أزمة الممثلين المفصولين تتفاقم!

أزمة الممثلين المفصولين تتفاقم!

العدد 990 صدر بتاريخ 17أغسطس2026

لم تكتف جريدة «كوكب الشرق» بما ذكرته حول أزمة الممثلين المفصولين، لذلك أكملت موضوعها السابق بمقالة أخرى نشرتها يوم 25/3/1936 تحت عنوان «الفرقة القومية بين الواجب القومى والأهواء»، قالت فيها: نشرنا من قبل كلمة عامة عن الفرقة القومية التمثيلية، والحملة المدبرة التى أثارتها بعض الصحف بإيعاز من بعض الناس، وقلنا إن هذه الحملة ليس فيها من الشرف أو حُسن القصد شيء، لأن الأغراض التى تحرك أصحابها تفسد من حركتهم وتقلل من شأن حملتهم حتى لتكاد تعدمه، وقد جاءنا تعقيبًا على كلمتنا بكلمة أخرى هى التى ننشرها فيما يلي! وفى قراءة هذه الكلمة ما يغنى عن كل شرح وإطالة [توقيع] المحرر «ك.م»: 
يوم أنشئت الفرقة القومية لإحياء فن التمثيل، قلنا وقال الناس، إنه عمل جليل، ينبغى أن يقابل بالشكر والتقدير، ثم أذيع أن إدارتها أسندت إلى أستاذنا الكبير وشاعر العربية الأكبر صاحب العزة خليل مطران بك، فاستبشر الناس خيرًا، وقالوا إن الوزارة أصابت المفصل، ووضعت الدواء حيث ينبغى أن يوضع.. مضى الأستاذ خليل بك فى عمله الجديد رغم شواغله الكثيرة، ونحن أعلم بها على سنة حميدة من حيث وضعه الفن فى المقام الأول من التقدير، ولم يكن الأصل فى الفكرة أن تنشأ لمساعدة جماعة من المتعطلين أو محاباة فريق من ذوى الأطماع. وإنما كانت فكرة صائبة ترمى إلى إحياء الفن، فجرت أمورها على قدر مسنون لا عوج فيه. ويجدر بنا أن نشير هنا قبل أن نتحدث عما نحن آخذون فى الحديث عنه، إلى الجهد المتواصل والعمل المضنى الذى كان يتولاه مدير الفرقة طول نهاره وشطرًا كبيرًا من الليل باذلًا أنفس ما يستطيع من وقته وأغلى ما يملك من صحته ومواهبه، ليهيئ للجنة طريقًا مشروعًا ممهدًا تسير فيه على ضوء الفكرة الأصلية إلى تحقيق غرضها الذى عينته الوزارة، حتى إذا تم إعداد الفرقة واختيار الممثلين الذين أريد أن تكون التجربة على أيديهم، تضاعف العمل وزادت المسئولية، فسار المدير فى هذا الجو الذى لا أريد أن أخوض فى تفاصيله، سير الرجل الحازم لا تثنيه عقبة ولا يعوقه عائق عن غايته التى جعلها نصب عينيه فكان هو الذى يقرأ الروايات جميعًا تمهيدًا لعرضها على اللجنة المختصة وهو الذى يراقب سير العمل لإبداء الرأى فيه، وهو الذى يتلقى الاقتراحات العديدة ويفحصها، وهو الفعال القوال الدائب الحركة والعمل من قراءة إلى إدارة إلى حساب إلى غير ذلك مما لا داعى لذكره. 
إن الإنصاف الذى يعتقده الناس فى الأعمال العامة ولا يجدونه فى أغلب الأحيان، يدفعنا إلى ذكر الحقيقة فى هذا الشأن، دون تحيز ولا تأثر يهوى أو غرض، فما كان لنا ونحن نشهد هذه الحملة المدبرة، التى يصح أن يقال فيها إنها أخطأت مواضع الهدى والرشاد، بدافع من الأهواء والنزعات.. نقول إنه ما كان لنا أن نسكت دون أن نرد الأمور إلى أنصبتها، ونقرّ بالحق لأهل الحق بغير أن نحفل بالكلمة الطائشة تُلقى ها هنا وها هنا! لقد دخل الممثلون الذين اختارتهم الإدارة فى هذه الفرقة وكلهم يعلم أن الأساس هو ترقية التمثيل، والوسيلة إلى ذلك هى اختيار الأصلح من الممثلين والروايات وكل ما يتصل بالموضوع، ومن الحق أن نذكر الآن أنهم كانوا يعلمون أيضًا كما يعلم سائر المنصفين أن الفرقة فى مبدأ تكوينها كما هى الحال فى سائر الأعمال، لا تستطيع أن تتحمل وجود من لا عمل له فيها، فمن جحود الحق فى أبسط مظاهره، وأوضح أشكاله، أن ينعى ناع على الفرقة الاستغناء عن ممثل لم تتح له فرصة الظهور على المسرح فى دور من أدوار القصص التى مثلت وكلها متقاربة فى الموضوع متشابهة فى النوع. 
وإنه مما يؤسف له حقًا أن نجد أقلامًا يشتط بها الهوى فتخط فى صحائفها سطورًا تخرج بهم عن دائرة الاعتدال فى إظهار أسفهم، أو نقد عمل لا يوافقون عليه خطأ منهم فى فهمه وإسرافًا منهم فى التجنى على الرجال العاملين. نعلم أن مرد الفصل فى الأعمال الخاصة بالفرقة القومية، موكول إلى لجنة خاصة ويعرف ذلك أيضًا مدبرو هذه الحملة الطائشة ولا ينكرونه، فإذا حنسوا بكلامهم رجلًا فاضلًا يفنى نفسه فى عمل عام كالأستاذ الكبير خليل بك مطران، كان هذا دليلًا على سخف الفكرة التى تدفعهم وبُعدها عن نزاهة القصد وعدالة الرأى. فقد ذهب الغلو بأحدهم إلى أن قال «إنه إذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد فمن مدير الفرقة أولًا»، والذى نعلمه أن مدير الفرقة أزهد ما يكون فى هذه الإدارة، ولو أن ولاة الأمور تهاونوا شيئًا ما فى الاستمساك بوجوده على رأسها لما بقى فيها لحظة واحدة، ولولا أنه من أحرص الناس على ألا يدع فرصة تمر دون خدمة البلاد، لترك الفرقة من زمان طويل، وإذن فكلام من قبيل ما ذكرنا ذاهب مع الريح إن كان أريد به التعريض أو الإحراج. 
وإنما كان ينبغى لمن يقودوا هذه الحملة، أن يقولوا إنهم يألمون لخروج هؤلاء الاثنى عشر ممثلًا، لأنهم سوف لا يجدون مرتزقًا سهلًا لينًا فى فرصة قريبة كما كان شأنهم، وأنه كان يحلو لدى هؤلاء المنتقدين أن يبقى أولئك يتقاضون مرتباتهم دون شأن ودون عمل، ولتبق الفرقة بعد ذلك أو تنحل، ولتنجح أو تفشل فما لهم بذلك شأن.. هكذا كان ينبغى أن يقولوا، وهذا هو ما فهمه الناس من سر حملتهم تلك، وإلا فما لمدير الفرقة وما عليه إذا قررت اللجنة أنها لا ترضى عن بقائهم دون عمل، وماذا عليه بعد أن تمنى لهم التوفيق، ووعد أن يكونوا أول منظور فى أمره إذا احتاجت الفرقة بعد هذا إلى ممثلين حين تتسع أعمالها وتتنوع مواضيع تمثيلها! 
إن فشل الأعمال العامة دائمًا، إنما يجئ من تسرب الأغراض الشخصية إليها، والعصر عصر نهضة ينبغى أن ينزه عن الأغراض، فليس من اللائق أن يعرقل كاتب جامح القلم عملًا عظيمًا أريد به صالح الوطن لأن هواه مع فلان وفلانة من الممثلين، ومن الإسفاف الذى ننزه عنه هذه الكلمة لوجه المصلحة العامة أن ننزل بها إلى مستوى ما كتب الكاتبون من مهاترة بذيئة استغفر الله بل من خلط لا أساس له، إذا عدت الأغراض الشريفة من أساس الأعمال العامة.. وأخيرًا نرجو ألا تصغى إدارة الفرقة إلى هذه الكلمات الملتوية التى تناثرت على صحف لا يعبأ بها القارئ ولا يصغى إليها، ونرجو كذلك أن تمضى فى عملها على النحو الذى تمليه المصلحة المنشودة من نجاحها.. [توقيع] «مصطفى».
عادت جريدة «البلاغ» - فى نهاية مارس 1936 - إلى مساندة الممثلين المفصولين من الفرقة القومية، من خلال مقالة كتبها «محمد رشاد غريب» تحت عنوان «الفرقة القومية المصرية.. سياسة الفصل بالاستغناء أو سياسة قطع العيش»، قال فيها: فى 3 مارس سنة 1936 الموافق يوم وقفة «عيد الأضحى المبارك» فصلت إدارة الفرقة القومية اثنى عشر ممثلًا وممثلة ثم صرفت لكل منهم ما يعادل مرتب شهر واحد مكافأة له عن مدة خدمته عملًا باللائحة! ولسنا فى مجال النقد ولا التعرض لعملها بأى حال فهى حرة فى أن تفصل بغير حساب! ولكن ما دعانى إلى طرق هذا الموضوع سبب واحد هو ظهور بيان بإحدى الزميلات [أى إحدى الصحف] من الأستاذ خليل مطران مدير الفرقة يصرح فيه بأن سياسة إنشاء الفرقة أو مهمتها تنحصر فى ترقية التمثيل لا مساعدة الممثلين! فإذا كان الأمر كذلك وحسب أنه بتصريحه هذا يزكى نفسه وإدارته وفرقته فإنما نحاسبه على هذا القول بأنه هو وإدارته وفرقته هم الذين تجنوا على هؤلاء الممثلين لأنهم ألحقوهم بالفرقة لأنهم أكفاء توفرت فيهم الشروط التى ترقى بالتمثيل.. أليست «زوزو حمدى الحكيم» هى تلميذة زكى طليمات؟ ألم تكن أولى خريجات معهد التمثيل؟! ألم يكن «حسن البارودي» ممثلًا قديرًا أو نجمًا لامعًا فى فرقة يوسف وهبي؟ ألم يقم بأدوار نال فيها قسطًا وافرًا من النجاح؟ ثم ألم تكافئه الحكومة بشهادات وجوائز فى مناسبات مختلفة؟! ألم يفز «محمد يوسف» بالجائزة الأولى فى إحدى المباريات الرسمية الفنية؟ هذا بغض النظر عن الاعتبار الثانى بأن هؤلاء الممثلين أنفسهم لم يلتمسوا من الفرقة أية مساعدة! وإنما الفرقة هى التى أرادت ضمهم فحرمتهم من موارد أرزاقهم فى فترة من الوقت كانت تسعى إليهم أغلب الفرق الأهلية فآثروا الانضمام إلى الفرقة الحكومية ولم يخطر ببالهم قط أن تتخلى عنهم الفرقة وهم الأكفاء فى ظرف عصيب عجيب كهذا بينما شغلت كل الفرق بالممثلين والممثلات منذ بداية الموسم حتى اضطرت أمام الحاجة أن تنشدوا الهواة منهم وتعهد إليهم بأدوار هامة، ولم يعد فى الإمكان الآن إلا أن توصد الباب أمام هؤلاء المفصولين لأنها اكتفت بما عندها خصوصًا وأنها فى منتصف الموسم لا فى بدايته.
ولنعد الآن إلى بيان مدير الفرقة الذى يقول فيه: «وبالاختيار الذى تم إلى الآن مند ستة أشهر اتضح أن الفرقة فى غنى عن بعض الممثلين. ويجوز يكون أناس من هؤلاء الذين فصلوا لم يصادفهم حظ التمثيل فى أدوار متعددة لقلة عدد الروايات التى كان مستطاع إخراجها وتمثيلها فى هذه المدة القصيرة.. إلخ». وفى كلمة أخرى يقول: «ولقد أجبت عن كل سؤال سألته فى معنى هذه الحادثة بما لم يمس أحدًا من هؤلاء الممثلين ولكن تحمس بعض الزملاء الذين رفعوا إليهم شكاياتهم قد أراد جعلنا فى موقف الظالمين المستبدين». فأما أنه يجوز أن يكون بعض هؤلاء الذين فصلوا لم يصادفهم حظ التمثيل فى أدوار متعددة لقلة عدد الروايات فهذا شيء فيه تجاوز عن الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك فما معنى إبقاء ممثلين لم يمثلوا بالمرة! وقد علمنا أن هؤلاء المفصولين لم يعلموا بقرار الفصل كما علم به إخوان لهم كتبت أسماؤهم فعلًا فى عداد المفصولين ولكنهم تداركوا الفجيعة بالتوسط عند أولى الحل والربط فأبقوهم أو بعبارة أخرى أن المفصولين لم يكونوا فى يوم من الأيام من محاسيب هذا أو ذاك! إن عمل الفرقة لا يحتاج إلى نقد أو تزكية فكما قلنا إنها حرة فى أن تفصل الجميع بغير حساب، ولكن الرحمة فوق العدل! فإذا كان العدل الذى يجرى مجراه الآن أمر يفصل هؤلاء الممثلين فإن الرحمة التى تقف فوق رأسه لتنهى عن ذلك ولو إنّا لم نجد لحكمها على العدل أى سلطان فيما توفته الفرقة فى عملها وهنا نود لو نثبت أن الرحمة والواجب على الأقل كان يقضى أن تتريث الفرقة فى صدور هذا الأمر العسير على هؤلاء الممثلين ولو أن ذلك فى ميسورها لو تداركته. ولو استبقت الفرقة هؤلاء المفصولين حتى نهاية الموسم التمثيلى ثم استغنت عنهم فإنها لن تجد عندئذ ناقدًا واحدًا يشير الى تصرفها بالعسف والتعنت والنقيصة. أما أنها تأتى فى نصف المرحلة لتلقى بهؤلاء فى اليم كى ينجو البعض الآخر فهذا ما لم يقل به أحد! إن ذلك السبب الذى فصلت من أجله الفرقة هؤلاء الأفراد إذا كان عدلًا فى نظرها فهو أدعى إلى الأسف الشديد لأن هؤلاء الممثلين هم دعامة المسرح المصرى القوية من أعوام وما زال حالهم كذلك إلى اليوم. وقبل أن أختم كلمتى أتوجه إلى لجنة ترقية التمثيل العربى المشمولة برئاسة صاحب السعادة حافظ عفيفى باشا راجيًا إعادة النظر فى أمر هؤلاء المفصولين حتى لا يصبحوا عرضة للحاجة والعوز فالرجوع إلى الحق أسمى فضيلة لاستقرار العدالة فى موضعها بإعادة هؤلاء المفصولين. وكلمتى الأخيرة أبعث بها إلى وزارة المعارف العمومية لما لها من حق السيطرة والهيمنة على إدارة هذه الفرقة مؤملًا أن تعجل بتدارك هذه المشكلة الخطيرة بحكمتها الصائبة من عزم وحزم حتى تنصف هؤلاء المظلومين وتضع حدًا فاصلًا لهذه الحالة السيئة الفاجعة التى أثارت حولها جوًا قاتمًا من الشكوك والريب. [توقيع] «محمد رشاد غريب».
كان من المتوقع أن نجد نهاية سعيدة لأزمة الممثلين المفصولين من الفرقة القومية بأن يعودوا إلى عملهم، أو أن تتراجع إدارة الفرقة عن هذا الفصل التعسفي! ولكن للأسف وجدنا أزمة جديدة، تتمثل فى المزيد من فصل ممثلين آخرين إضافة إلى السابقين! هذا الأمر أخبرتنا به جريدة «البلاغ» تحت عنوان «فصل ممثلين آخرين»، قائلة:
تستعد الفرقة القومية لعمل تصفية ثانية فى الممثلين «المخضرمين» الذين لم تستفد منهم الفرقة فى المدة السابقة. وستكون هذه التصفية يوم 9 أبريل المقبل. ثم تضم إليها بعض الهواة الموظفين ممن لهم ماض معروف فى عالم المسرح على أن تصرف لهم مكافآت على عملهم. وقد علمنا أن من بين المفصولين الأساتذة «عبد الرحمن رشدى، وعمر وصفى، وعبد العزيز خليل، وإحدى الممثلات»! ويقال فى الأوساط المسرحية إن الأستاذ خليل مطران يعتزم الاستقالة فى نهاية الموسم التمثيلى للفرقة. ويذكر القراء أننا نشرنا قبل فصل الاثنى عشر ممثلًا السابقين أن إدارة الفرقة فكرت فى توفير مرتب أحد الزوجين من الأزواج الذين فى الفرقة ونقول الآن إن النية متجهة إلى تنفذ هذه الفكرة. ونقول كذلك إن ميعاد فصل الفريق الأول كان يوم وقفة عيد الأضحى المبارك. وميعاد فصل هذا الفريق يقع قبل عيد شم النسيم بأربعة أيام! وأشيع فى الأوساط المسرحية أن النية متجهة إلى ضم الأستاذ يوسف وهبى والآنسة أمنية رزق والسيدة علوية جميل إلى الفرقة!


سيد علي إسماعيل