العدد 991 صدر بتاريخ 24أغسطس2026
فى خطوة غير مسبوقة تُكرّس لرؤية العدالة الثقافية وتكسر مركزية الفعاليات الفنية، شهدت مكتبة مصر العامة بالمنصورة انطلاق أولى الندوات للنسخة التاسعة عشرة من المهرجان القومى للمسرح المصرى، تحت عنوان «تاريخ المسرح فى المنصورة»، لتسجل بذلك أولى المحطات الثقافية، والمحور الفكرى للمهرجان خارج حدود العاصمة.
أدار الندوة المفكر والدكتور أحمد مجاهد، واستضافت المؤرخ الدكتور سيد على إسماعيل«جبرتى المسرح» والمخرج الكبير عصام السيد، وبحضور المخرج والمسرحى صبرى ناصف، الفنان والمخرج محمد قطامش، وشهدت الندوة حضورًا لجمع من المسرحيين، ورموز الفكر فى محافظة الدقهلية ومدينة المنصورة.
لماذا المنصورة؟
واستهلت الندوة بكشف الدكتور أحمد مجاهد عن كواليس وسبب اختيار المنصورة لتنظيم برنامج خاص ها من قبل المهرجان القومى للمسرح، وأوضح: «التوجه نحو المحافظات كان طموحًا يراود الفنان محمد رياض منذ توليه قيادة المهرجان، مشيدًا بجُهوده وجهود مدير المهرجان الدكتور عادل عبده فى ترجمة تلك الرؤية إلى واقع ملموس، معرباً عن تقديره لمكتبة مصر العامة بالمنصورة على احتضانها لهذه التظاهرة الثقافية.
أولى العواصم الإقليمية
وشدد «مجاهد» على أن انتقاء المنصورة لتكون أولى العواصم الإقليمية المحتضنة لأنشطة المهرجان لم يكن وليد المصادفة، لكنه جاء تقديرًا لرصيدها الحضارى والإبداعى الاستثنائى، وأوضح أن الندوة تسعى للغوص فى أسباب صدارة المنصورة واستحقاقها لهذه الانطلاقة التاريخية.
المنصورة.. أقدم إقليم مسرحى وفنى بعد القاهرة والإسكندرية
قال الأستاذ الدكتور سيد على إسماعيل، بكلية الآداب فى جامعة العاصمة «حلوان سابقًا»: « إن اختيار «المنصورة» لإقامة فعاليات وأنشطة ضمن برنامج المهرجان القومى للمسرح المصرى هذا العام – ولأول مرة – لم يأت من فراغ؛ فالمنصورة تُعد أقدم إقليم مسرحى وفنى – بعد القاهرة والإسكندرية – كون المسرح ظهر بها مدرسيًا عام 1881م، وبُنى بها أول مسرح ثابت عام 1889 وهو تياترو «التفريح» أى «تياترو البلدية» منذ 1919 ومسارح السينمات ومنها: سينما عدن، سينما «ريكس»، سينما «رويال»، سينما «الكوكب» عام 1948م. وأغلبها بإدارة الخواجة «أنيس نصر» الدخاخنى، لذلك زارت المنصورة أغلب الفرق المسرحية الشهيرة مثل: يوسف الخياط، سليمان القرداحى، إسكندر فرح، القبانى، سلامة حجازى، أولاد عكاشة، جورج أبيض، عبدالرحمن رشدى، منيرة المهدية، على الكسار، يوسف وهبى، فاطمة رشدى، نجيب الريحانى، والفرقة القومية.
وتابع: «وكانت المنصورة جاذبة للفرق الصغرى والجوالة، مثل: فرقة بولس قرداحى، وفرقة الجزايرلى، وفرقة حافظ نجيب، وفرقة عمر سرى، وفرقة حسن فايق، وفرقة سليم وأمين عطا الله، وفرقة فكتوريا موسى، وفرقة فوزى منيب، وفرقة يوسف عز الدين، وفرقة أحمد المسيرى.
بداية رحلة المسرح بالنصورة
ظهر المسرح فى المنصورة عام 1881، داخل «مدرسة محبى العلم» من خلال مسرحيات عربية وفرنسية وإيطالية، أما أول عرض مسرحى جماهيرى فكان عام 1888 من خلال فرقة «يوسف خياط» والخبر المنشور لم يحدد مكان العرض ولكنه لن يخرج عن كونه «دوار العمدة» أو قطعة أرض فراغ، أو شادر أمام أحد المنازل، لذلك عزم الأعيان فى المنصورة على بناء أول مسرح ثابت للمدينة، وتم افتتاحه عام 1889، ونُشرت جريدة «المؤيد» خبر افتتاحه، وعلمنا أن من هؤلاء الأعيان كان «حسين بك حسنى» والخواجة «جبران مقصود»، وظل هذا المسرح يعمل أكثر من سنتين دون معرفة الاسم الذى أُطلق عليه، حتى عام 1892 لنعلم أنه تياترو «التفريح»، الذى افتتحته فرقة «سليمان قرداحى» بمسرحية «الأمير حسن» بطولة «الشيخ سلامة حجازى»، ثم عاد «سليمان القرداحى» إلى المنصورة ومثّل على مسرحها مرة أخرى عام 1894، ومثّل مسرحية «السلطان صلاح الدين الأيوبى» فى حضور مدير مديرية الدقهلية (أى المحافظ) والحكمدار.
زيارات الفرق الشهيرة
وأوضح: زارت الفرق المسرحية المنصورة، منها زيارة فرقة «إسكندر فرح» عبر فترة متفاوته، فى الفترة (1896 – 1907)، ومن أهم المسرحيات التى عرضتها: صدق الإخاء، حُسن العواقب، صلاح الدين الأيوبى، غانية الأندلس، الأفريقية، غرام وانتقام، هناء المحبين، أنيس الجليس، الخل الوفى، البرج الهائل، مطامع النساء، وعن «جوق السرور» لـ «ميخائيل جرجس» فزار المنصورة فى عامى 1896 و1897، ومثّل مسرحيات: «شهداء الغرام»، «كليوباترا»، «نابليون بونابرت»، «عنتر بن شداد»، «يوسف» بطولة المطرب مصطفى على والممثلة لطيفة عبدالله
وزارت فرقة «القبانى» المنصورة فى عامى 1897 و 1898، وقدمت مسرحيات: «إسكندر المقدونى»، «لوسيا»، مع اشتراك عشرة أيام تمثيل متتالية، بطولة المطربة مريم مراد.
بدأت فرقة الشيخ «سلامة حجازى» عروضها فى المنصورة فور تكونها 1905، ومثلت فى تياترو التفريح مسرحيات: «هملت»، «تسبا»، «غانية الأندلس»، «خداع الدهر»، «ضحية الغواية»، «القضية المشهورة» وكانت تبتاع تذاكرها بمحل «الخواجا أنيس نصر الدخاخنى بجوار تياترو التفريح»
وبدأت فرقة «أولاد عكاشة» - منذ ظهورها - عام 1911 وحتى عام 1927 - عروضها المسرحية فى المنصورة على مسرح التفريح وتياترو عدن وتياترو المجلس البلدى، ومن أهم المسرحيات التى عرضتها: «القضية المشهورة، هدى، عبدالرحمن الناصر، ألا مود، أه يا حرامى، العمدة، معروف الإسكافى، السلطان قلاوون، محمد على وفتح السودان، كليوباترا، سهام، على بابا والأربعين حرامى، ناهد شاه والمغفلين الثلاثة».
حضور قوى ومسرحيات لفرق جورج أبيض ومنيرة المهدية وعلى الكسار
أما «جورج أبيض» عندما عاد من دراسته فى فرنسا، وكوّن فرقته فى مصر، عرض فى تياترو التفريح بالمنصورة ثلاثة أيام عام 1912، ووثّقت الصحف هذه العروض وعلاقة الخواجة «أنيس نصر» بتياترو التفريح – بوصفه الدخاخنى صاحب محل الدخان المجاور لتياترو التفريح، والذى أصبح مديراً له ولباقى تياترات وسينمات المنصورة فيما بعد. وكان لـ «جورج أبيض» مكانة خاصة فى المنصورة، حيث وجدنا – ولأول مرة – خطاباً منشوراً من «مدير الدقهلية» – أى المحافظ – عام 1914 إلى جورج يشكره على ليلة مسرحية خيرية. وفى عام 1924 مثلت الفرقة ثلاث مسرحيات فى ثلاثة أيام متتالية بتياترو سينما عدن، هي: الشرف اليابانى، والشغل شغل، وإيفان الهائل. وظلت الفرقة تعرض مسرحياتها فى المنصورة – على فترات – حتى عام 1934، ومنها «عائدة»، و«عاصفة فى بيت»، وحور محب، باسم القانون، عطيل، شرف الأسرة، سفينة نوح، المرأة المجهولة، باسم القانون.
فرقتا منيرة المهدية وعلى الكسار فى المنصورة
ووفقاً للتسلسل التاريخى، سنجد فرقة «عبدالرحمن رشدى» تحاول عرض مسرحية «أبطال المنصورة» فى المنصورة عام 1915، بعد أن كتبها مؤلفها «إبراهيم رمزى»، ولكن الرقابة رفضت تمثيلها! أما التمثيل الفعلى لفرقة عبدالرحمن رشدى فى المنصورة، فقد تم عام 1921 على مسرح البلدية، ومثل فيه مسرحيات: النائب هالير، العرائس، مدرسة النميمة، بطولة «روز اليوسف» مع قطع غنائية خلال الفصول، للمغنى الشاب حينذاك محمد عبدالوهاب..
وزارت فرقة «منيرة المهدية»، المنصورة فى الفترة من (1920 – 1933)، وهى التى افتتحت «تياترو سينما عدن» فى أولى زياراتها عام 1920 ومثلت فيه روائع: «تاييس» و«كلام فى سرك» و«كلها يومين». ومن عروضها فيما بعد: «كارمن»، «الغندورة»، «المظلومة»، «حرم المفتش»، «كليوباترا ومارك أنطوان»، «كيد النساء»، «كرمنينا»، «روزنينا»، «توسكا». وكما افتتحت منيرة المهدية تياترو عدن القديم، افتتحت أيضاً «تياترو عدن الجديد» على ضفاف النيل فى شارع البحر 1930.
تأتى بعد ذلك فرقة «على الكسار» فى الترتيب التاريخى لزيارات الفرق إلى المنصورة، حيث مثل ابتداءً من عام 1926 مسرحيات: «الطمبورة»، «أنوار»، القضية نمرة 14، اللى فيهم، ست الكل، حكيم الزمان، زهرة الخبازة، قاضى الغرام، أنا وابن عمى، المدينة المسحورة، يا بنت إيه، الغنى والفقير.
عروض لفرقة رمسيس ليوسف وهبى بالمنصورة
وظهرت فرقة رمسيس ليوسف وهبى، بمصر يوم 1923/3/10، وبعد أربعة أشهر كانت فى المنصورة لتعرض مسرحية «غادة الكاميليا»، وفى عام 1931 أصبح للفرقة مكانة خاصة فى المنصورة، ليحضر عروضها مدير الدقهلية [المحافظ] «هارون بك أبو سحلى» الذى شاهد مسرحية «أولاد الذوات» بطولة يوسف وهبى، أمينة رزق، عزيزة أمير، وعن علاقة جمهور المنصورة بيوسف وهبى فكانت حميمية لدرجة أن البوليس كان يقف أمام الخشبة لمنع تدافع الجماهير لتحية الممثلين. أما المسرحيات التى عرضتها الفرقة فى المنصورة، فكثيرة، منها: «الصحراء، النسر الصغير، نيرون، البؤساء، فى سبيل التاج، الشرك، غرام الوحش، الجيش، البرنس جان، الجريمة، الاستعباد، عنترة العبسى، القبلة القاتلة، البلياتشو، إيفان الهائل، الكابورال سيمون، البركان، الجحيم، باجى سقا، أولاد الذوات، السارق، الطبقة الراقية، أولاد الفقراء، بنات اليوم، بيومى أفندى، الفاجعة، كرسى الاعتراف».
شهادة بإعلان صحفى لحضور فاطمة رشدى وفرقتها
وتابع: «وما حدث مع يوسف وهبى، حدث مع «فاطمة رشدى» عندما كونت فرقتها عام 1927، وقررت زيارة المنصورة، فكتبت جريدة «التوفيق» كلمة تحت عنوان «مسرح الفن فرقة السيدة فاطمة رشدى بالمنصورة»، قائلة: «إن مدينة المنصورة هى مدينة الفنون الجميلة، وإذا كان مقياس رقى البلاد بمقدار تذوقها للفنون الجميلة، وجب أن يُقر بالسبق لمدينة المنصورة، فإن الأساتذة الكبار فى التمثيل كجورج أبيض وعبدالرحمن رشدى ويوسف وهبى وبشارة واكيم وغيرهم يفضلون المنصورة عن كل بلاد القطر! يصرحون أنهم يجدون التمثيل فيها أكثر من أى بلد آخر حتى القاهرة وحتى الإسكندرية، وهذا ما يجعل الفرق التمثيلية الكبرى تبادر إلى المنصورة قبل أى بلد آخر لتمثيل أحدث الروايات، وهذا ما حدا بفرقة السيدة «فاطمة رشدى» إلى اختيار المنصورة لتمثيل روايات «الوطن، سلامبو، الساحرة»، وفى عام 1933 حضر تمثيل مسرحية «توتو» مدير الدقهلية «نيزى باشا»، و«سالم مباشر بك» وكيل المديرية، القائمقام «محمد أبو النصر بك» الحكمدار، والمسرحيات التى قدمتها فاطمة رشدى فى المنصورة من عام 1927 إلى 1933، فهي: السلطان عبدالحميد، شارلوت كور ديه، غادة الكاميليا، جان دارك، بيزنطة أو مدينة الدم، جمال باشا، المائدة الخضراء، أملة ليلة، يوليوس قيصر، تيودورا، مصرع كليوباترا، مجنون ليلى، زليخا أو يوسف الصديق، 667 زيتون، ألف ليلة وليلة، العباسة».
وبدأت فرقة «نجيب الريحانى» زياراتها إلى المنصورة عام 1928، حيث مثلت فى تياترو عدن مسرحية «جنان فى جنان»، ومسرحية «آه من النسوان»، ثم توالت عروض الفرقة حتى عام 1937، ومنها مسرحيات: «محكمة الأنس، أبقى أغمزنى، الجنيه المصرى، حكم قراقوش، قسمتنى».
الفرق الصغرى والجوالة
واستكمل «إسماعيل» مؤكدًا: «وكما كانت المنصورة جاذبة للفرقة المسرحية الكبرى والشهيرة، كانت أيضًا جاذبة للفرق المسرحية الصغرى والجوالة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى عام 1941، ومنها «الجوق الإسكندرى» لرشيد لطيف عام 1896، وبعده جاء «جوق شبان مصر الوطنى» لإبراهيم حجازى، ثم فرقة «بوليس فرداحى» - ابن عم سليمان القرداحى - ثم «الجوق الشرقى الوطنى» و«جوق الترقى الأدبى» و«مجتمع التمثيل العصرى»، و«جوق التمثيل العصرى» للأخوين «سليم وأمين عطا الله»، ثم «فرقة فوزى الجزايرلى»، ثم فرقة «حافظ نجيب»، ثم فرقة «حسن فايق»، ثم فرقة فوزى منيب، ثم فرقة «يوسف عز الدين»، وأخيرًا «فرقة أحمد المسيرى» التى افتتحت «مدينة الملاهى» بالمنصورة عام 1940.
هواة المسرح فى المنصورة
وأضاف دكتور «إسماعيل» موضحًا: «إن كثرة زيارات الفرق المسرحية – الكبرى والصغرى – إلى المنصورة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر أربعينيات القرن العشرين، أثر فى أهالى المنصورة، فظهرت فرق هواة مسرحية متنوعة داخل المنصورة منذ عام 1921، ومنها «فرقة التمثيل المصرى»، و«فرقة هواة فن التمثيل»، و«جمعية ترقية التمثيل العصرى»، و«نادى أبناء المنصورة»، و«جمعية أصدقاء الكتاب المقدس»، و«جمعية التمثيل المسرحى»، و«منتخب هواة المسرح»، و«جمعية الشباب القبطى».
نُقاد فى المنصورة
وتابع: «هناك كتابات نقدية كثيرة منشورة لكُتّاب ونقاد من المنصورة، ولكنى سأتوقف عند اسمين فقط، كونهما الأبرز فى هذه الفترة؛ الأول عبدالوهاب البرعى المحامى، كما كان يُوقع على كتاباته المنشورة، المتمثلة فى تراجم المسرحيين، حيث إنه كتب سلسلة تراجم للمسرحيين فى مجلة «روز اليوسف» عام 1926، تحت عنوان عام «رجال التمثيل فى مصر»؛ ونشر مجموعة مقالات متتالية، عن: «الشيخ سلامة حجازى، عبدالرحمن رشدى، محمد عبدالرحيم، عزيز عيد، جورج أبيض، محمد تيمور، يوسف وهبى، إخوان عكاشة».
الاسم الآخر هو عمر عزمى، الناقد الفنى لجريدة «التوفيق» التى كانت تصدر فى المنصورة أسبوعيًا، لصاحبها «على حمدى»، وكان يكتب «عزمى» عن المسرح فقط تحت عنوان «حديث الأسبوع»، وعندما أصدر صاحب الجريدة مجلة «المسامرات» عام 1927، انتقل إليها عمر عزمى، كونها مجلة فنية أسبوعية تُصدر فى المنصورة، وكتب فيها عدة موضوعات مسرحية، وفى عام 1929 أصدر «عزمى» نفسه مجلة فنية خاصة به وباسمه، أطلق عليها اسم «مسامرات عزمى»، كانت تصدر أسبوعياً فى المنصورة، وحرر عزمى أغلب موادها المسرحية داخل المنصورة وخارجها.
المسرح فى مدارس المنصورة
واختتم دكتور سيد على إسماعيل بحثه المعنون بـ «بدايات المسرح فى المنصورة 1881ــ 1948»، بحديثه عن المسرح فى مدارس المنصورة وقال: «إذا كانت المنصورة عرفت المسرح وشاهدته لأول مرة داخل مدرسة «محبى العلم» عام 1881، فإن المسرح لم ينقطع عن مدارس المنصورة طوال تاريخها، ومن الصعب تتبع العروض المسرحية داخل مدارس المنصورة بصورة دقيقة - فى الفترة الزمنية المحتدمة - لذلك سأشير إلى أهم ما وجدته من هذه العروض، ومنها: مدرسة «النجاح القبطية» التى عرضت مسرحية «ناكر الجميل» عام 1897، و«مدرسة الفرير» التى عرضت مسرحية فرنسية بتياترو التفريح عام 1898، و«مدرسة الأقباط»، التى عرضت بتياترو التفريح مسرحية «العدل أساس الملك» عام 1905 تحت رعاية مصطفى باشا ماهر، مدير الدقهلية، و«مدرسة التوفيقية» التى عرضت مسرحية «ناكر الجميل» بناحية محلة دمنة برعاية العمدة «توفيق محمد نصير» عام 1909م، وتُعد «مدرسة الرشاد» بالمنصورة من المدارس النشطة مسرحيًا، حيث مثل طلابها مسرحية «البعث»، وكان عرض «مدرسة البنات الابتدائية» باسم «جريح بيروت» عام 1924 تحت رعاية «سالم باشا محمد» مدير الدقهلية، أما «مدرسة المنصورة الثانوية» فكان لها النشاط المسرحى الأكبر والأهم منذ عام 1929، وهذه عجالة عن بدايات المسرح فى المنصورة منذ عام 1881 إلى عام 1948، تبين وتوضح وتفسر لماذا تم اختيار «مدينة المنصورة» لأول مرة لإقامة المهرجان القومى للمسرح المصرى، فى دورته التاسعة عشر لهذا العام.
عصام السيد: المنصورة نموذج حى يؤكد أن «مسرح الأقاليم» صانع المستقبل
شريط الذكريات الإنسانية
وفى كلمته قال المخرج عصام السيد: «فى شهادتى أمام هذا الجمع الكريم، أجد نفسى مدفوعًا باستدعاء شريط الذكريات الإنسانية؛ فالمنصورة بالنسبة لى ليست مجرد مدينة مصرية، لكنهاهى المدينة التى كشفت لى فى سنوات شبابى الأولى عن الحجم الحقيقى لشغف جمهور الأقاليم بالمسرح».
وثائق ومعلومات تاريخية
وتابع: «لا يسعنى إلا أن أشيد بالدراسة التوثيقية العميقة التى قدمها الصديق الدكتور سيد على إسماعيل؛ فما استعرضه من وثائق ومعلومات تاريخية يجعل من العسير على أى متحدث أن يضيف إليها، لذلك، آثرت أن أقدم شهادتى اليوم من زاوية مغايرة، لا تعتمد على لغة الوثائق بقدر ما تستند إلى نبض التجربة الشخصية والذاكرة الحية».
أول لقاء مع جمهور المنصورة
وأضاف: «بالعودة إلى الوراء، أتذكر جيدًا أول زيارة لى إلى المنصورة عقب تخرجى فى الجامعة مباشرة، حيث قصدتها لمشاهدة أحد عروض الثقافة الجماهيرية للمخرج أحمد عبدالجليل، وما زلت أذكر دهشتى البالغة حين فوجئت بامتلاء قاعة المسرح عن آخرها ليلةً تلو الأخرى، واستمرار العرض من عشرة إلى خمسة عشر يومًا وسط زحف جماهيرى غير مسبوق فى عروض الأقاليم، ومنذ تلك اللحظة، ووكتب الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، لأول مرة أشعار لعرض بمسرح الثقافة الجماهيرية، وهذا حدث عظيم، و ترسخ حينذاك داخلى انطباع لم يفارقنى قط؛ لقد أدركت حينها أن المنصورة تمتلك جمهورًا حقيقيًا يتنفس المسرح ويتفاعل معه بشغف، وهو أمر يستحيل صُنعه بقرارات إدارية فوقية، بل تصنعه ثقافة متجذرة فى عمق هذا المجتمع».
قرار استثنائى لمدينة استثنائية
وأضاف: «وخلال فترة توليّ مسؤولية الإدارة العامة للمسرح، بالهيئة العامة لقصور الثقافة، كانت المنصورة تتصدر دائماً خططنا لتطوير مسرح الأقاليم، ورغم أن اللوائح الصارمة كانت تنص على وجود فرقة مسرحية واحدة فقط داخل كل قصر ثقافة، إلا أن الزخم الفنى فى المدينة، وتعدد المخرجين والمبدعين أصحاب الرؤى المختلفة، دفعنى بالتعاون مع الدكتور أحمد مجاهد إلى اتخاذ «قرار استثنائى» بإنشاء فرقة مركزية ثانية بقصر ثقافة المنصورة، الدافع الرئيسى وراء هذه الخطوة الجريئة كان إتاحة مساحة أرحب للتجارب المتميزة، وفى مقدمتها تجربة ومسرحية للمخرج المتميز والمبدع السعيد منسى، لقد كنا على قناعة راسخة بأن المنصورة تزخر بطاقات بشرية وفنية عارمة يصعب احتواؤها وتأطيرها داخل فرقة واحدة».
استراتيجية الإنتاج المستمر
وأضاف موضحًا: «وعلى صعيد رؤيتى لتطوير مسرح الثقافة الجماهيرية، كان التحدى الأكبر الذى واجهناه هو اقتصار نشاط الفرق على إنتاج عرض يتيم سنويًا ثم الركون إلى السبات بقية العام؛ لذلك، كان هدفنا الاستراتيجى هو تحويل هذه الكيانات إلى «فرق إنتاج دائم» تعمل على مدار العام، وتستقطب المواهب الشابة بصورة دورية، بعيدًا عن الارتباط الموسمى، ولم تكن الغاية مجرد إنتاج عروض مسرحية، ولكن لتأسيس جمهور، وتدريب كوادر جديدة، وخلق حالة مسرحية تنبض بالحياة داخل شرايين الأقاليم».
وتابع: «إضافة إلى ذلك، التفتنا إلى المناطق المحرومة من الفرق المسرحية؛ فبادرنا بإرسال مدربين وفنانين إليها، لا لتقديم عروض سريعة الاستهلاك، ولكن لتجميع طاقات الشباب حول الفعل الثقافى، إيمانًا منا بأن هذا هو المدخل السليم لبناء حركة مسرحية مستدامة».
ورش التأسيس وإحياء التراث الشعبى
واستطرد عصام السيد موضحًا:« وإدراكًا منا لأهمية التأسيس العلمى، تضمنت خطة التطوير إطلاق ورش تدريبية شبه دائمة فى عدة محافظات، وصلت حينذاك إلى 11 ورشة بالمواقع الثقافة، بالتوازى مع تبنى مشروع قومى متخصص لإحياء التراث الشعبية، واستحضر بكل فخر تجربة «مركز الظواهر الشعبية» بثلاثة ورش بمحافظة المنيا فى المنيا، وأبوقرقاص، ومغاغة، وأخذنا على عاتقنا مهمة جمع الحكايات الشعبية، من حكايات وأغان، من خلال فنون الأراجوز، والمحَبِّظين، والسير الشعبية، لإعادة صياغتها فى قوالب درامية معاصرة، وكان هدفنا إثبات أن المسرح الشعبى المصرى يمتلك جذوره وخصوصيته المتفردة التى سبقت كثيرًا من الأشكال الغربية، بدلًا من الاكتفاء باستنساخ تجارب الآخرين، فنمر المحبظين قديمًا، تمثل مسرحًا حقيقيًا، وكان هذا المشروع للظواهر الشعبية، من أهم مشروعات الثقافة الجماهيرية التى توقفت ووأدت أحلامها عقب أحداث عام 2011م، وعملنا على مشروع ثقافى ضخم للمناطق الحدودية حينذاك، لم يكتمل».
مسرح الفلاحين.. الأيقونة
وتابع مؤكدًا: «ولا يمكننى فى هذا المقام أن أنهى حديثى دون توجيه تحية إجلال وتقدير لتجربة «مسرح الفلاحين» بالمنصورة، التى أعتبرها من أكثر التجارب إشراقًا وإلهامًا فى تاريخ مسرح الأقاليم قاطبة، و يميز هذه الفرقة ليس جودة عروضها فحسب، ولكن صلابتها وقدرتها المذهلة على الاستمرار لعقود طويلة معتمدة حصريًا على سواعد أعضائها وإيمانهم المطلق برسالة المسرح، متجردين من أى انتظار لدعم حكومى، و إن صمود هذه الفرقة بهذا الزخم يبرهن بما لا يدع مجالاً للشك على أن المسرح الحقيقى يصنعه الإيمان بالفكرة قبل توفر الإمكانات المادية».
نماذج فريدة فى العطاء الفنى
واختتم عصام السيد: «أؤكد لكم أن المنصورة ستظل أبد الدهر واحدة من أهم وأعرق الحاضنات المسرحية فى مصر، لقد قدمت ولا تزال تقدم نماذج فريدة تُدرس فى العطاء الفنى، فنانين و مخرجين بالثقافة الجماهيرية وفى المسرح المصرى بمختلف مؤسساته فى مقدمتهم المخرج السعيد منسى والمخرج والفنان أحمد عبدالجليل المرشح لجائزة «التفوق» هذا العام، ومن دواعى سرورى وعظيم فخرى أن أشارك فى انطلاق أولى فعاليات المهرجان القومى للمسرح المصرى على هذه الأرض الطيبة، وسط هذا الجمع الكريم من صناع الفن وعشاقه».
صبرى ناصف: ستة عقود فى محبة المسرح
وفى مداخلته قال المخرج صبرى ناصف، ابن مدينة المنصورة: «بدأت رحلتى صيف 1967م مع «مسرح الفلاحين» الذى أسسه الراحل سرور نور؛ عام 1958م لم نكن مجرد فرقة، بل مؤسسة توعوية تحمل الفن إلى العمق المصرى، وكنا ننطلق من بروفاتنا بقصر ثقافة المنصورة لنصنع مواسم شتوية ناجحة على خشبة المسرح القومى بالمنصورة، وتظل مسرحية «ابن بهانة» تأليف المخرج الإذاعى عبده دياب، إخراج سرور نور، شاهدةً على ذلك باستمرار عرضها لعامين متتاليين، ومع حلول الصيف، كنا نحمل ديكوراتنا وأحلامنا ونطوف قرى الدقهلية ونجوعها، وحين أُغلقت المسارح، لم نستسلم؛ انتقلنا لمراكز الشباب والنوادى، متمسكين برسالتنا برغم المعارك التنظيمية، خوضًا للرهان الذى آمن به رفاقى لأكثر من خمسة عقود».
وأضاف «ناصف»:« ولم تكن رسالتنا محلية فحسب؛ لكنا كنا أول من قدّم عرضًا مسرحيًا فى سيناء عقب استعادتها عام 1978م بمسرحية «المفتش العام» قدمت تحت رعاية قوات الطوارئ الدولية، وصولًا للواحات وأسيوط، إن المنصورة كانت وما زالت منبعًا للإبداع، خرّجت قامات كمحمود حافظ، وإبراهيم الدسوقى، عبدالله عبدالعزيز وسمير العدل، وسيظل مسرح الفلاحين حيًا إيمانًا بأن المسرح رسالة نبل قبل أن يكون مجرد عرض».
أسئلة التاريخ والرهان الرقمى
وقالت بسنت بكر، مذيعة وباحثة: «بصفتى ابنة لهذه المدينة العريقة التى أنجبت مبدعين من بينهم الفنان أحمد وفيق والكاتب والسيناريست وليد يوسف، أتساءل: ما السياق الاجتماعى والاقتصادى الذى جعل المنصورة تتبوأ هذه الريادة المسرحية المبكرة؟ فى برنامج المهرجان»، وأدعو لتوثيق هذه الندوات، عبر المنصات وإلكترونيًا لحفظ الذاكرة، وأتساءل: كيف يمكن للمهرجانات الاستفادة من المنصات الرقمية لبناء جمهور جديد خارج أسوار القاعات؟».
محمد قطامش: ما مصير المسرح القومى بالمنصورة؟
قال فنان العرائس والمخرج محمد قطامش: «نجحت تجاربنا فى الفضاءات المفتوحة، وخاصة لقصور الثقافة، وشاركت فى الكثير من العروض المسرحية، بإدماج المسرح بالشعر والحكى وتراث الشعراء الكبار منهم الأبنودى وأحمد فؤاد نجم والسير الشعبية، رغم عدم توافر مسرح فى الموقع الذى أعيش فيه، مما أثبت قدرتنا على الوصول للجمهور أينما كان، لكن ما يضايقنى كثيرًا هو تراجع دور المسارح التاريخية ونتساءل منذ 2011 أين المسرح القومى بالمنصورة وماهو مصيره؟، وأدعو لإعادة تنشيط الإنتاج بدلًا من الاكتفاء بالصيانة، ورغم عدم توافر «مسرح» فى مدينتى بلقاس، أقيم وأنظم ليالى ثقافية وفنية كل شهر فى بيتى لأهل مدينتى وأتمنى تفعيل مسرح الأسرة للربط بين الأجيال الجديدة وعوالم الأراجوز وخيال الظل».
وتساءل «قطامش»: «هل عن تقديم العروض القصيرة وخاصة الميكرو تياترو، ستصبح بديلًا فى المستقبل عن المسرح الذى اعتدنا عليه؟».
كريم سرور: التكنولوجيا خادم وليست بديلًا
وقال الممثل كريم سرور: «لا تعارض بين الرقمية والمسرح؛ الوسائط الحديثة هى أدوات توثيق وبث لتعزيز الانتشار، دون المساومة على جوهر المسرح كفن حى يقوم على التفاعل المباشر، وسيبقى المسرح صانعًا للوعى، وتجارب الثقافة الجماهيرية التى يقودها أساتذة كعصام السيد هى الحصن الحقيقى لهذا الفن».
سيد على إسماعيل: الاقتصاد والجغرافيا صناع الريادة
وقال دكتور سيد إسماعيل: «إن ازدهار المسرح مرهون بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية؛ فالمنصورة أواخر القرن 19 وبدايات 20 كانت مركزًا تجاريًا وثريًا يضم رجال مال قادرين على تمويل العروض وشراء التذاكر، مما جعلها وجهة جاذبة لأعتى الفرق، ودعونى أصحح مفهومًا شائعًا: البداية المسرحية لم تكن بالقاهرة بل بالإسكندرية، وانتقلت منها للمدن المزدهرة كالمنصورة، إن قراءة التاريخ لا تستقيم بحصر العروض، بل بفهم البيئة التى احتضنت الفن وآمنت بقيمته».
أحمد مجاهد: الثقافة الجماهيرية المفرخة الحقيقية والمنصات فتحٌ جديد
ووأوضح دكتور أحمد مجاهد: «إن ظهور وانتشار المنصات الرقمية التى تقدم الدراما، وليدة الإيقاع السريع، واالميكرو دراما، والميكرو تياترو، ليست تهديدًا للمسرح بل فرصة للوصول للشباب، مع يقينى التام بأن المسرح سيبقى حيًا أبدا بحضوره المباشر».
منظومة إنتاجية عادلة ومستقرة
واختتم الدكتور أحمد مجاهد اللقاء قائلًا: «مسرح الثقافة الجماهيرية سيبقى المفرخة الحقيقية للمسرح المصري؛ منه خرج الطبيب والمهندس والترزى ليكونوا رموزًا للفن، لذا أطالب بمنظومة إنتاجية عادلة ومستقرة لصناع هذا المسرح بدلًا من العرض اليتيم سنويًا وختاما، وأقدم الشكر والتهنئة للصديق محمد رياض رئيس المهرجان، بتحقيق حلمه بنقل المهرجان للمحافظات وتحقيق العدالة الثقافية لأبناء الوطن فى كل مكان».