا والعالم العربى تعرضوا للسجن والنفى بسبب مواقفهم المقاومة.
واختلف كذلك مع فكرة أن الدولة لم تقدم شيئًا للتجريب، موضحًا أن الدولة قد لا تصنع التجريب، لكنها تستطيع أن توفر مناخًا يسمح له بالنمو، مستشهدًا بالمهرجانات التجريبية التى تدعمها الدولة، ومؤكدًا أن الدولة ليست جمعية خيرية، وإنما تعمل وفق أهداف واستراتيجيات.
مداخلة ثانية: عندما يفقد النقد موقعه التاريخى والسياسى
وفى مداخلة أخرى، أشار أحد الحضور إلى أن ورقة عمر بوجليدة طرحت فكرة «الشيء ونقيضه» بوصفها أساسًا للحظة المعاصرة عالميًا، وما يرتبط بها من القصدية والآلية المحكومة.
وأوضح أن الإشكال لا يصل إلى المسرح فقط، وإنما يمتد إلى النقد والفلسفة، مشيرًا إلى أن النقد فى بداياته كان موقفًا فكريًا وتاريخيًا وسياسيًا، لكنه فى الزمن السائل تحول، بحسب رؤيته، إلى جزء من المنظومة الرأسمالية، وفقد موقعه السياسى والتاريخى، وتحول المعنى نفسه إلى مادة وسلعة.
وأشار إلى أن هذا التحول يهدد بإعادة إنتاج التاريخ والمعنى وفق شروط السوق.
سامح مهران: الرأسمالية قد تسمح للمسرح بمهاجمتها
وفى ختام الندوة، تحدث الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، موضحًا أن العالم يمكن أن ينقلب على نفسه كما يحدث فى الكرنفالات فى العصور الوسطى، حيث يجرى كسر علاقات القوة القديمة وإعادة ترتيبها بصورة مؤقتة.
وأشار إلى إيمانويل كانط وسؤاله حول البرنامج الأخلاقى للمستقبل، مؤكدًا أهمية التعامل مع الإنسان بوصفه غاية وليس وسيلة، واحترام الفئات المهمشة.
وأوضح أن الخشبة المعاصرة قد تعكس علاقات القوة وتقلبها، لكن هذا لا يعنى بالضرورة أنها أصبحت فى مواجهة الرأسمالية.
وأشار إلى مفهوم «التسامح القمعي» Repressive Tolerance، موضحًا أن النظام الرأسمالى قد يسمح للمسرح بأن يقول كل شيء، بل وأن يهاجم الرأسمالية نفسها، بينما تستمر الرأسمالية فى ممارسة آلياتها بصورة طبيعية.
واستند إلى بول ريكور وفكرة الديمقراطية بوصفها حوارًا لا نهائيًا، موضحًا أن الحوار المستمر يمثل أحد الشروط الأساسية لمواجهة الجمود الفكرى.
وأكد أن الرأسمالية المعاصرة تنتهك أحيانًا مفهوم العقل، وتحوله إلى «عقل وظيفي» لا يستند إلى معايير معيارية أو أخلاقية، وإنما إلى ثنائية النجاح والفشل.
وفى مداخلة ختامية منفصلة، أشار مهران إلى تجربة «الأممية الموقفية» Situationist International وتقنية «التحوير» Détournement، التى تقوم على أخذ عناصر من الإعلانات والثقافة الاستهلاكية، ومنها «ديزنيفيكيشن»، ثم إعادة توظيفها ضد الخطاب الأصلى.
وأوضح أن هذه التقنية تقوم على اختطاف المادة القديمة وإعادة تحويلها، بما يسمح بإنتاج ما يمكن تسميته «التقليد المضاد»، وهو ما يفتح بدوره مساحة جديدة للتجريب والمقاومة داخل الثقافة المعاصرة.