بدأ زكى طليمات رده على ما ذكره مخرج فرقة جبلن جيت، بعنوان «المذهب الواقعى والمذهب الإيحائى»، قائلًا: كان أبين ما أخذه علىّ المستر إدواردز أننى أتبع طريقة المذهب الواقعى فى إخراج الرواية ورسم مناظرها وأستارها. وهذا المذهب يحتم بقدر المستطاع نقل مظاهر الحياة كما هى بتفاصيلها العادية وتفاهاتها الحقيرة، ونعى علىّ أننى لا آخذ فيما أعمل بالمذهب الإيحائى وهو المذهب الذى ساد فنون الرسم والنحت والتصوير جاعلًا من مظاهرها فنًا مركزًا ينبو عن محاكاة الطبيعة، كما تراها العين المجردة أو عدسة الكاميرا، على حين أنه يجمع من الأشياء خصائصها الرئيسية التى توحى بالجزئيات والتفاصيل، وتبعث مخيلة الرائى على استكمال ما أنقصته عمدًا يد المفتن.تم ساد هذا المذهب أيضًا فن الإخراج المسرحى فجعل من مظاهره المادية (وهى الأستار والملابس والإضاءة)، ثم من مظاهره النفسية (وهى إلقاء الممثل وإشاراته)، فنًا يجنح إلى البساطة الموحية الغنية. ويميل إلى التركيز بل يهوى أحيانًا إلى مقاربة الفن الرمزى من حيث المغالاة فى التفسير بالرئيسيات عن الجزئيات والدقائق. وكانت هذه النقلة من جراء تقدم فن الفوتوغرافيا ثم فن السينما الذى جعل كل محاولة من جانب المخرج المسرحى فى نقل الطبيعة ومحاكاتها على المسرح ضربًا من السخف ولونًا من الهزل الفنى الذى يجب أن يترفع عن إتيانه كل متفنن يتأثر بروح العصر ومزاجه العام. وغالى بعض المخرجين فى توليد هذا المذهب، ولا سيما بعد أن نزلت بفن المسرح كارثته الأخيرة، وكسبت السينما النصر فى استمالة الجمهور، فجعلوا من المناظر المتعددة فى رواية واحدة منظرًا واحدًا يشيد بحال يمكن المخرج من تمثيل كافة مشاهد الرواية فى أقسامه المختلفة مع إضاءة القسم الذى يجرى فيه تمثيل المشهد وإبقاء الأقسام الباقية فى الظلام؛ هذا مع الاستعانة ببعض الأستار الجزئية أو الأثاث والمهمات، حتى لا يتصدع ما يصح أن تعقله عين الجمهور، وحتى لا تصطدم مخيلة النظارة بما يخرج على المنطق الإيحائى الذى هو الباعث الأساسى لشهوة الجمهور المثقف على تذوق هذه اللذة الفنية، لذة الإيحاء واستساغتها.ويستكمل «زكى طليمات» رده على «إدواردز» مُخرج فرقة «دبلن جيت» فيما يتعلق بالمذهب الواقعى والمذهب الإيحائى فى الإخراج، قائلًا: وقد عمد المخرجون، لا سيما الإنجليز منهم والألمان، إلى هذا الاتجاه الفنى، وهو ليس بالفن الجديد، لأنه عرف على حالة أولية فى مسارح القرون الوسطى بأوروبا وفى المسرح الإنجليزى فى عهد شكسبير والملكة إليصابات؛ عمدوا إلى ذلك بعد أن أفلس المذهب الواقعى الذى عمدته Antoine فى فرنسا Stanislavsky فى الروسيا، فى محاولة إنقاذ المسرح بعد أن، اكتسحته «الكاميرا» مستشعرين قصور ميكانيكية المسرح على تقدمها الأخير عن بلوغ الشأو الذى قطعه فن السينما فى إيراد مناظر لا حد لها ولا نهاية بأيسر الوسائل وأقل التكاليف، وأرادوا بهذا أيضًا، وهو الصميم، أن يقدموا للنظارة لذة ذهنية جديدة غير تلك التى يقدمها فن السينما القائم على تعدد المناظر والعرض الواسع ومحاكاة الطبيعة فى أدق مظاهرها، لذة أساسها التخيل واستثارة الخاطر وإشعار النظارة لذة التوليد مما هو مركز، وجمال الكشف عما هو مغلق أو يكاد. وأصابوا التوفيق لدى الجمهور المثقف المشحوذ الخاطر، لا سيما الجمهور الإنكليزى الذى يحمل فى آدابه تقاليد المسرح الشكسبيرى. وقد أطلق المخرجون الفرنسيون على هذا النوع من المنظر المركز اسم Simultane وليعذرنى المستر إدواردز إذا أنا لم أسهب أكثر من ذلك لضيق المقام، ولأن الأكثرية الغالبة من القراء لا يأبهون ولا يتذوقون الكلام فى هذه الفنون الغريبة عن آدابهم القديمة والحديثة، ولكننى أذكر له أننى قرأت ما كتبه المخرج الإنجليزى الفقيه «جوردن كريج»، والألمانى «رينهارت»، والفرنسيان العبقريان «كوبو» و«جيميه»، والأخير هو أستاذى فى مسرح الأوديون، وقد شاهدت مآثر فهم واتجاهاتهم الحديثة فى الروايات التى رأيتها فى لندن وبرلين وباريس. بعد هذا أعترف بأننى لم أعمد إلى المذهب الإيحائى المبالغ فيه simultane وهو المذهب الذى تبعته الفرقة الإيرلندية فى إخراج روايتى «هملت» و«روميو وجوليت» على مسرح الأوبرا، لأننى أعلم، وأنا مصرى وأعمل للمسرح منذ خمسة عشر عامًا، أن الجمهور المصرى، بحكم مزاجه العام، لا يتذوق هذا الاتجاه الفنى، بل ولا يستطيع أن يفهمه، بل إنه ليرى فيه ضربًا مما يخالف المعقول، وذلك بحكم أنه جمهور غير مثقف فى أغلبيته تثقيفًا فنيًا كاملًا، ولأنه جمهور «لاتيني» من حيث ثقافته. وإذا كان المخرجون الإنجليز والألمان أكثروا من استعمال هذا الصنف من المناظر فلأن ثقافتهم من «الشمال»، وثقافة «الشمال» يعلوها الضباب والسحاب، وليس فيها وضوح الثقافة اللاتينية التى قامت فى بلاد البحر الأبيض المتوسط، حيث وهج النهار يكشف عن دقائق المرئيات، وإذا كان الجمهور الإنكليزى يرتاح إلى مشاهدة هذا النوع من الإخراج فلأنه جمهور شكسبير وجمهور المسرح الثابت الستار الذى تجرى فى ساحته الواحدة معارك القتال ومعارك الغرام وغيرها؛ ويكفى أن يرمز لكل منها بلوحة مكتوبة حتى يستقيم المنطق لدى النظارة وحتى ينزو كل خاطر من كمينه. وفوق هذا، وعلى اعتبار أن الجمهور المصرى يفهم ويستسيغ هذا النوع من الإخراج، فإننى ما كنت لأخرج رواية «السيد» وفقًا لما يراه المستر إدواردز ويعتبر أنه قطرة العطر المختارة فى سائر وسائل الإخراج، لأنها رواية من صميم الأدب الكلاسيكى، ولأنها من الأدب اللاتينى القائم على الوضوح والبساطة، ولأنها رواية أساسها «الكلام» لا العرض، والمستر إدواردز يعرف حق المعرفة أن المخرج الحق، المخرج الذى لا يقدم الشيء الغريب ليعرف بالغرابة، مقيد بروح الرواية وبنوعها الأدبى، ومن هذا المصدر يستوحى الاتجاه الفنى ويتخير وسائله فى الإخراج، ولا سيما فيما هو خاص بالإطار المادى الذى تبرز فيه الرواية، وأعنى به فيما أعنى مناظر الرواية وأستارها. إذن فليسمح لى المستر إدواردز بأن أقول إنه تسرع فى حكمه قبل أن يتعرف ذوق الجمهور المصرى، وأنه من أولئك النفر من المخرجين الذين يريدون أن يجعلوا من فن الإخراج فنًا قائمًا بذاته لا يحفل بروح الرواية ولا يحترم إرادة مؤلفها ولا يأبه بمكانها من الاتجاهات الأدبية؛ وإننى أربأ به عن هذا النفر ذى السمعة المعروفة، وأقول، محسنًا الظن بنقده، إنه أخذ عليّ فى الإخراج وسيلة لا يميل إليها شخصيًا.. أما إننى خرجت على المذهب الإيحائى البسيط الذى يستطيع أن يتذوقه الجمهور المصرى، والذى يماشى روح الرواية، فأمر لا يقره الواقع؛ فالمستر إدواردز قد شاهد بعينيه أننى ركزت على جانبى مقدمة المسرح عمودين من النمط الذى كان شائعًا فى القرن الحادى عشر، وهو عصر الرواية فى إسبانيا، عمودين يجمع بينهما «قبو» لا يرى النظارة منه سوى بدايته فوق كل عمود، على حين أننى لم أكمل الباقى وأسدلت ستارًا من العلاء يغطى ما تعمدت إخفاءه، وذلك بقصد الإيحاء، عمودين لا يحملان فى قطعهما وتصويرهما جزئيات الحقيقة، بل يبدوان وعليهما أهم مميزات النمط، وذلك نزولًا على مبدأ المذهب الإيحائى الذى أنا أول من قدمه فى مصر، لا سيما فى روايتى «تاجر البندقية» و«أهل الكهف». وبذلك أحييت الصبغة الزمنية والمحلية بأسهل الوسائل.. كذلك عمدت إلى الأستار المخملية ذات اللون الواحد لتمثيل حجرة ابنة الملك وحجرة «شيمان»؛ ستاران أحدهما رمادى والآخر بنى اللون، يهبطان الواحد خلف الآخر وراء العمودين، واستعنت بالأثاث للتنبيه على الإيحاء فى إحياء الصبغة المحلية، فكان أثاث حجرة شيمان من الفن الإسبانى فى القرن الحادى عشر، وكان أثاث حجرة ابنة الملك من الفن العربى باعتبار أنها من الأسلاب التى غنمها الإسبان من العرب بعد أن أكرهوهم على الجلاء عن قصورهم.. ثم كان المنظر الذى يمثل ساحة أو ربوة بجوار المدينة حيث يتبارز الكونت والدوق دياج؛ هذا المنظر قد رسم وفق تصميم المذهب الإيحائى المتطرف، بل لقد أمرت المصور الذى رسمه بألا يتبع قواعد المنظور فى رسمه؛ وكل هذا بقصد استثارة مخيلة النظارة ودفعهم إلى توليد لذة ذهنية تطالعهم بعد التفكير والإمعان.. ولكن حدث بعد ذلك أن شاهد المستر إدواردز منظر ساحة العرش فى قصر الملك، وهو منظر يمت بحق إلى «المذهب الواقعي» ويحطم بحق أيضًا الوحدة المسرحية التى يجب أن تسود سائر مناظر الرواية، وكان إن صاح المستر ماك ليمور زميل المخرج الإيرلندى النابه بأن المخرج قد أخطأ! نعم لقد أخطأت، ولكن ليس عن جهل بأيسر وبأولى قواعد فن الإخراج. وهنا أستطيع أن أروى ما قد يرسم ابتسامة الإشفاق على شفاه الزميلين العزيزين.. المسألة وما فيها أن مصور المناظر لرواية «السيد» لم يتمكن من إنجاز هذا المنظر فى الوقت المناسب، فاضطررت - أقول اضطررت - على الرغم منى، وعلى الرغم مما يعمر رأسى من فنون الإخراج، أن أستعير منظرًا من مناظر دار الأوبرا الملكية حتى لا يتأخر تمثيل الرواية، وكان هذا الظرف المحرج الذى لم ينفع فيه علمى، ويصح أن أقول للزميلين إن مناظر الأوبرا لم تعرف بعد المذهب الإيحائي؛ وقد ضحك منى رئيس الميكانيستية حينما وضعت ستار المؤخرة فى رواية «أهل الكهف» من القطيفة، على حين أن بقية أجزاء المنظر كانت من الإطارات المرسومة الملونة. إذن ليعذرنى الزميلان، وكان يجدر بهما - وهذا ما آخذه عليهما - أن يتريثا فى الحكم على زميل، وألا يصدرا هذا الحكم بعد مشاهدة رواية واحدة خذلت برغمى فى الاحتفاظ بوحدتها المسرحية. وليعذرنى أيضًا الزميلان إذ إن مصورى المناظر فى مصر - ومن بينهم الأجانب - لا يعرفون شيئًا عن الإيحائى ولم يسمعوا بعد عن سائر الاتجاهات الحديثة، وإننى أجاهد معهم متعبًا، وإن البعض من الممثلين بل والنقاد، عدوا المناظر التى قدمتها فى رواية «تاجر البندقية» وكلها إيحائية محضة، نوعًا من التمرين الأولى فى فن التصوير والرسم مما يقدمه طالب بالمدارس الأولية.وتحت عنوان «الإضاءة» قال زكى طليمات: يقول المستر إدواردز «إننى لم أقصد من الإضاءة إلا أن أكشف المناظر والممثلين للنظارة، وإننى لم أستخدم الإضاءة لغرض أو فكرة خاصة إلا فى موقف واحد فقط بين «السيد وحبيبته» ومجمل هذا الاتهام يناقض بعضه بعضًا، فهو يعترف أننى استخدمت الإضاءة لفكرة وغرض فى أحد المواقف، ولكننى أهملتها فى مواقف أخرى، أعنى أنه يعترف بأننى أدرى أن الإضاءة المسرحية ليس الغرض منها فقط إنارة المناظر والممثلين بل إحياء الصبغة النفسية لأهم عاطفة تجتاح المشهد، هذا مع خضوعها للمعقول وما يحتمه الزمان والمكان. وتكفينى هذه الشهادة، ويرفه عنى هذا التناقض، لأن من يعلم أن ? + 1 = 2 لا يرجع فيعطى نتيجة غير هذه! يعلم المستر إدواردز وقد شاهد الرواية - ولا أعرف ما إذا كان قرأها - أن كل المناظر تجرى فى رابعة النهار ما عدا مشهدين، أولهما فى وسط الليل وثانيهما - وهو الذى أشار إليه - فى أول هبوطه، وقد أعترف بدقة الإضاءة فيه ماذا كان يريدنى أن أعمل للإضاءة المطلوبة فى باقى مناظر الرواية، وكلها تجرى فى النهار، أكثر من الإنارة التامة للمسرح؛ ثم غمر الأقسام الرئيسية التى يجرى فيها أهم مشاهد المنظر بآشعة ناصعة تصبها مركزات للنور «بروجكتور» على جانبى المسرح، وذلك بقصد اجتذاب أنظار الجمهور إلى أهم النقط التى يجرى فيها التمثيل! أقول للمستر إدواردز إننى من المعجبين بتصوير المصور رامبراند وأعرف أننا معشر المخرجين الحديثين نستقى من طريقته فى توزيع النور فى لوحاته الخالدة، نستوحى أساليبنا فى إضاءة المسرح، وفى هذا ما يكفى ليعلم أننى أعتقد فى الإضاءة المسرحية وأراها مصدرًا غنيًا فى الإلهام يستوحى منه المخرج، وأن الإضاءة المسرحية قد أخذت مكان المناظر فى إحياء الصبغة النفسية، بل والمكانية أحيانًا. بعد هذا أصرح أن ما قرأته فى «الرسالة» عن لسان المستر إدواردز لا يخلو من قسوة ومن تحرج لا أظن أن نفسية مفتن من طرازه تنطوى عليهما! ولكن أحقًا قال ذلك المستر إدواردز وزميله؟ أم أن ناقل الحديث هو الذى قسا وتحرج! لا يهمنى كثيرًا.. وأشكر لصاحبى الحديث ولناقله هذه الفرصة الغالية التى أتاحت لى أن أناقش وأحاور فى فن أحبه كثيرًا، وأود أن أتلمس مواطن الضعف منى فى تأدية رسالته. [توقيع] «زکى طلمات»! واختتم الموضوع ناقد المجلة، قائلًا: «أؤكد للأستاذ زكى أننى كنت أمينًا فى نقل الحديث بما فيه من رقة وقسوة». [توقيع] «يوسف تادرس».