«النص التانى من الطريق» يفتتح مشروع «القراءة المسرحية»

 «النص التانى من الطريق» يفتتح مشروع «القراءة المسرحية»

العدد 985 صدر بتاريخ 13يوليو2026

انطلق مشروع «القراءة المسرحية» كأحد أهم الابتكارات الثقافية التى تزين أجندة الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومى للمسرح المصرى، مشكلًا حلقة وصل حيوية تمنح النصوص المتميزة فرصة الظهور وتحتفى بأصحاب القلم المسرحى. هذا المشروع لا يقف عند حدود التوثيق، بل يمثل ركيزة عملية يسعى المهرجان من خلالها إلى دعم الإبداع المكتوب وتطوير أدوات الممثل. ?
وقد أقام المهرجان القومى للمسرح المصرى، برئاسة الفنان محمد رياض، أولى عروض هذا المشروع من خلال قراءة النص الفائز بجائزة التأليف المسرحى «النص التانى من الطريق» للكاتب أحمد رجائى، ومن إخراج الدكتور أيمن عبد الرحمن، وذلك بقاعة سينما الحضارة بدار الأوبرا المصرية، وسط إشادة جماهيرية ونقدية واسعة فى ليلته الأولى، وبحضور الفنان محمد رياض، والمخرج وائل إحسان، والناقد محمد الروبى، والمخرج أشرف فاروق، والمخرج جمال قاسم. ?
العرض من بطولة: سعيد صديق، وأحمد مختار، ورشا سامى، ومحمد سعيد، وخلود عادل، وأيمن إسماعيل، ومحمود فارس، ووليد أدفاوى، وسارة الشرقاوى، وشيماء ربيع، وريم العزب، والطفل أحمد مروان. كما شارك الفنان ماهر عبيد بالغناء، ووضع الموسيقى عبد السلام شاكر، والألحان ليالى، بمساعدة المخرج إبراهيم كامل. ?
النصف التانى من الطريق درامى يغوص فى أعماق النفس البشرية من خلال رحلة بطلها «وحيد»، الممثل الشاب الذى يحاول شق طريقه فى عالم الفن والمسرح. ?
يأخذ العرض الجمهور فى تجربة موازية بين زمنين؛ حيث تتداخل أحلام «وحيد» وتطلعاته الشخصية وعلاقته بحبيبته «سهر»، مع ذكريات جده الفنان المخضرم الذى يمثل مرجعية فنية وإنسانية للبطل. من خلال كواليس البروفات المسرحية، يطرح العرض تساؤلات حول «منطقة الإيهام» فى التمثيل، وأهمية أن يخرج الأداء من القلب ليصدقه الجمهور، مستلهمًا روح أعمال كبار الكتاب مثل شكسبير ونجيب سرور وسعد الله ونوس. ?
تتسم المسرحية ببناء درامى يتأرجح بين الواقع والخيالات، وتدور حول الصراع بين التمسك بالمبادئ والأحلام وبين ضغوط الواقع، متخذة من خشبة المسرح فضاءً للتحرر واكتشاف الذات. يعكس النص رحلة بحث «وحيد» عن هويته الفنية والشخصية، فى محاولة لفهم دوافع الإنسان خلف كل كلمة وموقف، وسط أجواء فنية تستدعى التراث القصصى والشعبى.
النص التانى من الطريق» ليس مجرد عرض مسرحى، بل هو تأمل فى علاقة الأجيال ببعضها، وإسقاط على قدرة الفن على ملامسة جوهر الحقيقة، فى رحلة إبداعية تدعو المشاهد ليعيش مع أبطالها صراعهم، نجاحهم، وحتى انكساراتهم. إلتقينا ببعض أبطال العرض لنتعرف من خلالهم على الشخصيات التى قدموها بالعرض: ?
رؤية وفلسفة الدكتور أيمن عبد الرحمن لمشروع القراءة المسرحية 
?تحدث الكاتب المسرحى والسيناريست الدكتور أيمن عبد الرحمن لنتعرف على ركائز هذا المشروع ورؤيته التى يقدمها من خلاله، حيث قال: «بدأت فكرةُ القراءةِ المسرحيةِ حين كانت هناك بعضُ العروضِ لم تكتمل، فقرَّر الممثلون أن يقرؤوا النصوص. وليس هناك شيءٌ مُثبَتٌ أو مُسجَّلٌ فى علوم المسرح أو الفنون المسرحية يفيد بأنَّ للقراءةِ المسرحيةِ قواعدَ محددة. وفيما مضى، عندما كنَّا طلابًا بالمعهد العالى للفنون المسرحية، كنَّا نقوم بقراءة النصوص ونحن جالسون». ?
وتابع عبد الرحمن قائلًا: «فكرتى مختلفةٌ فعلًا؛ فعلاقتى بهذا الأمر كانت علاقةَ طالبٍ يدرس بمعهد المسرح مع أستاذ، وحاليًا أصبحتُ أقدِّم نصوصًا للجمهور. وعندما يصبح هناك جمهور، يختلف الأمر كليًا؛ فدورى يتمحور فى جعل الجمهور يستمتع ولا يملّ، ويتابع بشغفٍ القراءةَ المسرحية». ?
وأضاف: «القراءة المسرحية، من وجهة نظرى، ليس لها قواعد محددة فى طريقة تقديم النصوص؛ فيمكن لفنانٍ آخر أن تكون له رؤية مختلفة فى تقديمها، وهو أمر وارد بشكل كبير. فهى مجال مفتوح وخصب جدًا لتقديم العروض بميزانيات ضئيلة، أو بدون أى ميزانية، أو دون عناصر أخرى كالديكور أو الإضاءة؛ إذ قد تستعرض مواهب الممثلين والنص القوى المكتوب وأشار إلى أن الفنان محمد رياض تحمس للفكرة باعتبارها دعمًا عمليًا للكتاب الجدد، متوقعًا أن يحقق مشروع القراءة المسرحية انتشارًا واسعًا إذا نُفذ كما خُطط له وحقق النجاح الجماهيرى، خاصة أن المهرجان القومى يعد رائدًا للمهرجانات العربية، وما يقدمه يفتح الطريق أمام تجارب مشابهة». ?
وعن مميزات القراءة المسرحية أوضح عبد الرحمن أن هذه النوعية من العروض تمتاز بإمكانية عرضها فى أى مكان؛ فمن الممكن أن تُقدَّم العروض فى قاعة،. كما يمكن تقديم عرض فى أحد الأماكن التى لا تحتوى على إضاءة، وحينها يتم الاستغناء عن عنصر الإضاءة، مع التركيز الأكبر على وصول الصوت بشكل جيد إلى الجمهور». ?
وتابع أن القراءة المسرحية تشترك مع الإذاعة فى أنها تسمح بإطلاق العنان لخيال المتفرج، مشيرًا إلى أن ما حمسه لتقديم مشروع متكامل فى المهرجان القومى للمسرح، مع تحمس كبير من الفنان محمد رياض رئيس المهرجان، أن عددًا كبيرًا ممن شاهدوا مسرحية «قارون» والتى قدمها سابقًا كقراءة مسرحية قالوا إنهم شاهدوا الديكور والملابس، رغم أنه لم يكن هناك أى شيء من هذه العناصر موجودًا على خشبة العرض. ?وأضاف أنه يعتقد أن المشروع سيكون دعوة لكل مؤلف لديه نص مسرحى جيد وجذاب، ليحصل على فرصة لتعريف الناس به من خلال القراءة المسرحية. وعن الهدف الثقافى والفنى من مشروع القراءة المسرحية، قال إنها فرصة نادرة لاكتشاف نصوص جديدة، كما تتيح للمخرجين والجهات الإنتاجية اكتشاف نصوص كانت حبيسة الأدراج، وتمنح الممثلين الذين لا يقدمون عروضًا مسرحية فرصة جيدة لاستعراض إمكانياتهم فى الكتابة المسرحية. ?
وعن كواليس المشروع وأعداد المتقدمين، أوضح عبد الرحمن أنه قد رُشح لمشروع القراءة المسرحية ثمانية نصوص وهى النصوص التى فازت فى مسابقة التأليف التى اقامها المهرجان القومى للمسرح و يتمنى أن يقدمها كلها، وقد تقدم للمشروع ما يقرب من 75 متقدمًا، بينما حضر الاختبارات الخاصة به ما يقرب من خمسين متدربًا. وقدم أول العروض 8 متدربين، ما بين تمثيل أو مساعدة فى الإخراج، أما باقى الممثلين فى القراءة المسرحية فهم ممثلون محترفون أو شبه محترفين، ولم يحضروا الاختبارات الخاصة بالمشروع. وأضاف أن المهرجان طبع خلال السنوات الماضية تسع مسرحيات فائزة، بواقع ثلاث مسرحيات سنويًا، غير أن الطباعة وحدها لا تكفى، إذ يجب تقديم النصوص والكتاب للجمهور بصورة عملية. ?
شهادات وانطباعات من كواليس التجربة الرائدة 
?رصد لنا صناع وأبطال العرض أبعاد تجربتهم والشخصيات التى قدموها تحت مظلة هذا الرهان الفنى الجديد: ?
القراءة المسرحية كعرض متكامل ينبض بالحياة 
?أشاد الفنان القدير سعيد صديق بمشاركته فى العرض، قائلًا: «إنها تجربة متميزة على المستوى المسرحى، وتجربةٌ يُبنى عليها فيما بعد. وهذا النوع من العروض أقرب إلى العرض المسرحى المتكامل، باستثناء بعض المفردات كـ ‹الديكور والإضاءة›. وبالنسبة لى، فقد أديتُ العرض حفظًا عن ظهر قلب، وسعدتُ كثيرًا بهذه التجربة على المستويين الشخصى والفنى». ?

«شمس» وجهان لامرأة واحدة بين ظلم الجد وحقيقة المظلومة ?
أعربت الفنانة رشا سامى عن حماسها لتجسيد هذه الشخصية الثرية قائلة: «قدمت شخصية (شمس)، وهى نموذج إنسانى معقد نراه عبر وجهتى نظر متناقضتين تمامًا؛ فالأولى يرسمها (الجد)، حيث يقدمها للجمهور كشخصية وصولية، مادية، طماعة، تسعى وراء الشهرة والمسرح وتتخلى عن حبيبها من أجل تطلعاتها الواسعة». ?
وتابعت رشا كاشفةً الجانب الآخر من الشخصية: «لكن مع تدفق الأحداث، نكتشف الحقيقة الصادمة؛ فـ (شمس) فى جوهرها امرأة رقيقة ومخلصة للغاية، ضحت بحلمها الإبداعى من أجل الاستقرار الأسرى وحماية ابنها الصغير. يظهر هذا التناقض بوضوح عندما تذهب للحفيد لتروى له الرواية الحقيقية من منظورها، مبينةً كيف حُرمت من حبيبها وابنها وحفيدها، وتعرضت لظلم شديد من قِبل زوجها (الجد وحيد) الذى حرمها من خشبة العرض رغم كونه يعمل بالمجال ذاته». ?وعن الصعوبات الفنية التى واجهتها، أوضحت رشا: «أبرز التحديات تمثل فى كيفية التلاعب بوعى المشاهد؛ فكان عليّ تجسيد الشخصية فى البداية بناءً على الصورة الذهنية المشوهة التى نقلها الجد، ثم الانتقال بسلاسة لإثبات براءتها وحقيقتها الإنسانية العميقة المليئة بالتقلبات والمشاعر الصادقة. وقد تحول نص القراءة المسرحية بفضل طاقة الممثلين وأدائهم الحى إلى عرض ينبض بالحياة على الخشبة». ?
«النص التانى من الطريق» جسر عودتى وخزانة أحلامى المؤجلة ?
عبر الفنان محمود فارس عن سعادته البالغة بالعودة إلى خشبة المسرح بعد غياب دام 25 عامًا مشيرًا إلى أن آخر عرض شارك فيه كان فى أوائل الألفينيات على مسرح الريحانى، برواية من تأليف الكاتب الكبير لينين الرملى وإخراج المخرج الراحل محسن حلمى، وبطولة النجوم: عبلة كامل، وممدوح وافى، ورانيا فريد شوقى. ?
وعبّر فارس عن فخره واعتزازه بتقديم العرض الجديد «النص التانى من الطريق» فى أعرق الصروح الفنية «دار الأوبرا المصرية»، وضمن فعاليات «المهرجان القومى للمسرح المصرى»، الذى يمثل علامة مضيئة فى الفن العربى منذ ما يقرب من 19 عامًا، كما أبدى سعادته الكبيرة بتجديد التعاون والوقوف مجددًا مع الفنان أيمن إسماعيل، أحد أبطال العرض. ?وأشاد فارس بالفنان محمد رياض، رئيس المهرجان، واصفًا إياه بأنه «فخر للفن المصرى»، مثمنًا دعمه الدائم ومساندته المستمرة للفريق خلال مراحل البروفات، وتذليله لجميع العقبات التى واجهتهم. وعن كواليس العمل، أوضح فارس أنه تعلم الكثير من مؤلف العرض الدكتور أيمن عبد الرحمن، الذى راهن عليه فى تقديم أدوار مركبة، كما أشاد بالتعاون مع المخرج أحمد مختار، والفنانين: رشا سامى، وخلود عادل، ومحمد سعيد. ?
وأضاف فارس أن هذا العرض حقق له جزءًا كبيرًا من أحلامه الفنية التى طالما تمنّاها طوال رحلته؛ حيث جسد شخصية «سعيد»، البطل الرئيسى الذى يقدم شخصية «هاملت»، بالإضافة إلى دور «قيس» فى «مجنون ليلى» أمام الفنانة رشا سامى التى تميزت فى دور «ليلى»، وأشار إلى أن هذا الرهان كان مقلقًا له فى البداية؛ نظرًا لأن الجمهور اعتاد عليه فى قالب معين عبر السينما والتلفزيون، رغم أن مسيرته الأولى كانت فى المسرح واستمرت لنحو 11 عامًا قبل الانتقال للشاشة. ?
وعن أبرز التحديات، أشار فارس إلى أن العرض ينتمى إلى «عروض القراءة المسرحية»، وهو نوع يعتمد فيه الممثل على القراءة من النص مباشرة أمام الجمهور، قائلًا: إن تعدد الشخصيات والدخول والخروج من حالة لأخرى مع الإمساك بالنص يمثل تحديًا ذهنيًا وجسديًا كبيرًا؛ لأن العقل البشرى معتاد على أن يكون الحوار داخليًا وينطلق مع المشاعر تلقائيًا. واختتم فارس حديثه مؤكدًا أن النجاح المدهش للعرض فاق كل توقعاته، مشيدًا بتميز عناصر السنوغرافيا والحركة الفنية فيه، وموضحًا أن من أهم مكاسب هذه التجربة الرائدة هى إمكانية إنتاج أعمال كثيرة ومتنوعة بهذا الأسلوب؛ نظرًا لقيمتها الفنية العالية وتكلفتها الإنتاجية البسيطة التى تعتمد بشكل أساسى على خشبة المسرح والممثل، معلنًا عن حماسه لتقديم تجارب مشابهة مستقبلًا، وقرب إعادة عرض «النص التانى من الطريق» مجددًا. ?

«الجد الأصغر» لعبة المرايا بين المثالية الزائفة والنرجسية الخفية ?
قال الفنان والمخرج والسيناريست أيمن إسماعيل: «أقدم شخصية «الجد الأصغر» لوحيد من خلال الرحلة التى تدور فى عقل وحيد، والتى يجمع فيها ما بين الماضى والحاضر. هذا الجد عاش مع وحيد وهو يغير أشياء فى الحقيقة حتى يظهر وكأنه رجل مثالى أمام حفيده، ولكن مع ظهور الجدة تتضح أمور كثيرة، منها أن هذا الجد كان سببًا فى ضياع حبها الأول، وكان نرجسيًا وكان يعشق امتلاك الأشياء. ومن أبرز الصعوبات التى واجهتنى فى هذا الدور عدم تشابهى مع الأستاذ الفنان سعيد صديق فى الملامح والجسم، ولكن تحايلنا على هذا الأمر بأن معظم الرجال عندما يتقدمون فى العمر يصبحون أقصر فى القامة، واستطعنا الخروج من هذا المأزق». ?
وعن أبرز ما جذبه فى الشخصية قال: «إن ما جذبنى للشخصية أن العمل من إخراج الدكتور أيمن عبد الرحمن، والدكتور أيمن عملت معه سابقًا ولكن كمؤلف، فقد كنت أشارك فى أحد المسلسلات من تأليف الدكتور أيمن عبد الرحمن، وهو صديق لى وأعرفه جيدًا على كل المستويات، وهو رجل ذو رؤية جميلة سواء فى الكتابة أو الإخراج أو التمثيل، وأثق به ثقة كبيرة. عندما قرأت الشخصية أحببتها وتحمست لها جدًا ووافقت على الفور». ?
وعن أبرز ما يميز عروض القراءة المسرحية أوضح إسماعيل: «تتميز هذه العروض بأنها غير مكلفة وسهل تقديمها فى أى مكان، عروض لا تحتاج إمكانيات كبيرة، فقط تحتاج إلى نص وإلى ممثلين ومخرج يستطيع توصيل رؤيته من خلال إمكانيات بسيطة، ويمكنه جعل المشاهد يصل لحالة أن ينسى أن الممثلين يمسكون النصوص فى أيديهم ولا يرتدون ملابس الشخصية».
جدير بالذكر أن عرض «النص التانى من الطريق» قدم على مسرح سيد درويش ومسرح نهاد صليحة.
 


همت مصطفى