العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026
فى دورته الثالثة والثلاثين، اختار مهرجان القاهرة للمسرح التجريبى، تكريم القامة المسرحية، دكتور يوسف عيدابى، أحد أعمدة المسرح العربى، المخطط الثقافى، صاحب الغوايات المتعددة.
عيدابى حاصل على الدكتوراه من جامعة بوخارست فى تاريخ ونظريات المسرح، شاعر عصر تجربة، تيار الغابة والصحراء، برفقة الشعراء النور عثمان أبكر، محمد المكى إبراهيم، محمد عبدالحى، من أوائل من كتبوا الشعر الحر، فى قصيدة بعنوان أبودليق، عمل عميدًا لمعهد الموسيقى والمسرح، فى السودان بعد أن شارك فى تأسيسه، وأشرف على المناهج الدراسية، أستاذ جامعى فى جامعات رومانيا والإمارات والسودان، أشرف على الملحق الثقافى لجريدة الخليج، بصحبة الشاعر محمد الماغوط، أسهم فى تأسيس معرض الشارقة للكتاب، وأيام الشارقة المسرحية، من سنوات يعمل فى الهيئة العربية للمسرح، ينظم الندوة الفكرية، فى مهرجانات المسرح العربى، ويرأس تحرير مجلة المسرح الصادرة عن الهيئة، ويشرف على إصدارات الهيئة، أسس مركز عيدابى للفنون بالسودان، واصدر العشرات من الكتب عن المسرح السودانى، من أهمها كتاب الوافى فى تاريخ المسرح السودانى، نظم جائزة عيدابى للبحث المسرحى، يتشرف بالعمل كمستشار ثقافى لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى، والذى كرمه، بمنحه مفتاح مدينة الشارقة.
بتأثير من حوارات، تيار مدرسة الغابة والصحراء، أصدر عيدابى، بيان مسرح عموم أهل السودان، متخذًا من مجمل اشكال التلاقى والفرجة والاحتفال الشعبى فى البادية والحضر ملعبًا ومسرحًا ومكانًا حرًا للتعبير، بيان مسرح عموم اهل السودان، هو التنظير السودانى، المقابل لأفكار تأصيل المسرح العربى، (والتى صدرت عبر بيانات فى نهاية الستينات وبداية السبعينات بعد نكسة يونيو والتى جاءت بعناوين المسرح الاحتفالى عند عبدالكريم برشيد المغربى، وقالبنا المسرحى عند توفيق الحكيم، ومسرح السامر عند يوسف ادريس، ومسرح التسيس عند سعد الله ونوس).
يقول عيدابى عن المسرح الذى يريد (لا نريد مسرحًا للنخبة أو لفئة قليلة فى بلدنا الممزقة المقطوع، شطرها بغابة فى الجنوب، والمنفصل عن شقها الصحراء شمالًا، لا نريد للمسرح إلا أن يكون أداة اجتماعية، ووسيلة مقاومة والكفاح ضد التفرقة والعنصرية والاحتراب).
بيان مسرح عموم أهل السودان، تميز، برفضه للمسطرة الأوروبية الأرسطاليسة، لتعريف ماهية المسرح، لم يسعِ لتقدم مسرح، يلاحق صورة المسرح كما جاء من أوروبا، ودعى لمسرح ملتحم بثقافة الإنسان والمكان، مسرح متعدد وواحد، متعدد بالاحتفاء بثقافة التنوع، ومتوحد بأفق إنسانى رحيب.
احتفى عيدابى فى مسرحه بكل جوانب الثقافة السودانية ببعديها العربى والإفريقى ولم ينحز إلى طرف من الأطراف.
كتب عيدابى، نصوص مسرحية، رصينة مثل (حصان البياحة-العصفورة والممثلون- حلم- اغتالوا آسيا عبدالماجد- فنار).
دراسة نصوص عيدابى، تكشف عن عناصر أساسية، نظمت الافكار والبناء، منها، أسلوب التمسرح (إذا عرفنا التمسرح، بانه حالة استعارية منطلقة من الواقع وتتجاوزه فنيا)، فى محاكاة ظواهر فى الممارسات الاجتماعية واليومية، مثل اللغة العامية والألعاب الفلكلورية والطقوس المميزة للمجموعة السكانية الثقافية.
فى خضم انشغالات د.عيدابى، بالتخطيط الثقافى الاستراتيجى، والانهماك اليومى، فى إدارة الشأن الثقافى، الفنى والأدبي والمسرحى ظلم عيدابى جانب الإنتاج والإبداع، وهنا نحاول تسليط الضوء، على إنتاجه المسرحى، غير المكتشف، والذى لم يحظى بالحياة فوق الخشبة، فمسرحية حصان البياحة قدمت، من ثلاثة مخرجين فقط، والعصفورة بمخرجين، ولم يجد نص حلم ونص آسيا، فرصة للركح فوق الركح وان ظللت هذه النصوص طازجة وحديثة وحداثية وما بعد، نصوص فى انتظار، كل المخرجين العرب، وان كانت مضمخة برائحة سودانية، خليط من كبريت الخمرة والدلكة الفواح.
عتبة العناوين
العنوان كعتبة نصية أولى، هو باب لخارطة طريق الولوج للنص المسرحى، وضوء من أضواء استنكاه الفحوى والمضامين
عنوان مسرحية، حصان البياحة، مفردة البياحة، تثير تساؤل القارئ، وهى تعنى فى التراث السودانيين المكان السهل الممتد، ليكون المعنى يحمل دلالات الوثبة والانطلاق فى مساحات جديدة، قد يقصد بها الكاتب، ارتياد افاق جديدة للفرجة المسرحية، للعنوان تفصيل جانبى، يصف بها الكاتب المسرحية، بأنها مسرحية فى سبعة أجزاء مرتجلة، ومفردة مرتجلة، حضرت هنا، للتأكيد على أسلوب الفاعل مع المشاهد، بل دعوته للمشاركة فى العرض، كما فى بعض أحداث المسرحية.
عنوان مسرحية (حلم) يدخل القارئ مباشرة، لعالم متجاوز للواقع، يحتشد بالرؤى والأخيلة، مقرونا بعنوان جانبي_ تركيب درامى فى أربعة أجزاء معنونة، لنجد البناء الدرامى، يقسم للأربعة تراكيب وليست فصولًا، ومفردة معنونة، تهمس للقارئ، تأمل فى العناوين.
مسرحية العصفورة والممثلون، يستتبع العنوان، فقرة مكملة، تصف شخصيات المسرحية، بأنهم مجموعة من طلاب المسرح، يلعبون لعبة مسرحية، اسمها الحرية، مكونة من المخرج، الممثلة، مجموعة الممثلون 1-2-3-4.. المنظر المسرحى، أى مكان، تبدو هذه الكلمات فى صفحة عنوان النص، وكأنها إرشادات مسرحية، للمخرج، بان يتبنى أسلوب الميتا مسرح، فى صناعة العرض.
عنوان مسرحية لقد اغتالوا آسيا عبدالماجد، هو أكثر العناوين، مباشرة وتقريرية، نسبة لان نص المسرحية، كتب انفالا بتوقيت، موت الفناة المسرحية الرائدة، آسيا عبدالماجد، برصاصة أوان الحرب الدائرة فى السودان، العنوان الجانبى، مرثاة مسرحية، يحيل القارئ للمراثى، التى يختص بكتابتها الشعراء، وان جاءت أحداث النص، بضاف أوسع من حادثة الاغتيال، فيها البعد الفنى والبعد السياسى والبعد الوطنى.
حصان البياحة واسطة عقد نصوص عيدابى، مستوحاة من كتاب، طبقات ود ضيف الله، وهو يوثق لفترة مملكة الفونج (كتاب يتناول سير الأولياء فى السودان) والبياحة هى الأرض، السهل الممتدة، يصهل وينطلق فيها حصان التعدد والتنوع. بناء النص جاء فى شكل لوحات، مازجت بين الاحتفالية والتسجيلية والشعرية، وناقشت موضوع الهوية ن بطريقة فنية غير مباشرة، محتشدة بأبيات الشعر الشعبي(الدوبيت) والألعاب الفلكلورية، والاستعراضات الراقصة، والاحجية، بلغة تمازجت فيها الفصحى والعامية، فى هارمونى فريد، وتناولت موضوعات الدين فى حياة المجتمع، والسلطة السياسية والتشريع، وضع ومكانة المرأة.
مسرحية- العصفورة والممثلون- كتب فى عام، 1971، ومثلت السودان فى مهرجان مسرح الشباب العربى، فى الجزائر، 1972 كأول عرض مسرحى سودانى، يشارك فى مهرجان مسرحى عربى، شارك فى الأداء كل من – تحية زروق-يحيى الحاج-شوقى عزالدين- على مهدى – دفع الله بشير-ناصر الشيخ- أنور محمد عثمان.. فى مقدمة النص كتب المؤلف، كتبت هذا النص، بهدف تعليمى تدريبى، راوحت أحداث المسرحية، بين عالم الحلم وعالم الواقع، بأسلوب المسرح داخل المسرح، حيث وجود مخرج فوق الخشبة، يصدر الإرشادات ويتدخل فى أداء الممثل، العصفورة، إشارة رمزية للحلم أو الحرية أو ربما الوطن، والممثلون فى عالمهم الواقعى، العصفورة ظهرت بثنائية، الوجود فى شخصية الممثلة، والحلم فى طيف تخاطبه الممثلة، لغة المسرحية، توشحت بالشعر والشاعرية، بشفافية وعذوبة، وندر استخدام اللهجة العامية، تمت إشارات سياسية لقضايا التحرير الوطنى، والصراع ضد الاستعمار، فى فيتنام وفلسطين وروديسيا، وظف المؤلف أسلوب حديث فى تلك الفترة، بتوظيف الشاشة السينمائية، كصورة وسط الفعل الدرامى المجسد، تناص السرد مع قصائد للوركا - وقصيدة عصفورتان فى فنن- وعبارة هاملت أكون أو لا أكون، وحكاية الملك العريان.. الملمح التدريبى والآراء حول فن المسرح، نجده مشاركة المخرج من فوق الخشبة، وعبارة المسرح اليوم يختلف عن التصورات الأرسطية.. الأسلوب الملحمى، ظهر فى مخاطبة الجمهور، فى نهاية العرض، والدعوة لفهم المغزى السياسى للعرض.
مسرحية حلم
العنوان الجانبى.. (تركيب درامى فى أربعة أجزاء معنونة).. من عتبة العنوان، نستشف البناء الدرامى غير التقليدى. فالنص لا يعتمد الأحداث الواقعية، ولا الخط الزمنى التراتبى للأحداث.
الأربعة عناوين-حلم الرجل بالخذلان-شاه مات يموت سيموت-الليل الاسن طال طال-الغيبوبة...حلم الرجل الخذلان يبدأ ببرولوج المرأة زهرة، ثم ظهور رجل يتحدث عن حلم، من مفرداته المفتاحية، نيل- قمر- بياض-امرأة شجرة.
شاه مات شاه يموت هذا التركيب، يبدو الحوار فيه عبثيًا، بين رجل وأب المرأة زهرة، وهم يتبادلان لعبة النرد، التركيب أو العوان الثالث، الليل الآسن طال، إعادة الحديث حول الأحلام، يقول الرجل، ليس حلمًا تمام، أحسه مثل الصحو، مثل الحلم وليس بحلم.
التركيب او العنوان الرابع.. الغيبوبة.. هو منولوج طويل للشرطى، يحادث جثة والد زهرة المتوفى، عن الموت.
النص من النصوص الغامضة والمراوغة، فما إن تجد مفردة يمكن قراءتها مع أحداث أو وقائع، حتى يعود النص لحوارات عبثية غير مترابطة وغير منتجة، فمثلا من المفردات والعلامات الواقعية، صور احداث مظاهرات سياسية، واشعر وابيات عن الوطنية، فى مسار مواز نجد حديث غامض عن ضرورة وضع النعناع فى الشاى أو جمل مثلمات، ولم يمت مات ويتحدث، وسؤال.. هل سبق لك أن مت.
كتب النص بلغة عالية الشاعرية، وحفل بتناص مع آيات قرانيه وأحاديث نبوية وأشعار وأغانٍ شعبية سودانية.
مسرحية لقد اغتالوا، آسيا عبدالماجد
العنوان الجانبى، مرثاة مسرحية، كتب النص انفعالا، بمقتل الممثلة السودانية الرائدة آسيا عبدالماجد. لم يتناول النص المرثاة، كما عند الشعراء، لتناول مأثر شخصية راحلة، بل فتح النص أشرعته لمحاورة قضايا أخرى، حول جدوى الفن والمسرح والروح الوطنية وإدارة الحرب.
توزعت لوحات النص، على ستة مشاهد، تضمنت تاريخ المسرح السوداني-حوار مذعتين حول مصرع فتاة ما-مشهد تحقيق مع فنانة مسرحية-حكاية ممثلة تحجبت وهجرت الفن-المسرح الذى نريد-منولوج الفنانة الراحلة آسيا.
لغة النص تراوحت، بين اللغة التقريرية المباشرة فى المشهد الأول، وفى المونولوج الأخير للممثلة، تصبح اللغة أكثر شاعرية وعذوبة.
نص انسانى سياسى، ينافح عن الفن والمسرح والحياة ويدين الحرب والقتل.
دراسة نصوص عيدابى، تكشف عن عناصر أساسية، نظمت الأفكار والبناء، منها، أسلوب التمسرح (إذا عرفنا التمسرح، بانه حالة استعارية منطلقة من الواقع وتتجاوزه فنيا)، فى محاكاة ظواهر فى الممارسات الاجتماعية واليومية، مثل اللغة العامية والألعاب الفلكلورية والطقوس المميزة للمجموعة السكانية الثقافية.
براعة السرد، المزاوجة برشاقة بين العامية والفصحى.
الاستفادة من المدارس المسرحية الحديثة، فى كسر جدار الحاجز الرابع والتواصل مع الجمهور
ابتكار أمكنة جديدة، للعرض والفرجة المسرحية
مفارقة النموذج الكلاسيكى، للبناء الدرامى، والاستعاضة بأسلوب اللوحات.
رفض أسلوب التقمص فى أداء الممثل، وذلك عبر مخاطبة الممثل للجمهور باسمه الحقيقى، ثم الحديث المباشر مع الجمهور فى نهاية العرض.
من الملامح الناظمة والمميزة لأسلوب، دكتور عيدابى، فى البناء الدرامى للنصوص، الأسلوب الحداثى، فى تراتبية الأحداث وفى أسلوب اللوحات، وإدخال وسائط متعددة مثل السينما والقناع وخيال الظل، لغة تمازج بين العامية والفصحى، شخصية الراوى حاضرة فى النصوص، ليس كرابط أو معلق على الأحداث فقط وإنما كشخصية فاعلة ومشاركة.. ومن الملامح الفارقة، التناص من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأشعار الشعبية السودانية والأغانى.
ثالوث الوطن- الفن- الهوية، شكل مرتكزا فكريا ينافح عنه عيدابى، فى النصوص المسرحية، الهوية عالجها بشفافية، الحب والتسامح، اختلافنا مدعاة للجمال والإبداع، وليس الفرقة، الوطن غزله وحلم به ليس عبر سياسة اليومى والظاهر الخارجى، ولكن بأفق سياسى، ينحو نحو كل ما يجعل حياة الناس اكثر إنسانية وجمال، والفن نجده فى النصوص له رؤية إنسانية، تنطلق من المحلى ذو النكهة السودانية، لتمتزج بأفق المسرح والفنون فى كل العالم.
هذه قراءة عامة لنصوص د. يوسف عيدابى، والتى تستحق المزيد من الاكتشاف والدراسات، والعبور بها فوق خشبات المسارح.
هامش:
عنوان المقال (آسيا عصفورة تحلم بفضاء البياحة) تركين من عناوين نصوص عيدابى-حصان البياحة-العصفورة والممثلون-حلم- اغتالوا آسيا عبدالماجد.
دوبيت.. هو نوع من الشعر الشعبى السودانى المقفى فى أربعة أبيات قصيرة.
البياحة.. هى الفضاء السهل الممتد.