«أداچيو.. اللحن الأخير» الجمال سحر مقاومة الفناء

«أداچيو.. اللحن الأخير» الجمال سحر مقاومة الفناء

العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026

كيف يمكن للمسرح أن يعيد إنتاج عالم الرواية دون أن يفقد خصوصيته الفنية؟
يأتى عرض «أداجيو.. اللحن الأخير»، الذى قدم على مسرح الغد التابع للبيت الفنى للمسرح، ليقدم إحدى هذه المحاولات. العرض من إعداد وإخراج السعيد منسى، عن رواية أداجيو للروائى إبراهيم عبدالمجيد، ويشارك فى بطولته رامى الطمبارى وهبة عبدالغنى، مقدما معالجة مسرحية تراهن على الصورة والإيقاع والموسيقى، وتراهن بشكل أكبر على الحكاية، مما يجعل العرض نموذجا لكيفية تحويل الرواية إلى شكل مسرحى، وهو عرضة للتأمل فى آليات تحويل السرد الأدبى. 
يدور عرض «أداچيو» من خلال تتبع قصة حب جمعت بين شخصين هما «سامر» و» ريم». ثم يداهم المرض حياتهما ليقلبها رأسا على عقب، ليصيرا فى مواجهة حتمية لمصير معلوم.
يقدم العرض رحلة إنسانية تتداخل فيها مشاعر الحب والحزن والفقد والأمل من خلال اجترار الذكريات مع تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الموسيقى، كل هذا مع محاولة التشبث بأمل اللحظات الأخيرة. لتتبدل الفكرة من حكاية عن المرض إلى التأمل فى معنى الحياة وكيف يواجه الإنسان مسالة اقتراب الرحيل.
تمثل أسلوب معالجة المخرج السعيد منسى فى إعداد الرواية بأسلوب يناسب خشبة المسرح فأعاد بناء السردية الروائية مع الحفاظ على الروح الإنسانية الاصلية للرواية. فأعاد تنظيم الأحداث واختزل بعض المسارات وقام بالتركيز على مسارات أخرى محددة. ليجعلها فى خدمة العرض المسرحى، فهو لم يقدم لنا تلخيصا للرواية لكنه أعاد كتابتها بلغة مسرحية احتفظ فيها بالجوهر بعيدا عن قيود السرد.
فالرواية تقوم على السرد الداخلى، والاسترجاع، وتفاصيل الذاكرة، بينما يحتاج المسرح إلى فعل مرئى وإيقاع متصل. فخفف المخرج من التشعبات السردية، وركز على الخط الدرامى الذى يجمع سامر وريم، وجعل تطور علاقتهما هو العمود الفقرى الذى تنتظم حوله بقية الأحداث. ويظهر ذلك منذ المشاهد الأولى التى تقدم التعارف والحب ثم الزواج فى تسلسل واضح، قبل الانتقال إلى رحلة المرض، بحيث يعيش المتفرج تطور العلاقة تدريجيا، بدل أن يتلقاها عبر الاسترجاع كما فى الرواية. مما منح كل مرحلة وزنها العاطفى، وجعل النهاية ثمرة لمسار إنسانى كامل.
اعتمد تصميم الديكور على فضاء واحد يمثل بهو الفيلا، تكون من عدة مستويات سمحت باستيعاب تعدد الأمكنة. احتل البيانو مركز التكوين البصرى، كرمز دائم لحضور «ريم» وهويتها الفنية، وظل بؤرة تجذب النظر حتى فى لحظات غيابها عن الخشبة. فى اليمين ارتفعت غرفة «ريم» على مستوى أعلى، لتصبح الغرفة لتؤكد استمرار وجودها فى مجرى الأحداث. بينما خُصص الجانب الأيسر بمستوييه المختلفين لتجسيد الفضاءات الخارجية، مثل منزل «علياء» وبعض المشاهد التى تقع خارج الفيلا، الأمر الذى أتاح الانتقال بين الأمكنة دون الحاجة إلى تغيير الديكور أو إيقاف الإيقاع الدرامى. كما أسهمت اللوحات المعلقة، والجرامافون، وقطع الأثاث، والتحف الموزعة داخل المكان فى الإيحاء بأن الفيلا ليست مجرد مسكن، بل مستودع لذاكرة حياة كاملة، على الرغم من أنها تعيش لحظاتها الأخيرة. ويُحسب لمصمم الديكور (أحمد الألفي) نجاحه فى تحقيق هذا التعدد المكانى داخل مساحة محدودة، وإن كانت الهيئة العامة للأثاث بدت أكثر أناقة ولمعانا مما توحيه الحكاية عن فيلا مهجورة تآكلها المياه الجوفية وتهددها عوامل الانهيار، وهو ما خفف نسبيا من الإحساس البصرى بحالة التآكل التى يؤكدها النص الدرامى.
ويتيح توزيع الخشبة على مستويات مختلفة الجمع بين أماكن متباعدة داخل المشهد الواحد، كما يحدث فى بعض اللحظات التى يتحرك فيها سامر فى الجزء العلوى من الخشبة، بينما تستمر ريم فى مستوى آخر. 
ترجمت الرؤية الإخراجية كل هذا إلى عالم بصرى، لتتبادل عناصر السينوغرافيا التأثير مع دواخل الشخصيات. فعلى سبيل المثال نجد البيانو يعبر عن امتداد لشخصية ريم، فهو بالنسبة لها هو الامتداد الروحى لهويتها الفنية بكل ذكرياتها. لذا نجد اللحظات التى تجلس فيها معه، وحتى بعد ان يظل البيانو حاضرا بعد انكسار قدرتها على العزف، لها دلالة حيث يصبح الصمت المعبر أكثر تأثيرا من الموسيقى نفسها. 
وعلى نفس المستوى، نجد دلالات ال?يلا حيث تنخر المياه الجوفية أساساتها، ويستدعى فى نفس الوقت المرض الذى يتسلل إلى جسد ريم فى هدوء ومن دون ضجيج، لتنشأ علاقة موازية بين تآكل المكان وتآكل الجسد. ثم رمز البحر، الذى له حضور متكرر يفتح أفقا بصريا يوازن بين اتساع الحياة وضيق المصير، كما تأتى الفراشات فى بعض اللحظات كإشارة شاعرية إلى التحول والعبور. 
إن كلمة Adagio، فى الاصطلاح الموسيقى، تشير إلى الأداء البطيء الهادئ، فى هذا العرض تحول المصطلح إلى مبدأ يحكم إيقاع حركة العرض بأكملها. فمنذ المشاهد الأولى يعمل على بناء الحالة الشعورية عبر التدرج والتراكم. لذلك تأتى الانتقالات بين المشاهد انسيابية، وكأنها انتقالات داخل الذاكرة أكثر منها قفزات زمنية حادة. كما يمنح الممثلين مساحة كافية للصمت، وللنظرات، وللتوقفات المحسوبة، فتبدو هذه اللحظات جزءا من المعنى ذاته. ويتجسد ذلك فى أكثر من مشهد يجمع سامر وريم، حيث يطول الصمت بينهما بينما تتولى الموسيقى أو الإماءة استكمال ما تعجز الكلمات عن الإفصاح به ليس لمجرد الإطالة بل لدمج الجمهور فى معايشة أثرها النفسى، ليصبح الزمن نفسه عنصرا دراميا يضاعف الإحساس بثقل الفقد واقتراب النهاية.
اتجه الأداء التمثيلى إلى الابتعاد عن الانفعال الحاد أو الميلودراما التى كان يمكن أن تفرضها طبيعة الحكاية. فقد بنى رامى الطمبارى شخصية سامر على التوتر الداخلى أكثر من ردود الفعل الخارجية؛ فمع تقدم الحدث يبدو وكأنه يحمل عبء الفقد بصمت، وهو ما يظهر بوضوح فى المشاهد التى يكتفى فيها بمراقبة ريم أثناء العزف أو أثناء تدهور حالتها الصحية، حيث تتراجع الكلمات لصالح نظرات طويلة وإيماءات محدودة تحمل قدرا من الشجن. وفى المقابل، قدمت هبة عبدالغنى شخصية ريم بوصفها إنسانة تتمسك بالحياة أكثر مما تستسلم للمرض، فلم تجعل الألم وسيلتها الأساسية فى الأداء، وإنما حافظت على حضور هادئ يكشف بالتدريج عن هشاشة الشخصية كلما اقتربت النهاية. كما حافظ بقية الممثلين على نفس اسلوب ونغمة الأداء، فجاءت الشخصيات الأخرى داعمة للبناء الدرامى دون أن تطغى على العلاقة الرئيسة بين سامر وريم، مما ساهم فى المحافظة على وحدة الاسلوب الأدائى للعرض ككل. 
أما الموسيقى فهى البطل الذى يروى الحكاية. منذ بداية العرض يرتبط البيانو بوجود ريم بوصفه امتدادا لذاكرتها وهويتها، لذلك تكتسب المقطوعات الموسيقية معناها من موقعها داخل الحدث الدرامى. فكلما ضاقت مساحة الحوار، تقدمت الموسيقى لتكشف ما تعجز الشخصيات عن الإفصاح به، كى تستكمل الجمل غير المنطوقة. وكذلك الأغانى التى اندمجت فى النسيج الدرامى، فساهمت فى اختزال التحولات الزمنية، وتعميق الإحساس العام ، وربط المشاهد بعضها ببعض. وهكذا يصبح السمع، إلى جانب الصورة، شريكا فى بناء المعنى، من خلال منظومة متكاملة تتداخل فيها الكلمة واللحن والصمت، بما ينسجم مع الرؤية العامة للعرض. 
أسهمت إضاءة أبوبكر الشريف فى تحديد الأمكنة والأزمنة المختلفة، لا سيما عند إظهار غرفة ريم فى المستوى العلوى، بما حافظ على حضورها فى مجرى الأحداث رغم غيابها الجسدى. كما ساعدت فى الانتقال السلس بين المشاهد الخارجية والاسترجاعات الزمنية، وانسجمت بدرجاتها الهادئة مع الحالة الوجدانية للعرض، لتغدو عنصرًا فاعلًا فى بناء دلالاته البصرية. كما اعتمدت الإضاءة على تباين الدرجات الباردة والدافئة؛ فغلبت الأزرق والبنفسجى فى معظم المشاهد، بينما حضرت الإضاءة الدافئة فى لحظات الذكريات والحميمية، بما عزز التحولات النفسية للشخصيات.
كما أسهم توظيف الفيديو مابينج فى استكمال البناء البصرى للعرض، إذ أسقط على جدران الفيلا خامات بصرية تُحاكى تموجات المياه وآثار الرطوبة، مع دعم الانتقالات وإثراء الحالة الشعورية، بما انسجم مع الرؤية الإخراجية دون أن يطغى على باقى عناصر السينوغرافيا.
وجاءت الملابس منسجمة مع تطور الشخصيات، لا سيما شخصية ريم، إذ انتقلت من مظهر أنيق يعكس حيويتها فى بداية الأحداث إلى ملابس أكثر بساطة واتساعا بعد المرض، بما عكس تحولها الجسدى والنفسى دون مبالغة.
اختار «أداجيو.. اللحن الأخير» مسارًا متفردًا، حيث جعل من المرض مدخلًا إلى تأمل معنى الحياة ذاتها. لذلك لا ينشغل العرض بتفاصيل المعاناة الجسدية بقدر انشغاله بما يبقى من الإنسان، وهو يقترب من نهايته؛ ذاكرته، وحبه، وموسيقاه، وصوره، وأثره فى الآخرين. ومن ثم لا يتحول الاحتضار إلى لحظة يأس، بل إلى لحظة يختبر فيها الإنسان قدرته على التشبث بما يمنح وجوده قيمة. ويطرح هذه الأسئلة من دون خطابة أو تنظير، حيث يتركها تتشكل عبر تفاعل الشخصيات مع المكان والموسيقى والزمن.
وهكذا لا يخرج المتلقى مثقلًا بصورة الموت، بقدر ما يخرج مشغولًا بفكرة أن الجمال نفسه يمكن أن يكون فعل مقاومة، وأن الفن يملك القدرة منح الإنسان شجاعة مواجهته.
وأخيرًا ربما شاب العرض المسرحى بعض الملاحظات حول إيقاع بعض اللحظات أو أرى من وجهة نظرى إمكانية تكثيف بعض الخطوط الدرامية، إلا أن ذلك لا ينتقص من تماسك رؤيتها العامة. لقد قدم المخرج السعيد منسى تجربة مختلفة تؤكد لنا أن مسرحة الرواية إنما هى إعادة خلق لها، وأن الفن هو فعلًا أحد أشكال وأساليب مقاومة الفناء.


أحمد محمد الشريف

ahmadalsharif40@gmail.com‏