خشبة المسرح ودورها فى إحياء الروح والأمل لذوى القدرات

خشبة المسرح ودورها فى إحياء الروح والأمل لذوى القدرات

العدد 990 صدر بتاريخ 17أغسطس2026

الفن مرآة المجتمع، ولا يقتصر دوره على تسليط الضوء على المشكلات، بل يمثل نافذة ملهمة للإبداع وإعادة الحياة والروح إلى الفنان، خاصة ذوى القدرات، أصحاب المواهب والقدرات اللامحدودة، الذين لا ينقصهم شيء، فالإعاقة الحقيقية تكمن فى نفوس البشر وما تحمله من حقد.
يحتاج أصحاب القدرات إلى من يدعمهم ليس بالكلام، وإنما بالفعل، فعندما يصعدون على خشبة المسرح تبرز براعتهم فى التمثيل وقدرتهم على الإبداع، ومن ثم يجب أن يتمتعوا بكل الحقوق التى يتمتع بها أفراد المجتمع، مع تيسير سبل الدعم أمامهم بما يساعدهم على الاستمرار فى طريقهم وتحقيق أحلامهم.
ومن هنا نفتح هذا الملف، لنستمع إلى آراء نخبة من النقاد والمخرجين، الذين يفتحون الباب للحديث عن أصحاب القدرات، والتحديات التى تواجههم، ودور المسرح فى دعمهم وتمكينهم ودمجهم داخل المجتمع.
أحمد عبدالرازق أبوالعلا: المسرحيون لا يتخذون موقفًا من ذوى القدرات
يقول الناقد والكاتب الكبير الأستاذ عبدالرازق: ظلنا لسنوات طويلة عدم اهتمام بهذا الموضوع، وكان هناك بعض التجارب القليلة التى قُدِّمت على استحياء، ليس لأن المسرحيين يتخذون موقفًا من ذوى الإعاقة، ولكن بسبب المعوقات التى تحول دون ذلك الاهتمام.
وأضاف أنه يتذكر أنه شاهد منذ سنوات طويلة بعض العروض التى اهتمت بذوى الإعاقة، لكنها كانت تقدم موضوعات لا علاقة لها بموضوع الإعاقة والمشكلات التى يواجهها ذووها، نظرًا لغياب الكاتب القادر على معالجة موضوعات تتوافق مع ظروفهم، ويكون هدفها الأول هو تمكين هؤلاء من ممارسة حياتهم بشكل طبيعى، ودمجهم مع الفئات المجتمعية الأخرى دون تمييز أو انحياز.
وأوضح أنه خلال السنوات الأخيرة بدأت النظرة تتغير، وبدأ الاهتمام يظهر بعيدًا عن التهميش الذى ظل لسنوات، فرأينا دورات تدريبية تم تنظيمها من أجل تحقيق هدف التمكين والدمج من خلال المسرح، وظهرت عروض توضح ذلك، منها ما قدمته فرقة «الشمس» التابعة للبيت الفنى للمسرح.
وأكد أنه فى ظل وجود المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة، يمكن تطوير هذا الاهتمام من خلال التعاون مع وزارة الثقافة، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة التربية والتعليم، من أجل تحقيق أهداف أكبر من مجرد مشاركتهم فى العروض الفنية والمسرحية، وذلك من خلال وضع برامج واضحة تتبناها تلك الوزارات، وتوفير وسائل الدعم لتحقيق فكرة الدمج والتمكين بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا.
وأشار إلى أنه فيما يتعلق بالمسرح، فإن الدور الذى ينبغى أن يقوم به الكاتب يتجلى فى تطوير ثقافته وقراءاته فى علم النفس الاجتماعى بوجه خاص، ليستطيع معالجة موضوعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشكلات التى يواجهها ذوو الإعاقة.
وأضاف أنه ينبغى أن يضطلع بهذه المهمة كتاب مسرح الطفل، لأن هذا النوع من المسرح يتطلب أيضًا وعيًا كبيرًا وكاملًا بكيفية التعامل مع الأطفال بشكل عام، فما بالك لو كان طفلًا من ذوى الإعاقة؟
وأكد أن على النقاد تبنى فكرة تقديم أعمال فى هذا الإطار، ومساعدة الكتاب فى تحديد الأسس الفنية التى تساعدهم على تحقيق الأهداف المرجوة، ومواكبة الأعمال حتى يتم تقديمها على خشبة المسرح من أجل تطويرها وصولًا إلى الاكتمال، إذا أمكن ذلك.
واختتم حديثه بالتأكيد على أنه لكى يقدم المسرح أعمالًا عن ذوى الإعاقة تجمع بين القيمة الفنية والتأثير المجتمعى، فإنه من الضرورى الانتقال من فكرة التعاطف إلى بناء منظومة متكاملة بالتركيز على الموهبة واكتشافها، بعيدًا عن فكرة التعاطف السطحى، وضرورة مشاركة ذوى الإعاقة أنفسهم فى طرح الأفكار والحديث عما يشعرون ويحسون به.
وأوضح أن ذلك يتم من خلال حوار مجتمعى منظم، أو من خلال ندوات للوصول إلى المشكلات الحقيقية التى يواجهونها من أجل تغييرها.

تامر فؤاد: ذوو الهمم قادرون على الإبداع والمنافسة
وأوضح المخرج تامر فؤاد أن رسالته الأساسية هى أن الإنسان هو البطل، وليست الإعاقة، مؤكدًا: «لم يكن هدفى يومًا تقديم عروض تستجدى التعاطف، بل تقديم مسرح حقيقى يحترم عقل الجمهور، ويثبت أن الفنان من ذوى الهمم قادر على الإبداع والمنافسة إذا أُتيحت له الفرصة الحقيقية».
وأشار إلى أنه أراد أن يغيّر الصورة النمطية التى تحصر ذوى الهمم فى دور المتلقى للمساعدة، ويقدمهم كصُنّاع للفن، يمتلكون الموهبة والقدرة على التأثير، موضحًا أن عروض فرقة «كالوس المسرحية» تقوم على الدمج الحقيقى، حيث يقف الجميع على خشبة المسرح وفق معيار واحد فقط: جودة الأداء الفنى.
وأضاف: «أسعى من خلال أعمالى إلى فتح حوار مع المجتمع حول قضايا المساواة، والكرامة الإنسانية، وحق كل إنسان فى أن يُرى ويُسمع ويُمنح فرصته كاملة، بعيدًا عن الشفقة أو التمييز، فالمسرح بالنسبة لى ليس وسيلة للترفيه فقط، بل أداة لبناء الوعى، وتغيير الأفكار، وإثبات أن الاختلاف مصدر قوة وإبداع».
وأكد أن رسالته فى جملة واحدة: «لا أقدم مسرحًا عن ذوى الهمم، بل أقدم مسرحًا يصنعه فنانون، وتكون الموهبة فيه هى البطل الحقيقي».
وأوضح أن المسرح من أقوى أدوات الدمج المجتمعى، لأنه يجمع الناس فى مساحة واحدة، ويجعلهم يعيشون التجربة الإنسانية بعيدًا عن الأحكام المسبقة، مشيرًا إلى أنه عندما يشاهد الجمهور ممثلًا من ذوى الهمم يقدم أداءً احترافيًا ومؤثرًا، فإنه يتوقف عن رؤية الإعاقة، ويرى الفنان والإنسان.
وأكد أن الدمج الحقيقى لا يتحقق بالشعارات أو المبادرات المؤقتة، بل بالعمل المشترك والإنتاج الفنى الذى يضع الجميع على قدم المساواة، وهذا ما تسعى إليه فرقة «كالوس المسرحية»، حيث يعمل الفنانون من ذوى الهمم وغيرهم معًا داخل فريق واحد، ويتدربون ويبدعون ويصعدون إلى خشبة المسرح وفق معايير فنية واحدة.
وأشار إلى أن المسرح يستطيع أن يغيّر نظرة المجتمع، لأنه يخاطب العقل والوجدان فى الوقت نفسه، موضحًا أنه عندما يخرج المشاهد من العرض وهو يحمل احترامًا أكبر لقدرات الآخرين، ويؤمن بحقهم فى المشاركة والإبداع، نكون قد حققنا رسالة المسرح الحقيقية.
واختتم حديثه، قائلًا: «الدمج لا يبدأ من خشبة المسرح، بل يبدأ من تغيير نظرة الإنسان للإنسان، والمسرح هو أفضل مكان لبدء هذا التغيير».

وفاء الحكيم: مسرح الشمس لم يكن اسما بل مشروعا يحمل رسالة 
أكدت وفاء الحكيم أن المسرح لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى رؤية حقيقية تُترجم إلى عمل على أرض الواقع، مؤكدة أن مسرح الشمس كان تجسيدًا عمليًا لهذه الرؤية عنوانها الأمل والطموح.
وأوضحت أن اسم «الشمس» لا يرتبط بها شخصيًا، وإنما يرمز إلى أبطال المشروع، أو «أولاد الشمس»، الذين أثبتوا بإرادتهم وموهبتهم أن الفن قادر على اكتشاف الطاقات، وصناعة الأمل، وتحويل الأحلام إلى إنجازات حقيقية.
وأضافت أن المشروع لم يبقَ فكرة أو خطة على الورق، بل تحول إلى تجربة ناجحة حققت إنجازات محلية ودولية، حيث حظى بتكريم من سفارة الأرجنتين إلى جانب تسع سفارات أخرى وثلاث وزارات، كما مثّل مصر فى عدد من الدول الأوروبية، وشارك فى مهرجانات دولية، وحقق نجاحات فى الولايات المتحدة الأمريكية وصربيا وفرنسا وإسبانيا، مؤكدة أن هذه الإنجازات خير دليل على نجاح المشروع.
وشددت على أن نجاح تجربة مسرح الشمس لا يعنى قصر دمج ذوى الإعاقة عليه، بل يجب أن تمتد التجربة إلى مختلف المسارح، بحيث تصبح مشاركة الفنانين من ذوى الإعاقة أمرًا طبيعيًا كلما اقتضت طبيعة العمل ذلك، مؤكدة أن معيار الاختيار يجب أن يكون الموهبة والكفاءة وملاءمة الفنان للدور، لا نوع الإعاقة، لأن الفن لا يعترف إلا بالإبداع.
وأوضحت أن وجود مسرح متخصص لذوى الإعاقة لا يتعارض مع فكرة الدمج، بل يكملها، لأنه يمنحهم مساحة لطرح قضاياهم والتعبير عن تجاربهم بأنفسهم.
وأضافت أنه إذا تناول العرض قضية ترتبط بنوع معين من الإعاقة، فمن الطبيعى أن يجسدها فنان من أصحاب هذه التجربة، لما يضفيه ذلك من صدق ومصداقية على العمل الفنى.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أنها لا تؤمن بالمشاركة الشكلية أو التمثيل لمجرد استكمال الصورة، لأن ذلك يحول الدمج إلى التزام ظاهرى ويفقده قيمته الفنية والإنسانية، مؤكدة أن الدمج الحقيقى يقوم على إتاحة الفرص المتكافئة، وأن تكون مشاركة الفنانين من ذوى الإعاقة نابعة من احتياجات العمل الفنى، بما يضمن تقديم أعمال أكثر صدقًا وتأثيرًا، ويؤكد أن المسرح قادر على احتضان الجميع دون تمييز.

محمد متولى: ذوو الهمم قادرون على الإبداع
أشار محمد متولى إلى أن رسالة مسرح الشمس واضحة فى تغيير نظرة المجتمع تجاه ذوى الهمم، موضحًا أن المسرح يحاول تغيير هذه النظرة، ويسلط الضوء على قضايا التنمر، مؤكدًا اهتمام مسرح الشمس وإدارته بهذا الملف.
وأوضح محمد متولى أن مسرح الشمس كان فى المنصورة مؤخرًا، وفى العام الماضى كان فى دمنهور ومحافظات أخرى، من أجل التأكيد على أن ذوى الهمم موجودون، ولديهم مواهب وحياة وقدرات خاصة، وكيفية تطوير هذه القدرات.
وأشار إلى أن هذا العام شهد مشاركة مسرح الشمس فى المهرجان القومى للمسرح فى المنصورة، من خلال ورشة لمدة ثلاثة أيام بعنوان «بنكمّل بعض»، موضحًا أن اسم الورشة يحمل معنى أن الجميع يكمل بعضه بعضًا، قائلًا: «نحن وذوو الهمم فى كل شيء، فنحن نستفيد منهم وهم يستفيدون منا، ولديهم قدرات قد لا تكون لدينا، ولدينا قدرات قد لا تكون لديهم، وفى النهاية نحن نكمل بعضنا بعضًا»، مؤكدًا أن اسم الورشة كان يحمل معنى كبيرًا جدًا.
وأضاف أن مسرح الشمس سبق أن نظم ورشًا، منها ورشة للأستاذ أحمد مختار، وورشة «اختار دورك»، وورشة «الرقص فوق السحاب» للأطفال الذين يمكنهم تعلم الرقص المعاصر مع فؤاد، إلى جانب ورشة فى الرقص، وورشة فى الموسيقى مع الدكتور محسن صادق، موضحًا أن هذه مجموعة من الورش التى يحاول المسرح من خلالها تغيير نظرة المجتمع إلى ذوى الهمم، مؤكدًا أن التغيير لا يحدث بشكل جذرى، ولكنه يتغير تدريجيًا.
وأكد أن هناك اليوم كثيرين يؤمنون بأن ذوى الهمم لديهم قدرات خاصة، وأنهم قادرون على الإبداع فى شتى المجالات، سواء فى الكتابة أو الموسيقى أو التمثيل أو مجالات أخرى كثيرة.
وأشار إلى أنه دائمًا ما يضرب مثالًا بطه حسين، قائلًا: «طه حسين من ذوى الهمم، فاقد البصر، ولكنه كان عميد الأدب العربى، وقرأ وترجم، وكان يتقن الفرنسية والعربية، وقرأ وحلل وكتب روايات، وعمل أشياء كثيرة جدًا ربما لا يستطيع أى شخص آخر القيام بها. وكذلك سيد مكاوى، الملحن العظيم الذى أبدع لنا «الليلة الكبيرة»، وهذا أحد أعماله فقط، من بين 200 أو 300 عمل قدمها. وكذلك عمار الشريعى، وغيرهم وغيرهم».
وأوضح أن هذا كان موضوع مسرحية «الحكاية روح»، وهى أول مسرحية قدمها فى مسرح الشمس عام 2018، وفازت بالمركز الأول أو كأفضل عرض فى مسابقة دولية، إلى جانب جائزتين فى المهرجان القومى.
وأكد أن ذوى الهمم يمثلون حوالى 10% من تعداد الشعب المصرى، أى حوالى 11 مليونًا، مشيرًا إلى أن الدولة تهتم بهم خلال الفترة الأخيرة، لكن المشوار لا يزال طويلًا جدًا.
وشدد على أن الوزارة تدعم هذا الملف بشكل كبير، وأن الرئاسة تدعم الملف أيضًا، موضحًا أن الاهتمام بذوى الهمم خلال الفترة الأخيرة يرجع إلى اهتمام الرئاسة بهذا الملف.
وأضاف: «لأول مرة نشاهد رئيس الجمهورية موجودًا فى «قادرون باختلاف»، وموجودًا لقضاء يوم مع أبنائنا من ذوى الهمم، وهذا أحدث أشياء كثيرة جدًا».
وأكد أن وزارة الثقافة تهتم بذوى الهمم من خلال مسرح الشمس، وكذلك الثقافة الجماهيرية، إلى جانب مجالات أخرى، مشيرًا إلى أن المهرجان القومى للمسرح قدم هذا العام، لأول مرة، ورشًا فنية لذوى الهمم، كان مسؤولًا عنها هو ومجموعة من الزملاء، وذلك فى المنصورة.
واختتم حديثه، قائلًا: «أتمنى فى الفترة المقبلة أن يكبر الموضوع أكثر وينتشر أكثر، وأن نجدهم موجودين بيننا بشكل أكبر، وناجحين أكثر ومتفوقين دائمًا».

أميرة شوقي: ذوو الإعاقة لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم بل يحتاجون إلى من يمنحهم المساحة ليعبروا عن أنفسهم
قالت المخرجة أميرة شوقى: «أحيانًا يختار الإنسان طريقه، وأحيانًا الطريق هو الذى يختاره».
وتقول إنه بالنسبة لها لم يكن مسرح الأشخاص ذوى الإعاقة مشروعًا فكرت فيه على مكتب، أو تخصصًا قررت العمل فيه لأنه مختلف، وإنما كان قدرًا جميلًا غيّر حياتها كلها.
وأضافت: «قبل أن أصبح أمًا لطفل من ذوى الإعاقة، كنت أتعامل مع القضية بمنظور إنساني؛ كنت أرى أن لهم حقوقًا يجب أن تُصان، وأن الفن يجب أن يفتح أبوابه للجميع. لكن بعد ميلاد ابنى، لم تعد القضية فكرة أو موقفًا، بل أصبحت حياة كاملة أعيشها كل يوم. رأيت المجتمع من زاوية لم أكن أراها، واكتشفت حجم التحديات التى تواجه الأسر، ليس بسبب الإعاقة نفسها، وإنما بسبب نظرة المجتمع، وقلة الفرص، وغياب الإتاحة الحقيقية».
وأشارت إلى أنه فى تلك اللحظة أدركت أن دورها كمخرجة لا يجب أن يقتصر على تقديم عروض مسرحية، بل أن تستخدم المسرح كأداة لتغيير الوعى، مؤكدة: «لم أعد أبحث عن عمل ناجح فنيًا فقط، وإنما عن عمل يترك أثرًا فى الإنسان، ويعيد تعريف معنى الاختلاف، ويؤكد أن الإبداع لا يرتبط بجسد أو تشخيص طبى، وإنما يرتبط بالروح والقدرة على التعبير».
وأضافت: «ومن هنا بدأت رحلتى، رحلة تحولت مع السنوات إلى مشروع حياة، وإلى قناعة راسخة بأن المسرح ليس خشبة وعرضًا وجمهورًا فقط، بل مساحة للكرامة، وللحق فى الوجود، ولإعادة اكتشاف الإنسان».
وقالت: «أقول دائمًا إن أصعب ما واجهته لم يكن الأشخاص ذوو الإعاقة، بل الأفكار المسبقة عنهم. كان علينا أن نقنع البعض بأن هؤلاء ليسوا ضيوفًا على المسرح، وليسوا مجرد حالة إنسانية تستحق التصفيق، وإنما فنانون يمتلكون طاقات حقيقية إذا وجدوا التدريب والوقت والإيمان بقدراتهم».
وأضافت: «واجهنا تحديات كثيرة؛ نقص الإمكانيات، وغياب المسارح المهيأة، وضعف التمويل، وقلة الكوادر المتخصصة، لكن التحدى الأكبر كان تغيير الثقافة نفسها. كنت أرفض أن يتحول المسرح إلى مساحة لاستدرار التعاطف، لأننى أؤمن أن الفن الحقيقى لا يطلب الشفقة، وإنما يفرض الاحترام».
وأكدت أنها كانت تتعامل مع المشاركين باعتبارهم فنانين أولًا، لكل واحد منهم طريقته الخاصة فى التعلم والتعبير، موضحة: «كنا نعيد صياغة أدوات التدريب، ونبتكر أساليب إخراج تناسب قدراتهم، دون أن نتنازل عن القيمة الفنية للعمل. وكنت أؤمن أن الجمهور عندما يشاهد عرضًا صادقًا ومتماسكًا، فإنه ينسى تمامًا تصنيف «ذوى الإعاقة»، ويرى أمامه ممثلًا حقيقيًا».
وأضافت: «هذه هى المعركة التى أخوضها منذ سنوات؛ أن ننتقل من ثقافة الرعاية إلى ثقافة الشراكة، ومن فكرة الاحتواء إلى فكرة الاستحقاق».
وأكدت أميرة شوقى، قائلة: «والمسرح هو أحد أجمل هذه المساحات، لأنه يمنح الإنسان صوته، وثقته، وحقه فى أن يكون حاضرًا ومرئيًا».
وأشارت إلى أنها تحلم بمسرح لا يُقسِّم الناس إلى فئات، ولا يقدم عروضًا تحمل عنوان «ذوى الهمم» باعتبارها استثناء، وإنما يكون وجود الأشخاص ذوى الإعاقة على خشبته أمرًا طبيعيًا، لأن الفن الحقيقى لا يعرف الإقصاء.
وأكدت: «وأؤمن أن الدمج ليس شعارًا يُرفع فى المؤتمرات، بل ممارسة يومية تبدأ من إتاحة المكان، وتطوير المناهج، وتأهيل الفنانين، وإيمان المؤسسات الثقافية بأن التنوع قوة وليس عبئًا».
وقالت: «لذلك كرست سنوات من عمرى لتأسيس تجربة متخصصة فى المسرح مع الأشخاص ذوى الإعاقة، من خلال مؤسسة الشكمجية ومختبر أميرة شوقى الدائم للفنون، لأننى أؤمن أن التغيير الحقيقى لا يحدث بخطاب مؤثر، وإنما بالعمل المستمر، وبصناعة نماذج ناجحة تستطيع أن تقول للمجتمع: انظروا إلى الإنسان قبل أن تنظروا إلى إعاقته، وانظروا إلى موهبته قبل أن تنظروا إلى اختلافه».
واختتمت أميرة شوقى حديثها، قائلة: «وأعتقد أن رسالتى فى النهاية ليست عن الأشخاص ذوى الإعاقة وحدهم، بل عن المجتمع كله؛ لأن المجتمع الذى يمنح الجميع فرصة عادلة للإبداع، هو مجتمع أكثر عدلًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على المستقبل».


إيمان عبدالعزيز