بعد عشرة أيام من ليلة العرض الأخيرة لمسرحية «نشيد الهوى»، أعلنت الفرقة القومية عن مسرحيتها السابعة «السيّد»، التى قدمتها على مسرح دار الأوبرا الملكية فى إبريل عام 1936. والمسرحية تأليف «كورنيل» ترجمة «خليل مطران»، أخرجها «زكى طليمات»، تمثيل «حسين رياض» فى دور السيد، و«زينب صدقى» فى دور شيمان، بالاشتراك مع عمر وصفى، منسى فهمى، عبد العزيز خليل، زكى رستم، سراج منير، فؤاد فهيم، عزيزة أمير، فردوس حسن، نجمة إبراهيم.كتب «عبد الملاك برسوم» مقالة عن العرض فى أوائل مايو 1936، ونشرها فى جريدة «الأهرام» تحت عنوان «السيد على مسرح الأوبرا الملكية.. ملخص وتحليل»، قال فيها: مُثلت رواية «السيد» على مسارح فرنسا لأول مرة عام 1636، واليوم تحتفل مسارح فرنسا بمرور ثلاثمائة عام على تمثيل هذه الرواية الفذة، وتشترك مصر فى هذا الاحتفال اشتراكًا عمليًا، بتمثيل هذه الرواية على مسرح الأوبرا الملكية، ويزيد فى قيمة هذا الاشتراك، أدبيًا وفنيًا وماديًا، أن فرقة الحكومة التمثيلية، هى التى ستمثل هذه الرواية، وأن الأستاذ زكى طليمات، رجل المسرح المصرى، وخريج الأوديون، وابن باريس، هو الذى تولى إخراجها وأن الأستاذ خليل مطران هو الذى نقلها إلى العربية وناهيك عن ترجمة شاعر لشاعر.. وقد ألفها «كورنيل» فى القرن السابع عشر، وخالف بها القاعدة المألوفة فى التزام وحدتى الزمان والمكان، فجاءت متعددة المناظر. وقد كان - كورنيل - بعمله هذا، أول فرنسى يخرج على أقدس قوانين الدرام فى العصر الكلاسيكى، غير أنه لم يسرف فى هذه المخالفة إسراف شكسبير، بل كان معتدلًا كل الاعتدال فتعددت مناظر روايته هذه، تعدد محلى بحت.. كان كورنيل طالبًا فى مدرسة الحقوق وكان مغرمًا بالتمثيل غرامًا صرفه عن الدرس والتحصيل، فجعل يتردد على قاعات التمثيل، حتى تركزت محبته له وساعده غرامه بنظم الشعر، فوضع أول رواية تمثيلية أسماها «الخطابات المزورة» وقدمها إلى أحد مسارح باريس فقبلت ومُثلت! ولئن أتهم - کورنيل - بسرقة رواية «السيد» عن الإسبان إلا أن فضله بصبغها بصبغته لا ينكر، ولا يجحد، فقد جاءت الرواية فذة فى نوعها، قوية فى أسلوبها متماسكة فى حوادثها، جميلة فى حوارها مؤيدة لكل ما كان يرمى إليه من تركيز سلطان الملكية ورفع نفوذها متمشيًا فى هذا مع ما أخذه الكردينال ريشيليو على نفسه من عهد وميثاق فى هذا السبيل.حوادث هذه الرواية، كحوادث غيرها من روايات کورنايل، حوادث نضال ونزاع بين العاطفة والواجب. فلملك إشبيلية قائدان عظيمان هما الكُنت دون دياج الذى هدته السنون والأيام، فشمله الملك بعطفه، وجعله مؤدبًا لولى عهده، تقديرًا منه لجليل خدماته، وطول تجاربه فأثار هذا العطف الملكى حقد الكنت وغيرته على هذا القائد ولطمه على خده، وأوقع سيفه على الأرض بعد مبارزة صغيرة، وتركه يندب حظه، ويبكى مجده الغابر الذى بناه فى غابر أيامه، فتقوض فى يوم واحد.. وللدون دياج ابن فى الثامنة عشرة من عمره هو لذريق، وتشاء الأقدار القاسية أن يدخل لذريق على أبيه، وهو يبكى عجزه عن رد الإهانة بمثلها فكلف ابنه بأن يثأر لشرفهما من ذلك الكنت الوقح.. وللكنت ابنة وحيدة هى شيمان، وكان يعبدها لذريق عبادة العاشق الولهان ولكن هل يمنع حب لذريق لابنة الكنت الأخذ بثأر أبيه، من والد معشوقته لإهانة لا تغسل إلا بالدم إلى حين أوشك أن يبلغ غرامه، يكون فى هذه الخصومة أبوه الموتور، ويكون الواتر أبا شيمان! أجل إنه مدين بكل شيء لأبيه، قبل معشوقته، إذن ليرد دمه نقيًا كما تلقاه وليبادر إلى الأخذ بالثأر، فما عليه، فوالده هو الذى أهين، والذى أعتدى عليه هو والد شيمان.. يذهب لذريق لمقابلة الكنت الذى لا يجد بدًا من إجابة دعوته للمبارزة «تعالى فإنما تقوم بواجب، وليس بكريم العنصر ولد يعيش يومًا بعد شرف أبيه» فيكون الجواب، مبارزة تنتهى بحياة الكنت مما يحمل بنت الملك بتعزية شيمان فى مصابها، الذى يولد فى قلبها الكراهية والبغض لقاتل أبيها. والبغضاء التى تتغلغل فى القلوب تغذى نيرانًا يخبؤها الرماد، فما يزيدها إلا احتدامًا.ولابنة الملك قصة، هى قصة كل امرأة فى الوجود. امرأة أحبت، ولما لم تستطع إلى حبيبها سبيلًا، أهدته إلى شيمان. وعلى يديها تمكن أن يستنزلها من معتصمها فالغرام طاغية لا يبقى على أحد. ولم تفعل ذلك عبثًا، فلما وجدت أن قلبها قد أوشك أن يفقد منعته، أعطت بيدها ما لم تكن لتجسر على أخذه بيدها لنفسها، فجعلت شيمان بمكانها من لذريق، وقيدتها بقيوده، وأوقدت نيرانها لتطفئ نيرانها هى، فلا عجب فالحب يحيى بحياة الأمل. وتموت بموته، وهو ضرام يأكل نفسه إن لم يجد ما يأكله، لذا فهى تمعن فى تعزية شيمان، وتحاول جهدها فى تهدئة خاطرها رغبة منها فى إشعال غرامها.. فالرابطة المقدسة التى ستربط لذريق بشيمان ستذهب بأحقاد الوالدين المتعاديين، وتتنبأ بأنها ستجعل عما قليل حبها ينتصر على الضغينة فيهما، وترى الزفاف الهنىء يلاشى تلك الشحناء ولكن رجاء شيمان يقصر دون هذه الأمنية.. مات الكنت بعد لذريق فمسح ما لحق بشرف أسرته من العار، فدفعت فعلته شيمان، لمطالبة الملك بالثأر منه، ومكافأة الدم بالدم وهنا يتقدم دون دياج لتبرئة ابنه أمام الملك قائلًا: «أنا يا مولاى الرأس، وليس ابنى إلا الذراع تشكو شيمان من أنه قتل أباها، وتالله ما كان ليؤدى به، لو قدرت على الإيذاء به، فليكن القربان إذن هذا الراس الذى يلوى به الهرم، وليبق الساعد الذى يضطلع بخدمتك، أرض شيمان بسفك دمى، فقد طبت نفسًا للاقتصاص منى ورضيت بالحكم عليّ مهما يبالغ فى شدته، إذ إننى بموتى نقى الشرف، أموت بلا أسف!».ولكن هذا لا يزيد شيمان إلا تمسكًا بطلبها، حتى إذا ما طلب الملك إليها أن تروّح عن نفسها أسفت لأن الأمر بالترويح عنها يزيد أشجانها.. ومن بين قواد المملكة، الذين أغرموا بشيمان دون سنش، وهو شاب فى مقتبل العمر، يتقدم إلى شيمان فى هذا الظرف العصيب، راجيًا أن تستخدم شيمان سيفه للاقتصاص من المجرم، وأن تجعل غرامه لها قاضيًا لغرمها، فبأمر منها يشتد ساعده، ويأتى العجب العجاب، ولكنها وإن رفضت أولًا، عادت، فقبلت هذا العرض من دون سنش.. يبكى لذريق ما أضاعه لفعلته، على نفسه، من نعيم قربه من شيمان فضرب الضربة، ولكنه أودى بنفسه، فجاء انتقامه لشرفه انتقامًا منه ويزداد ألمه وأنينه، اعتقادًا منه، أن الخيانة فى الحب من شيمة المحارب الرعديد، والعاشق الغادر، ولكنه، وقد اطمأن إلى شيمان، أو قل انتزع منها أخيرًا رضاءها، وعطفها.. فإذا كنت قد هويتك يا حبيبى لذريق، فاجعل عوض من هذا الحب أن تزود عن نفسك لتنقذنى من دون سنش، قاتل لتحررنى من رق من لا أحب.. ولكنه ينازل دن سنش الذى أخذ على نفسه الانتقام لشيمان وينازله لذريق ولسان حاله يقول: إلى عدو لا أكبح اليوم جماحه، وينتصر عليه، ولكنه يبقى على حياته، ويبعث به إلى شيمان، فإذا ما ظهر دن سنش أمام شيمان، وبيده سيف المنتصر، ظنت المسكينة، أن قد قضى على لذريق فتثور فى وجهه، ولا ينقذ الموقف إلا دخول الملك الذى يقدم إليها لذريق زوجًا حلالًا، على أن ينقذ الوطن من خطر المغاربة، بقوله: فأما، ومكانك أعز مكان فى قلب شيمان، فخير حل لعقدة الشرف التى حالت بينكما، أن تدع الزمن يفعل فعله، وأن تعتمد على شجاعتك وعلى مليكك.. وهنا تهدأ ثائرة شيمان وتقبل لذريق زوجًا لها، وهكذا تخضع المرأة أخيرًا لسلطان الحب، حب الرجولة، حب الشجاعة، حتى وإن كان الحبيب قاتلًا لأبيها.. وليسمح لنا الأستاذ مطران، أن نهنئه بتوفيقه بهذه الترجمة الدقيقة، فلا عجب، فشاعرنا العربى هو خير من يفهم شاعر الفرنسيين فى أزهى عصور الشعر الفرنسى، ولكن رجاءنا أن لا يزعج الأستاذ الجليل منا قولنا، إن المسرح المصرى أحوج ما يكون إلى اللغة السلسة منه إلى اللغة الجزلة.. عبارات الرواية رصينة، وأسلوبها ممتع، ولكن لا يغيب على الأستاذ أن الجمهور إذ فاته فهم عبارة ما، شغله هذا عن تتبع حوادثها بنفس القوة والنشاط، أو خلت الرواية من عبارة غامضة أو عميقة.. على أننى أعتقد أن الرواية وإن فاقت مستوى جمهورنا المثقف إلا أنها أدنى من قلوبهم عن سواها.بعد أيام قليلة وجدت فى جريدة «الأهرام» أيضًا مقالة أخرى عنوانها «السيد على مسرح الأوبرا الملكية.. نقد فنى نزيه» بتوقيع «ضبع»! أشار الكاتب فى مقدمتها إلى المقالة السابقة لعبد الملاك برسوم، ورأى أنه لخص موضوعها تلخيصًا كافيًا، لذلك وجد فى نفسه الرغبة فى نقدها إخراجًا وتمثيلًا نقدًا فنيًا نزيهًا، وبناءً على ذلك قال:«أخرج الأستاذ زكى طليمات هذه الرواية، ولم يشترك فى تمثيل أحد أدوارها، خلافًا لسابق عادته فى روايات الفرقة القومية، لذا يحق لنا وقد توفر على شئون الإخراج، أن نشتد فى محاسبته.. يلوح لى أن مخالفة «كورنى» فى روايته هذه لوحدتى الزمان والمكان، كادت تحرج الأستاذ المخرج، إذ ألجأه إلى استعمال الستائر الداخلية التى لم تتقدم طريقة استعمالها فى مصر حتى اليوم.. على أن للرجل بعض العذر، إذ إن نظام الإضاءة فى الأوبرا الملكية، نظام عتيق يقف حجر عثرة فى سبيل الإخراج الحديث، حيث تخضع المناظر والأستار المسرحية فى بنائها ووضعها للإضاءة الحديثة. ولقد وفرت هذه الستائر على المخرج مشقة وضع تصميم للمناظر الأندلسية بما فيها من جمال البناء والنقش، غير إنه استطاع أن يعطينا فكرة بسيطة عن هذا الفن فى القرن الحادى عشر، حيث وقعت حوادث الرواية، فاستخدم «عمودين» هما غاية فى البساطة، ولكنهما آية فى الفن الأندلسى الذى يتركز على الفن القوطى، والرومى والعربى، أو ما يسمونه بالفن شبه الرومانى أو البازليكى الملقح بالفن العربى. أما منظر «العرش» فى الفصل الثانى والثالث والخامس، فلم يكن شيئًا مذكورًا، ولم يجمع إلى الأبهة والجلال ما توفر عليه الفن إذ ذاك من كثرة الأعمدة المنفردة بجمال النفس، والمتوجة بالمقاطع الفنية الجميلة، فضلًا عما تحلت به قصور ذلك العهد بصور القديسين إذ ماتت العاطفة الدينية القوية، إذ ذاك، على القوم كل مشاعرهم، وخصوصًا فى إسبانيا أكثر بلاد المسيحيين تمسكًا بأهداب الدين، وتعلقها به فى عهد كان للدين فيه كل السلطان. وأعتقد أن ليس للأستاذ زكى فى ذلك عذر ما، فمنظر «العرش» ثابت فى كل فصول الرواية، ولا يكلف بناؤه عناء، ومشقة، خصوصًا وقد توفر إلى ذهن زکى، وعميق دراسته، وغزارة إنتاجه فى رواياته السابقة، المال والوقت.أما عن الإضاءة، فحدث عنها ولا حرج، فزكى هو حامل لوائها فى مصر، وناهيك عن الإضاءة المعبرة عن روح الرواية فى مجموعها، والعاطفة المتغلغلة فى كل فصل من نضال بين الحب والبغض، ونزاع بين العاطفة والواجب. وإن أنسى لا أنسى إضاءة الفصل الثالث إذ ذهب الليل بظلامه الدامس ولاح الفجر، غير إنى أرى أنه يجب أن يلقح مركز النور «Projecteur» المصوب فى الفصل الثالث على وجه حسين رياض ممثل دور «السيد» بلون أحمر خفيف، لأن للنور الأبيض الوهاج مضار لا تغيب على الأستاذ زكى، فضلًا من أن تلقيحه باللون الأحمر «الخفيف» يتفق وحديته لهذا الفصل. وأما عن «الأثاث» المستخدم فى هذه الرواية فإنه كان مع بساطته محدثًا عن روح العصر لولا أن أثاث منظر «بيت الملك» كان يحتاج إلى قليل من العناية فى الاختيار والتنسيق والتوافق، لأن الكراسى العربية، التى نستعملها اليوم فى منازلنا لم تُعرف عند العرب فى ذلك الوقت، ولأن هذه الكراسى نفسها لم تتفق مع المصلى التى ركعت عليها بنت الملك، ابتهالًا لله أن يخفف من خطبها.. قوام هذه الرواية، وأمثالها من الروايات الكلاسيكية، إلقاء قوى وکلام رنان، غير أن نزعة الفن الحديث التى تحمل لواءها «مسارح الطليعة بباريس» ترمى إلى صبغ هذه الرواية بالطريقة العصرية على قدر الاستطاعة. وقد وفق الأستاذ زكى فى هذا السبيل توفيقًا نغبطه عليه، لولا أن حرصه على طريقة الإلقاء الكلاسيكية كان يغالبه أحيانًا، فكانت هذه الغلبة حجر عثرة فى سبيل بلوغ درجة الكمال فى هنا الميدان. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الأستاذ المخرج بالغ فى احترام المثل الفرنسى القائل «لا تقطع الثمرة إلى أربع» أعنى لا تكلف نفسك مشقة إظهار كل معنى وإيضاح كل فكرة رئيسية دون سواها. أقول بالغ الأستاذ زكى فى احترام هذه القاعدة مع أنه لو أغفلها ولو قليلًا لبلغ القمة فى إخراج هذه الرواية بما زاده عليها من حركة وحياة وبما وفره على بعض الممثلين والممثلات من إحراج سنأتى عليه فيما بعد.