دائمًا ما تتميز العروض التى تقدم بقاعة الغد بخصوصية وتفرد من حيث خصائص عروض القاعة وما تتسم به من حالة الألفة والمعايشة مع أبطال العمل الذى يقدم بينهم وحولهم، لا أمامهم فقط وفوق خشبة مسرح تقليدية، كذلك الحرص على انتقاء النصوص وفريق العمل بعناية، من هذا المنطلق جاءت تجربة مسرحية أداجيو/ اللحين الأخير إخراج السعيد منسى، عن رواية «أداجيو» للكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، متفردة ومغامرة أيضًا لما تنطوى عليه من عالم سردى واسع، يتشابك فيه الزمان والمكان، وتتداخل فيه الذاكرة مع الواقع الآنى. اختار المنسى أن ينحاز إلى الخط الإنسانى فى الرواية، فجعل العلاقة بين سامر وزوجته ريم محورًا للأحداث، لتصبح رحلة المرض مدخلًا للتأمل فى الحب، لا حكاية عن الموت، فريم عازفة البيانو التى تصاب بورم خبيث فى المخ، لا تتحول إلى ضحية بقدر ما تصبح مرآة تعكس هشاشة الإنسان أمام القدر، بينما يقف سامر عاجزًا أمام الألم، متمسكًا بالأمل حتى اللحظة الأخيرة، مجسدًا مواقف فى منتهى الصعوبة والألم هى معايشة اللحظات الأخيرة لرحيل من نحب. وينعكس عنوان الرواية «أداجيو» وهو مصطلح موسيقى يعنى الأداء البطيء على الإيقاع العام للعرض، فالموسيقى التى وضعها رفيق جمال لم تكن مجرد خلفية صوتية، بل تحولت إلى راو مواز للأحداث، بينما جاءت الأغنيات التى كتبها الشاعر حامد السحرتى، بمثابة مرثية وتصعيد للحالة النفسية للشخصيات، فقد عبرت الكلمات من خلال ثنائيات الحوار عن الأزمات الداخلية للشخصيات، فالبطلة تعبر عن الأمل والتمسك بالحياة فمن كلماتها: (الصبح نور وأكيد هيطلع)، أما البطل فهو مقتنع بحتمية القدر فمن كلماته: (لكن الأكيد إن اللى كان ويانا غرق وسط البحور) والتى تجسد رمزية البحر القاسى الذى يبتلع الأحلام. أما السينوغرافيا فهى من أبرز عناصر قوة العرض، فقد صمم أحمد الألفى فضاءً بصريًا يجمع بين الجمال والبساطة والمرونة التى تتيح الانتقال بسهولة بين الأماكن والأزمنة، كما أنه يعبر عن شخصيات الأبطال واهتماماتهم، فكان البيانو وبعض التحف والفونوغراف، ومن أهم العناصر الملفتة فى الديكور اللوحة المعلقة على الجدران، فهى لامرأة تتماهى ملامحها مع البيانو والموسيقى، وهو ما ينسجم بعمق مع شخصية البطلة لكونها عازفة بيانو تواجه مرضًا خبيثًا فى المخ، فامتزاج الوجه بالماء والخطوط الموسيقية، وانقسامه بين درجات باردة ودافئة، يمكن أن يحيل إلى عالمها النفسى المتأرجح بين التمسك بالحياة ووطأة المرض، والعالم المكانى أيضًا لأن الأحداث تدور فى الإسكندرية، كما أنها تعبر بدقة عن علاقة البطلة بالموسيقى التى لا تمثل المهنة فقط، لكنها وسيلة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس.ولعبت إضاءة أبو بكر الشريف دورًا مهمًا فى التعبير عن لحظات الضعف والانكسار من خلال الخفوت والألوان الباردة، كما أضافت تقنية الفيديو مابينج التى صممها مصطفى فجل، بعدًا بصريًا منح العرض مرونة سينمائية، وساعدت على الانتقال بين الأزمنة واستدعاء الذاكرة من دون الإخلال بإيقاع المشاهد، وقد جاءت استعراضات محمد بحيرى معبرة وموظفة جيدًا داخل البناء الدرامى ومنسجمة مع الحالة الشعورية للعرض. أما الملابس التى صممتها نورهان سمير فجاءت منسجمة مع الطبيعة الواقعية للعرض حيث تقع الأحداث فى فصل الشتاء، كما أنها ابتعدت عن المبالغة لصالح ملابس تعكس البيئة الاجتماعية للشخصيات، وواكبت التحولات النفسية والصحية، خاصة فى شخصية ريم. أما الأداء وهو العنصر الأهم من وجهة نظرى، فقد حمل رامى الطمبارى العبء الأكبر فى تجسيد شخصية سامر، من خلال أداء متدرج بين الإنكار، ثم الأمل، ثم الانكسار، أما هبة عبد الغنى فقد منحت شخصية ريم حضورًا إنسانيًا مؤثرًا، كما اعتمد العرض على أداء جماعى متناغم، فقد منح جورج أشرف شخصية عثمان حضورًا محببًا وموظفًا خفة ظلة بعفوية، من دون أن تتحول الشخصية إلى مجرد متنفس كوميدى، أما بسمة شوقى والتى جسدت شخصية صديقة ريم، فقد اتسم أداؤها بالهدوء والاتزان بينما تعبر عن صراعها الداخلى بين حبها لسامر وخيانتها لصديقتها بصدق، كذلك جنى عطوة، أمنية محسن وأحمد هشام فقد ساهم وجودهم فى استكمال البناء الدرامى من خلال أداؤهم الجيد والملائم للشخصيات. أما محمد دياب فهو صاحب أكثر الأداءات وعيًا داخل العرض، فقد قدم نموذجًا للممثل الذى يدرك خصوصية الأداء المسرحى، معتمدًا على اقتصاد الحركة ودقة التعبير ووعى واضح بين الجسد والصوت والفضاء المسرحى، مؤكدًا أن قوة الممثل لا تقاس بحجم الدور. ما يؤخذ على العرض أنه لم يتحرر تمامًا من سطوة النص الروائى، فقد احتفظ ببعض التفاصيل والمواقف التى لم يؤثر حذفها فى تطور الحدث أو تعميق الصراع- منها مشهد زيارة سامر للسيدة التى ذهب إليها لتدعو لريم بالشفاء- وهو ما انعكس على زمن العرض، وتراجع الإيقاع فى بعض المشاهد فاقترب من إيقاع السهرة التليفزيونية أكثر من إيقاع العرض المسرحى، وكان من الممكن أن يكون أكثر تكثيفًا بما يحافظ على حالة التوتر الدرامى الذى نجح صانع العرض «إعداد وإخراج» فى بنائها منذ البداية، ويمنح العرض إيقاعًا أكثر حيوية وتماسكًا، وعلى جانب آخر فقد اختزل جزءًا مهمًا من الرواية هو حضور مدينة الإسكندرية التى جاءت فى النص بطلة موازية للشخصيات تحمل ذاكرة المكان وتحولاته الاجتماعية والعمرانية والسياسية، بينما اكتفى العرض بالتعامل معها كإطار للإحداث لا عنصرًا فاعلًا فى تشكيلها، وهو اختزال مفهوم فرضته طبيعة المسرح وإن كان قد أفقد النص جانبًا مهمًا من ثرائه السردى.