مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى ..فى عيون المسرحيين

مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى  ..فى عيون المسرحيين

العدد 994 صدر بتاريخ 14سبتمبر2026

تأتى الدورة الثالثة والثلاثون لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، برئاسة الدكتور سامح مهران لتعزز مكانة المهرجان كحدث ثقافى وطليعى فارق، يجمع بين كسر التقاليد المسرحية وإعادة التساؤل المستمر حول جوهر الفن المسرحى وتجدد أدواته. وقد شهدت هذه الدورة حضوراً جماهيرياً كبيراً وتنوعاً غنياً فى التجارب والعروض القادمة من مختلف دول العالم، مما أتاح فرصة نادرة للتثاقف والحوار المثمر وتعميق التواصل بين المسرحيين العرب والاطلاع على المنجزات العالمية المعاصرة. كما أكدت الفعاليات والندوات المصاحبة أن المهرجان ليس مجرد منصة لعرض الأشكال الأدبية والفنية المتنوعة، بل هو مؤسسة فنية وثقافية متكاملة الأركان تعبر عن حالة من الاستقرار والقدرة على إعادة بناء المشهد الفكرى العربي. وتجسد هذه الدورة حرص القائمين على المهرجان على الصمود والمغامرة الفنية، مع التأكيد على أهمية مراجعة البوصلة الفنية باستمرار للحفاظ على هوية المهرجان المرتكزة على فعل التجريب الحقيقي. اجرينا استطلاعا للرأى مع مجموعة من الضيوف الذى شاركوا فى الدورة الـ 33 للمهرجان لنتعرف على أبرز انطباعتهم.
التجريب المسرحى من كسر التقاليد إلى التساؤل عن جوهر المسرح
قال د. محمد سيف من العراق: “فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، لا يبدو السؤال الأهم: ماذا فعل المسرحيون بالجديد؟ بل ماذا فعلوا بما أصبح، مع الوقت، مألوفًا فى المسرح؟ فبعد عقود من التجارب التى كسرت مركزية النص، وحررت الجسد، وأعادت اكتشاف الفضاء، ووسعت حضور الصورة والتكنولوجيا، لم يعد من السهل تحديد أين يبدأ التجريب وأين ينتهي.
وأنت تتنقل بين عروض المهرجان، قد تصادف شاشة، أو أداءً جسديًا، أو فضاءً غير تقليدى، أو علاقة مختلفة بين المؤدى والجمهور. لكن حضور هذه العناصر لا يجعل العرض تجريبيًا بالضرورة. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون مجرد زينة، والغرابة يمكن أن تتحول إلى وصفة، وكسر القاعدة يمكن أن يصبح قاعدة أخرى. التجريب الحقيقى، فى ظنى، يبدأ حين تصبح الأداة وسيلة لسؤال المسرح عن نفسه.   
وهنا تكمن إحدى مفارقات المهرجان: ما كان بالأمس خروجًا على التقليد صار اليوم جزءًا من قاموس المسرح المعاصر. حتى التجريب أصبح له تقاليده وأشكاله المتوقعة. ولذلك لا تعود قيمة العرض فى مقدار ما يدهشنا، وإنما فى قدرته على زعزعة ما نظنه مستقرًا، وعلى دفعنا إلى النظر بطريقة أخرى إلى الممثل والجسد والفضاء والزمن والمتلقى.   
ومن هذه الزاوية، تبدو عروض المهرجان وكأنها تتحرك بين حداثة استقرت فى بعض أشكالها، وتجريب يحاول باستمرار الإفلات من الاستقرار. وليس كل عرض حديث تجريبيًا، كما أن العرض الذى يستخدم لغة مسرحية مألوفة ليس بالضرورة تقليديًا بالمعنى السلبي. فقد نجد عرضًا بسيط الوسائل، واضح البناء، لكنه يعيد قراءة الموروث بذكاء، بينما نجد عرضًا شديد الغرابة لا يفعل أكثر من إعادة تدوير ما أصبح مألوفًا فى عروض التجريب.   
وربما لهذا تبدو أهمية المهرجان اليوم فى أنه لا يقدم إجابة واحدة عن معنى التجريب، بقدر ما يكشف اتساع السؤال نفسه، فالتجريب لم يعد مجرد البحث عن شكل لم يسبق إليه أحد، وإنما أصبح موقفًا من المسرح ومن شروط حدوثه. أن تجعل الجمهور يعيد التفكير فى موقعه، وأن تجعل الممثل يختبر حدود حضوره، وأن تجعل الفضاء شريكًا فى صناعة المعنى، أو حتى أن تعود إلى الحكاية والشكل التقليدى ولكن بعين جديدة؛ كل ذلك يمكن أن يكون تجريبًا.   
بعد كل هذه السنوات، ربما لم يعد المطلوب من المسرح التجريبى أن يكون غريبًا، بل أن يكون حيًا فى أسئلته. وهذا، فى النهاية، ما يجعل مهرجان التجريبى فى القاهرة أكثر من مناسبة لعرض أشكال مسرحية مختلفة؛ إنه مساحة سنوية لاختبار سؤال قديم يتجدد دائمًا: متى يكون المسرح قادرًا على أن يكتشف نفسه من جديد؟”.  

مهرجان القاهرة التجريبي: بين التنوع الثقافى وتطلعات التطوير التنظيمى والفكري
أوضح الفنان والإعلامى ماجد لفته العابد من العراق قائلاً: "أرى أن من أبرز إيجابيات الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى هو التنوع الكبير فى التجارب المسرحية إذ شاهدنا عروضاً مهمة من بيلاروسيا وإسبانيا وتونس فضلاً عن أن المهرجان منحنا فرصة جميلة للقاء أصدقاء وزملاء لم نلتقِ بهم منذ سنوات طويلة، وربما منذ الدورتين الخامسة عشرة والعشرين وهذه واحدة من أجمل قيم المهرجانات الثقافية.   
أما بالنسبة لأمنياتى للدورات المقبلة فأتمنى زيادة عدد العروض العربية وأن يكون جدول العروض أكثر سهولة وتنظيماً بما يتيح للضيوف مشاهدة أكبر عدد ممكن من الأعمال كما أتمنى زيادة عدد أيام المهرجان وتطوير الجلسات الفكرية لتكون أكثر حواراً وتفاعلاً، بعيداً عن الاكتفاء بقراءة أوراق مكتوبة أمام الفنانين والضيوف".  

ثراء الجمهور احترام لذائقته ومقياس لنجاح الفعل المسرحي
قال المخرج الأردنى على عليان ورئيس مهرجان المسرح الحر بالأردن: “ثراء الجمهور ما يميز هذه الدورة هو الكثافة الجماهيرية التى تقتنص المخرجات الأساسية للفعل المسرحى القادم من الشرق والغرب بكل التجليات المسرحية المدهشة، ولعل احترام ذائقة الجمهور اولا واخير هو المقياس الحقيقى لمسطرة النجاح، وهذا المقياس يحمل المهرجان المسئولية الكبرى فى آلية الاختيار حسب مضامين الجودة الفنية ورفعة المنتج المسرحى. نأمل فى الدورات المقبلة المحافظة على هذا الجمهور النوعى من خلال الاستمرار فى هذا النهج فى اختيار افضل العروض والبدء المبكر لهذه التحضيرات.  

التجريب المسرحي: بين الصمود والحفاظ على هوية التجدد والمغامرة
قال الكاتب السعودى فهد ردة الحارثي: “من أبرز الانطباعات التى خرجت بها من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى أنه ما زال قادرا على الصمود والاستمرار وما زال يملك الرغبة فى تقديم نفسه بوصفه أحد الفضاءات المهمة للحوار حول المسرح وأسئلته ، والأهم أنه ما زال يحتفظ بفاعلية «فعل المسرح» داخله، بما يحمله ذلك من قدرة على الاشتباك مع الأفكار والجماليات والتحولات التى يشهدها المسرح المعاصر.
وأشار: وأتمنى فى الدورات المقبلة أن يستعيد المهرجان تركيزه بصورة أكبر على جوهر تسميته وهويته: التجريب. وأن تكون هناك عناية أكبر باختيار عروض يقوم بناؤها الفنى والفكرى على فعل تجريبى محدد وواضح.
وأتمنى أن يعود سؤال ما علاقة العرض بالتجريب فى استمارة قبول العروض، لأن القدرة على الإجابة عن هذا السؤال ستكون مفيدة جدا لصالح المهرجان ولصالح العروض التى ترغب فى المشاركة بهذا المهرجان.
وأوضح: “وأظن أن قوة المهرجان فى استمراره لا تقل أهمية عن قدرته على مراجعة بوصلته الفنية من دورة إلى أخرى، فالصمود الحقيقى لا يكون فقط فى البقاء، وإنما فى الحفاظ على القدرة على التجدد والمغامرة والمساءلة وهذا ما أعتقد أنه موجود فى كل القائمين على هذا المهرجان منذ سامح مهران وحتى جميع أعضاء مجلس إدارة هذا المهرجان الذين يستحقون باقات الشكر الجميل على جهودهم الكبيرة والدائمة والمثمرة

المسرح التجريبى محكوم بالطليعة ومهرجان القاهرة واحة للجمال والفكر والإبداع
قال د. هشام زين الدين من لبنان: “هذه الدورة تأتى لتكمل مسيرة المهرجان الذى بات حدثاً ثقافياً ومسرحياً ينتظره المسرحيون العرب للبقاء على تواصل واتصال بمنجزات بعضهم البعض من جهة والاطلاع على تجارب متنوعة من المسرح العالمى تضيف إلى معارفهم وخبراتهم وتبقيهم على اطلاع ومواكبة لما يحصل خارج المنطقة العربية. 
فى كل دورة خبرات جديدة، ووصل مع الخبرات السابقة، وبناء إضافى جديد ومتجدد يحاكى المستقبل، فالمسرح خصوصاً فى بعده التجريبى لا يمكن أن يهدأ ويراوح فى مكانه، هو بطبيعته محكوم بالطليعية، وهذا المهرجان على اختلاف مستويات عروضه، يؤمن لنا مادة التفكير والتحليل والاستنتاج لكى نستمر، تحية لفريق عمل المهرجان الذين لا يبخلون بأى جهد لأجل إنجاحه وتطويره سنة بعد سنة، وعلى رأسهم المفكر الطليعى د. سامح مهران. دام المهرجان واحة للجمال والفكر والإبداع ودامت مصر رائدة حاضنة لكل المسرحيين العرب وإبداعاتهم.  

مهرجان القاهرة التجريبي: حالة ثقافية مكتملة الأركان وإرادة تنويرية واثقة
أوضح الكاتب والروائى هزاع البراري: “يعد مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى حالة ثقافية مكتملة الأركان، فهو ليس مجرد عروض مسرحية تقدم فى مساحة زمنية ومكانية متقاربة، بل هو سياق مسرحى متواصل وعميق، يرتكز على جوهر التجريب فى المسرح ليس فقط فى العرض المسرحى وحسب بل فى الورش والندوات والأصدارات والترجمات الفريدة، وفى نوعية ومكانة المكرمون ولجان التحكيم والضيوف، بالإضافة إلى حالة التثاقف المسرحية التى يعيشها المشتغلون فى المسرح من المستويات كافة”.
وأشار: “اليوم مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى يواصل مسيرته بقوة رغم ما يمر به الإقليم من توترات وعدم استقرار، فإن المهرجان يعبر عن حالة الاستقرار الراسخ فى مصر، وأنه تعبير عن إرادة سياسية وثقافية واثقة من اهمية الفعل الفنى فى بناء الفعل التنويرى الذى نحتاجه فى هذه المرحلة البناء وإعادة التوازن الثقافى الفكرى، لذا فإن “التجريبي” يشكل حالة فريدة فى المشهد المسرحى العربى بإيقاعه العالمي، وهو يتيح للمسرحى العرب والمتفرج العادى فرصة نادرة للاطلاع على التجارب المسرحية العالمية والتفاعل معها، ليس على مستوى العروض المسرحية وإنما فى المحور الفكرى والندوات المصاحبة والمنشورات والحوارات فى أروقة المهرجان، مما يؤكد أن هذا المهرجان هو مؤسسة فنية ثقافية مكتملة الأركان بعيدة الأثر والتأثير”.

التجريب يكتشف جغرافيًا جديدة تتجاوز الفضاء إلى مساحات الوعى والروح 
أكد د. عادل حربى، من السودان، أن الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى تُعد دورة استثنائية من حيث التنظيم، وتنوع المشاركات الفكرية والعروض المسرحية، إلى جانب الكتب المتخصصة والورش التدريبية التى صاحبت فعاليات المهرجان. وأشار إلى أن هذه الدورة أكدت أهمية أن التجريب لا حدود له، وأن مساحات الوعى هى «مربط الفرس» فى التجربة المسرحية، لافتًا إلى أن للتجريب سحرًا خاصًا فى الفضاء، وقدرة على التأثير فى الفضاء المكانى داخل ذهن المتفرج، بما يفتح أمامه آفاقًا جديدة للتلقى والتأمل. 
وأوضح أن التجريب يستطيع أن يكتشف جغرافيًا جديدة لعالم مختلف، يتجاوز كل مساحات الفضاء المألوفة، لينتقل إلى مساحات أعمق تتصل بالوعى والروح، وهو ما يمنح التجربة المسرحية التجريبية قدرتها على تجاوز الحدود التقليدية للعرض والتلقي. 
ووجه د. عادل حربى الشكر إلى إدارة المهرجان على ما قدمته خلال هذه الدورة، مشيدًا بالدقة فى التنظيم، وتنوع العروض المشاركة، إلى جانب التنوع فى المسارح والفضاءات التى احتضنت الفعاليات، بما أسهم فى إثراء التجربة العامة للمهرجان.

المهرجانات الدولية مساحة مهمة لتبادل التجارب والخبرات 
قال الكاتب حمد الظنحانى، أمين سر جمعية دبا للفنون والثقافة بالإمارات، إن مشاركته فى الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى كانت تجربة ثرية ومهمة، خصوصًا أنه حضر المهرجان بصفته ضيفًا وممثلًا لمهرجان الفجيرة الدولى للمونودراما، حيث تشرف بحضور اجتماع رؤساء ومديرى المهرجانات الدولية نيابةً عن سعادة محمد سعيد الضنحانى، رئيس مهرجان الفجيرة الدولى للمونودراما. 
وأضاف أن المستوى العالى من التنظيم والإدارة لفت انتباهه، إلى جانب القدرة الكبيرة على التعامل مع هذا العدد من الفعاليات والعروض والبرامج المصاحبة بمهنية وحرفية عالية، وهو أمر يستحق الإشادة والتقدير. وتوجه بالشكر إلى إدارة المهرجان، وعلى رأسها الدكتور سامح مهران والدكتور محمد الشافعى، على ما يبذلانه من جهود واضحة فى إنجاح هذه الدورة وإظهار المهرجان بالصورة التى تليق بمكانة القاهرة ودورها الريادى فى المشهد المسرحى العربى والدولي. 
وأوضح أن اجتماع رؤساء ومديرى المهرجانات الدولية كان من أبرز محطات هذه الدورة بالنسبة له، حيث جاء الاجتماع مثمرًا للغاية، وشكل مساحة مهمة للحوار وتبادل التجارب والخبرات، ومناقشة سبل تعزيز التعاون والتواصل بين المهرجانات الدولية، بما يخدم الحركة المسرحية ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون المشترك. 
وأشار إلى أن استمرار مثل هذه اللقاءات والتجمعات المهنية يعزز من حضور المسرح العربى على المستوى الدولى، ويؤكد أهمية المهرجانات كمنصات للتبادل الثقافى والفنى وبناء جسور التواصل بين المسرحيين من مختلف أنحاء العالم.

إقامة الدورة الـ33 انتصار يثبت أن المسرح حياة ورسالة للمحبة والسلام 
قال الدكتور بشار عليوي، إن الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى تُعد دورة فارقة واستثنائية، فى ظل الظروف والتحديات اللوجستية والإقليمية والدولية التى تواجه صناع المسرح فى العالم. 
وأوضح أن صناع المسرح، ومن بينهم صناع المسرح التجريبى، تأثروا بشكل أو بآخر بهذه التحديات، مشيرًا إلى أن المسرحيين وصناع المسرح تحديدًا هم من أبرز الفئات التى تقع عليها دائمًا التحديات والصعوبات الأكبر، نظرًا لارتباطاتهم بسوق العمل، وتحديات السفر، إلى جانب التحديات المرتبطة بصناعة العرض نفسه فى ظل الظروف الراهنة. 
وأضاف: «إقامة هذه الدورة الـ33 أجدها انتصارًا يثبت أن المسرح حياة، والمسرح هو رسالة المحبة والسلام». وعن الجانب الفنى والجمالى والإبداعى للدورة، أشار عليوي إلى أن المحور الفكرى لهذا العام أعاد إنتاج الأسئلة حول مفهوم التجريب، معتبرًا ذلك إحدى إشراقات هذه الدورة، إلى جانب وجود عروض مهمة من إسبانيا وبيلاروسيا، فضلًا عن العروض العربية التي أضافت إلى البرنامج. 
ولفت إلى العدد النوعي والمهم من الإصدارات التى شهدتها الدورة، على مستوى العناوين والإصدارات، مؤكدًا أن ذلك كله يؤكد أن الدورة الثالثة والثلاثين دورة فارقة واستثنائية، عطفًا على المحطات السابقة للمهرجان.


رنا رأفت