البنية الدرامية وتجليات الصراع النفسي قراءة فى مسرحية «لحظة فارقة» للكاتب ناصر العزبى

البنية الدرامية وتجليات الصراع النفسي قراءة فى مسرحية «لحظة فارقة» للكاتب ناصر العزبى

العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026

تمثل مسرحية «لحظة فارقة» للكاتب ناصر العزبى نموذجًا للنصوص المسرحية المعاصرة التى تتجاوز البنية الحكائية التقليدية، لتقدم رؤية فكرية وجمالية تستند إلى التحليل النفسى والاجتماعى؛ فقد استطاع الكاتب أن يجعل من التجربة الفردية مدخلًا لطرح أسئلة إنسانية تتصل بالحرية والاختيار وتحقيق الذات، موظفًا تقنيات المسرح الحديث، وفى مقدمتها تداخل الأزمنة، والاستبطان، والمونولوج، وتوظيف العناصر السينوغرافية بوصفها علامات منتجة للمعنى، ومن ثم يمكن قراءة النص فى ضوء المناهج البنيوية والسيميائية والنفسية والاجتماعية، بما يكشف خصوصية تجربته المسرحية.
يشكل عنوان «لحظة فارقة» العتبة الأولى لقراءة النص؛ فهو مفتاح دلالى يفتح مجموعة من التساؤلات: لمن تكون هذه اللحظة؟ وهل ترتبط باتخاذ قرار أو تحديد مصير أو إحداث تحول فى الحياة أم أنها لحظة صراع مع الذات أو الآخر؟ ومن هنا يحيل العنوان إلى الذات الإنسانية وما يعتريها من تناقضات وأسئلة تتصل بكوامن النفس وأعماقها.
تعتمد المسرحية على بنية درامية تتكون من مشهدين، وتتجاوز الحكاية التقليدية والإطار الاجتماعى المباشر لتغوص فى أعماق النفس الإنسانية. ويتجلى ذلك منذ البداية من خلال المونولوج الداخلى للشخصية المركزية هناء، وهى تقف أمام المرآة فى مواجهة ذاتها، تستعرض أسئلتها وتسترجع ذكرياتها، وتتذكر تشجيع حبيبها حسن لها، ومن خلال المكان المسرحى، الذى يضم مكتبة وشازلونج ومرآة وبروازًا فارغًا وملصقًا يحمل صورتها وشهادة الدكتوراه وحاملًا للرسم ونافذة مغطاة بستارة معدنية، تتكشف ملامح الشخصية وأبعادها النفسية والفكرية.
ومع دخول الطبيب النفسى مجدى، يتحول الفضاء الدرامى إلى فضاء للذاكرة والاسترجاع والمواجهة مع الذات.

(*) دكتوراه فى الأنثروبولوجيا الثقاقية (أنثروبولوجيا المسرح)
 وفى المشهد الثانى تضاف عناصر سينوغرافية أخرى، منها اللوحات غير المكتملة، والشال الرجالى، والطرحة، واللوحة الكبيرة، والدفتر، والعباءة، ورباط الرأس، والسبحة، والكرافتة، والكاميرا السينمائية. ولا تؤدى هذه العناصر وظيفة زخرفية، وإنما تسهم فى تعميق البعد الرمزى والإيحاء بالحالات النفسية والتحولات التى تعيشها هناء.
تكشف الأحداث أن حسن حبيب هناء قد سافر منذ سنوات، وأن عددًا من الرجال تقدموا لخطبتها، لكنها رفضتهم جميعًا رغبة فى تحقيق طموحها والحفاظ على حريتها فى اتخاذ القرار، وتتكشف المفارقة الدرامية حين نكتشف أن الطبيب النفسى مجدى هو نفسه حسن الحبيب الغائب الذى عاد بعد سنوات من الفراق، يعترف بخطئه وندمه، ويطلب منها فرصة جديدة لبدء حياتهما من جديد، إلا أن هناء تؤجل حسم موقفها وتطلب مهلة للتفكير، فتظل النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة، منسجمة مع دلالة العنوان الذى يجعل من القرار المؤجل لحظة فارقة بين الماضى والمستقبل.
ينطلق الكاتب من سؤال وجودى عميق: هل كانت الحياة ستغدو أفضل لو اتخذ الإنسان قرارات مختلفة؟ ومن خلال هذا السؤال يستدعى الماضى لا بهدف الحنين إليه، وإنما لإعادة محاكمته والكشف عن أثره فى تشكيل الحاضر، ولذلك لا تبحث المسرحية عن إجابة حاسمة، وإنما تدفع المتلقى إلى إعادة التفكير فى طبيعة القرار الإنسانى ونتائجه النفسية والاجتماعية، ومن هنا يتجاوز النص قضية الزواج بوصفها غاية فى ذاتها، ليناقش الحرية الفردية، وتحقيق الذات، والندم، ومسئولية الاختيار، والعلاقة الإشكالية بين طموح الإنسان والنتائج التى تفرضها الحياة.

التصنيف والرؤية الفكرية 
يمكن قراءة “لحظة فارقة” من خلال أكثر من منهج؛ فهى من المنظور النفسى رحلة فى أعماق الذات، ومن المنظور الاجتماعى تكشف البنى الثقافية التى تتحكم فى نظرة المجتمع إلى المرأة، ومن المنظور البنيوى تتجلى فى تماسك عناصرها حول فكرة مركزية، بينما تكشف القراءة السيميائية شبكة من العلامات البصرية واللغوية المنتجة للدلالة.
 ومع ذلك، تبدو المسرحية أقرب إلى الدراما النفسية الاجتماعية؛ إذ جعل الكاتب شخصية “هناء” محورًا للأحداث، وأصبح ما يدور حولها انعكاسًا لحالتها النفسية؛ فالأحداث الخارجية محدودة، بينما يحتل الصراع الداخلى المساحة الأكبر من النص؛ حيث تعيش “هناء” عزلة تدفعها إلى مراجعة قراراتها المصيرية المتعلقة بالدراسة والعمل والزواج.

البناء الدرامى 
يمثل البناء الدرامى أحد أبرز عناصر التميز فى المسرحية؛ إذ تخلى الكاتب عن الحبكة الخطية التقليدية، واعتمد بناءً دائريًا يقوم على الاسترجاع والتداعى الحر للذكريات، بحيث يصبح الماضى حاضرًا باستمرار داخل الزمن المسرحي؛ ومن ثم لا يعود الحدث سلسلة من الوقائع المتتابعة، وإنما يتحول إلى رحلة فى الوعى الإنسانى، تستدعى خلالها التجارب السابقة لإعادة قراءتها فى ضوء الحاضر.
وقد اعتمد الكاتب على تقنية الاسترجاع Flashback؛ فامتزج الماضى بالحاضر، وأصبح استدعاء الذاكرة محركًا للفعل المسرحي؛ إذ تتحول كل ذكرى تستدعيها “هناء” إلى مشهد يكشف جانبًا من تكوينها النفسى، وبذلك يصبح الزمن زمنًا نفسيًا لا كرونولوجيًا، وهذا يتفق مع طبيعة المسرح النفسى الذى يجعل حركة الوعى أكثر أهمية من حركة الجسد.

 ولا يعتمد النص على الحبكة الخارجية بقدر اعتماده على الحبكة الداخلية؛ فالحدث الرئيس لا يتمثل فى وقوع فعل جديد، وإنما فى إعادة اكتشاف الأحداث القديمة من منظور مختلف. وتبدأ المسرحية من لحظة سكون ظاهرى تعيشها “هناء”، لكن هذا السكون يخفى حركة نفسية متصاعدة، يقودها الحوار مع الطبيب النفسى إلى استدعاء محطات حياتها، فتتحول كل محطة إلى مشهد يعمق الصراع الداخلى، حتى تبلغ الشخصية لحظة الإدراك والتصالح مع الذات.

 وعلى الرغم من تعدد المشاهد والشخصيات، يحافظ الكاتب على وحدة الفعل الدرامي؛ إذ تعود جميع الخطوط إلى القضية المركزية، وهى مراجعة “هناء” لقراراتها المصيرية، ولا توجد أحداث جانبية منفصلة عن المسار العام، وهكذا يتشكل البناء من الحبكة النفسية، والزمن الداخلى، والاسترجاع، والمونولوج، بما يمنحه طابعًا إنسانيًا عميقًا.

الصراع وأبعاده النفسية والاجتماعية
لا يقوم الصراع فى المسرحية على المواجهة الخارجية التقليدية، وإنما ينطلق من صراع داخلى يتنامى داخل الشخصية الرئيسة، ليصبح الوعى الإنسانى ذاته ميدانًا للفعل الدرامي؛ ويتأسس الصراع على مستويين: الأول داخلى بين “هناء” وذاتها؛ حيث تتأرجح بين الثقة بقراراتها والخوف من أنها أضاعت فرصًا لا تعوض؛ والثانى خارجى بينها وبين المجتمع الذى يحاصر المرأة بمنظومة من التقاليد والأحكام الجاهزة.
ويظل الصراع الداخلى هو المحرك الحقيقى للأحداث، بينما تأتى الصراعات الخارجية لتكشف أبعاده، وقد تأسس هذا الصراع على ثنائية الماضى والحاضر؛ إذ تراجع “هناء” قراراتها السابقة، وتتساءل عما إذا كانت قد أحسنت الاختيار حين رفضت أنماطًا مختلفة من الرجال، وآثرت تحقيق ذاتها العلمية والفنية على الاستقرار الأسرى.
ويقدم الكاتب المجتمع بوصفه قوة ضاغطة تسعى إلى فرض نموذج محدد لحياة المرأة يقوم على أولوية الزواج وتكوين الأسرة، غير أنه لا يصوره كيانًا مجردًا؛ بل يجسده فى شخصيات متعددة، يمثل كل منها خطابًا اجتماعيًا مختلفًا؛ فـ”عوض” يجسد سلطة العرف الأبوى، و”الشيخ وائل” يكشف التناقض بين الخطاب الدينى والممارسة، و”الدكتور نشأت” يمثل السلطة الأكاديمية حين تتحول إلى أداة للهيمنة، بينما يعكس “نبيل” انحرافًا أخلاقيًا مقنعًا بشعارات الطموح.
وبذلك لا يصبح الصراع بين الخير والشر، وإنما بين منظومتين من القيم، لكل منهما منطقه ومبرراته، وهو ما يمنح الصراع بعدًا واقعيًا ودلاليًا، كما يتضح أن أزمة هناء ليست مع أشخاص بعينهم، وإنما مع أنساق فكرية تسعى إلى مصادرة حريتها وحقها فى الاختيار.

الشخصيات وتحولاتها الدرامية
تتميز شخصية هناء بالنمو والأبعاد النفسية والفكرية؛ فهى ليست شخصية سلبية تستسلم لضغوط المجتمع، وإنما شخصية تمتلك وعيًا نقديًا وتخوض معركة للحفاظ على استقلالها وحقها فى اتخاذ القرار، وقد جعلها الكاتب محورًا تدور حوله الشخصيات الأخرى، فأصبحت هذه الشخصيات أشبه بمرايا تعكس مواقف المجتمع المختلفة من المرأة.
لم يقدم الكاتب هناء بوصفها ضحية للمجتمع فقط؛ وإنما بوصفها شخصية تمتلك إرادة واعية؛ فرفضها للزيجات المختلفة لا ينبع من نزوة أو تعالٍ؛ بل من رفضها لأنماط متعددة من الهيمنة، ولذلك تتحول الشخصيات الأخرى إلى نماذج اجتماعية وثقافية أكثر من كونها شخصيات مستقلة.
أما مجدى الطبيب النفسى، فيعد من أكثر الشخصيات تركيبًا؛ فهو يؤدى وظيفة المحاور الذى يساعد هناء على استدعاء ذاكرتها، لكنه يتجاوز ذلك ليصبح وسيطًا بين الواقع والمتخيل، والحاضر والماضى، ويتحول فى بعض المشاهد إلى الشخصيات التى مرت فى حياتها، وبذلك يجمع بين دور المعالج والراوى والممثل داخل الحدث، وهو توظيف يكشف وعى الكاتب بتقنيات المسرح الحديث.

اللغة والحوار والمونولوج
جاءت اللغة منسجمة مع طبيعة الشخصيات والبيئة الاجتماعية؛ إذ اختار الكاتب العامية المصرية أداة للتواصل المباشر مع المتلقى، ومنحها طاقة تعبيرية ودلالية تتجاوز مجرد تبادل الكلام، وقد أسهم المونولوج الداخلى فى الكشف عن العالم النفسى لـ”هناء”، وأصبح من أهم تقنيات البناء اللغوي؛ فهو لا يمثل حديثًا منفردًا فحسب؛ وإنما فضاء يتقاطع فيه الوعى مع الذاكرة، والحاضر مع الماضى، واليقين مع الشك، مما يضفى على النص بعدًا نفسيًا وفلسفيًا واضحًا.

السينوغرافيا ودلالاتها الجمالية
تؤدى السينوغرافيا فى «لحظة فارقة» دورًا بنائيًا فاعلًا؛ إذ تتحول عناصر المكان إلى علامات بصرية تتفاعل مع الحدث والشخصيات، وتشكل خطابًا موازيًا للخطاب اللغوى، فالمرآة التى تقف أمامها «هناء» ترمز إلى مواجهة الذات، واللوحات التشكيلية تمثل ذاكرة بصرية تستدعى الأشخاص والقرارات، بينما يوحى البرواز الخالى بالفراغ العاطفى وغياب تجربة إنسانية لم تكتمل.
كما يبرز توظيف خيال الظل بوصفه تقنية بصرية تستحضر الشخصيات الغائبة والذكريات دون حضورها الواقعى، مؤكدًا أن الماضى صورة ذهنية تستعاد داخل الوعى، وتؤدى الموسيقى، لا سيما تكرار أغنية «سألتك حبيبى»، وظيفة درامية تتجاوز الترفيه؛ فهى تستحضر الماضى، وتربط المشاهد، وتمنح العرض وحدة شعورية، وتعزز الإحساس بالحنين والبحث عن إجابة.
وبذلك تصبح السينوغرافيا بنية دلالية متكاملة، ويتحول الفضاء المسرحى إلى مرآة للوعى الإنسانى، بينما تصبح العناصر البصرية والسمعية لغة موازية للحوار.
وعلى الرغم من تماسك البناء الفنى، لا يخلو النص من بعض الملاحظات؛ فالإفراط فى الاسترجاعات والمونولوجات أدى فى بعض المواضع إلى إبطاء الإيقاع المسرحى، كما أن كثرة الشخصيات التى تظهر بوصفها احتمالات لحياة “هناء” جعلت بعضها أقرب إلى النماذج الفكرية منها إلى الشخصيات الدرامية المكتملة، ومع ذلك؛ فإن هذا الاختيار يبدو منسجمًا مع طبيعة المسرحية التى تجعل الفكرة النفسية محورًا أساسيًا للبناء؛ إذ حقق الكاتب قدرًا كبيرًا من التوازن بين الفكر والفن؛ فلم تتحول المسرحية إلى خطاب وعظى أو أيديولوجى مباشر؛ بل تجسدت الأفكار فى الشخصيات وتولدت من الصراع.
وفى ضوء ما سبق، يمكن القول إن «لحظة فارقة» لا تطرح قضية المرأة فى معناها الاجتماعى الضيق؛ وإنما تقدم رؤية إنسانية أوسع للحرية والاختيار وتحقيق الذات والقدرة على التصالح مع الماضى، وقد وظف الكاتب هذه القضايا داخل بناء درامى متماسك؛ فجعل من التجربة الفردية تجربة إنسانية عامة، ومن السؤال الشخصى سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا.
وقد حملت هناء العبء الفكرى والدرامى للنص، وشكل الصراع النفسى محركه الرئيس، بينما جاء الصراع الاجتماعى إطارًا كاشفًا له، وأسهمت السينوغرافيا فى إنتاج المعنى من خلال التوظيف الرمزى للديكور والموسيقى، كما جاءت اللغة منسجمة مع الشخصيات، وأسهم المونولوج فى تعميق البعد النفسى. 
وعلى ذلك تضافرت الشخصية والصراع والبناء الدرامى والسينوغرافيا واللغة لتشكل رؤية تؤكد أن الحرية ليست امتيازًا مجانيًا، وإنما مسئولية أخلاقية ووجودية، وأن الإنسان لا يستطيع اختبار جميع احتمالات الحياة، لكنه يستطيع التصالح مع اختياراته إذا كانت منسجمة مع قيمه ووعيه بذاته، ومن هنا تكتسب «لحظة فارقة» قيمتها بوصفها تجربة مسرحية تفتح المجال أمام قراءات نقدية متعددة. 


د. محيى عبدالحى