«يا ناسينى».. حين يصبح الخوف أشد من العقاب

«يا ناسينى»..   حين يصبح الخوف أشد من العقاب

العدد 977 صدر بتاريخ 18مايو2026

فى إطار عروض مهرجان Master Scene وضمن أجواء مليئة بالتجارب الشابة التى سعت إلى كسر القوالب التقليدية، جاء عرض «يا ناسيني» للمخرج سعيد سالمان كواحد من العروض التى تحاول أن تضع المتفرج داخل حالة إنسانية مأزومة. هذا المهرجان فتح المجال أمام رؤى إخراجية جريئة مشتبكة مع قضايا معاصرة، فكان العرض يكشف بهدوء عن عالم داخلى مضطرب لامرأة تبحث عن متنفس. ولا يعتمد العرض على الإبهار البصرى بل على بساطة الأدوات وصدق اللحظة ليصنع تجربة شعورية تتسلل إلى المتلقى وتتركه أمام سؤال لا يبدو أن له إجابة سهلة.
تبدأ الحكاية بظهور امرأة تدعى فاتن تسير تحت المطر فى لحظة تحمل قدرًا من الحرية والبهجة، وبعدها حدث انقلاب سريع تحول إلى مصدر تهديد حين تظهر امرأة تعرف سر علاقة فاتن برجل آخر وتضعها تحت ضغط الابتزاز. وبعدها تعود فاتن إلى بيتها تحاول استعادة إيقاعها الطبيعى لكن ارتباكها مسيطر عليها، وذلك فى حضور زوجها كمال (سعيد سالمان) وكان توتر فاتن يملأ المكان فى صورة إجابات غير متماسكة، حركات مرتبكة، ومحاولات مستمرة للهروب من أى مواجهة مباشرة. وفى الحوار الذى دار بينهما تنكشف ملامح حياة يغلب عليها التكرار، وعندما تقف أمام النافذة متأملة عالمًا ساكنًا لا يتغير وهذه صورة تعكس حالتها الداخلية أكثر مما تصف الخارج.
ثم بدأت تسترجع معرفتها بفريد بفلاش باك، وهو الرجل الذى جذبها لعالم مختلف أكثر حرية وأقل خضوعًا للروتين، لتتضح تدريجيًا طبيعة الصراع الذى تعيشه. تصل الأزمة إلى ذروتها مع عودة المرأة التى تبتزها إلى داخل منزل فاتن نفسه، حيث تفقد فاتن قدرتها على السيطرة مع ارتباك متزايد وكلام متناقض وذلك بجانب رؤية كمال لاختفاء خاتم الزواج الذى أعطته فاتن لتلك المرأة حتى لا تفضح أمر خيانتها، ويبدأ الشك فى التحول إلى مواجهة مؤجلة بين فاتن وكمال إذا لم تسترجع الخاتم، ويختار العرض أن يترك النهاية مفتوحة دون حسم، مكتفيًا بوضع الجميع أمام لحظة صامتة أثقل من أى اعتراف.
فلا يضعنا العرض أمام خيانة بقدر ما يضعنا داخل حالة ارتباك ممتد. فاتن لا تبدو امرأة تخطط لشىء بل تبدو وكأنها تنجرف إليه. كل تصرفاتها تكشف عن صراع داخلى لم يعد من الممكن إخفاؤه بداية من التلعثم فى الكلام إلى تناقض ردودها،. بجانب أنها لا تواجه بل تؤجل اعترافها بما تفعله وتلتف حول الحقيقة كأنها تخشى أن تراها بوضوح.
خوفها أيضًا يمثل خوف من احتمال انكشاف السر بجانب الخوف من فقدان ما اعتادت عليه، حتى لو كان هذا الاعتياد خانقًا لها. وكمال رغم ان حضوره هادئ ولا يبدو تهديدًا مباشرًا، ومع ذلك يظل مصدر ضغط ليس لأنه قاسٍ ولكن لأنه يمثل النظام والثبات. وبهذا يصبح وجوده كافيًا لخلق توتر دائم حتى فى أبسط اللحظات. أما عن فريد فهو رجل آخر جذبها لحياة مختلفة تمامًا قائمة على الحركة والاختيار وكسر النمط. انجذاب فاتن إليه لا يبدو قائمًا على الحب بقدر ما هو انجذاب نحو ما يمثله من إمكانية أن تكون حراً، أو أن تعيش بشكل مختلف. 
فالعرض وضح أن المشكلة ليست فى القفص بقدر ما هى فى الاعتياد عليه. ففاتن لا تحاول كسره بشكل حقيقى، بل تكتفى بالنظر خارجه أو الحديث عنه. لذلك يظل سؤال الحرية معلقًا فى هل كانت تريدها فعلًا أم كانت تكتفى بتخيلها.
سأنتقل إلى توظيف الإضاءة فى العرض خاصة فى لحظات البرق والرعد. فالضوء خلق حالة من التوتر البصرى يوازى التوتر الداخلى. أما عن الوميض المفاجئ دليل على البرق واللون الأزرق البارد، يمنحان المشهد إحساسًا بعدم الاستقرار وكأن ما يحدث داخل الشخصية يجد انعكاسه فى الفضاء المحيط بها.
وبالنسبة للأداء التمثيلى فالارتباك، التردد، والتكرار فى الجمل، كلها عناصر تقدم بشكل محسوب دون مبالغة، لكنها كافية لنقل الحالة. ولا يعتمد الأداء على الانفعال العالى بل على التفاصيل الصغيرة التى تتراكم تدريجيًا.
العرض لا يقدم فاتن بوصفها ضحية كاملة ولا مذنبة بشكل قاطع، بل هى عالقة بين موقعين: موقع الزوجة التى يفترض منها الحفاظ على صورة محددة، وموقع الفرد الذى يسعى إلى مساحة تخصه. هذا التردد يعكس إشكالية أوسع تتعلق بصورة المرأة داخل المجتمع، حيث يسمح لها بالاستقرار لكن يرفض لها أى لحظة ترغب بها فى التغيير، خاصة إذا جاء هذا التغيير خارج الأطر المقبولة.
أريد تسليط الحديث على مشهد محاسبة الابنة، فاللغة المستخدمة وإن بدت موجهة للطفلة، ولكنها تحمل فى طياتها خطابًا يمكن إسقاطه على فاتن نفسها، وكأن البيت كله يعمل ضمن منظومة واحدة تعيد إنتاج نفس القيم حتى دون قصد.
يمكن قراءة العرض بوصفه صراعًا غير معلن بين نمطين: نمط يمثله كمال قائم على السلطة والاستقرار والانضباط، وآخر تحاول فاتن الاقتراب منه يحمل قدرًا من الحرية والاختلاف. هذا الصراع لا يظهر فى صورة مواجهة مباشرة بل يتضح عبر التفاصيل، حيث تبدو كل محاولة للخروج عن هذا الإطار وكأنها مرفوضة حتى دون إعلان صريح..
وإذا وضعت هذه الفكرة فى سياق أوسع داخل عروض مهرجان ماستر سين، يمكن ملاحظة تقاطعها مع ما طرحه عرض «سقوط حر»، حيث حضرت فكرة السلطة فى مواجهة الرغبة فى التحرر، وإن اختلفت طرق التعبير. فى الحالتين لا يكون الصراع مباشرًا لكنه يظل قائمًا يكشف عن توتر مستمر بين ما هو مفروض وما يراد كسره.
فكان عرض يا ناسينى يطرح أسئلة حول الحرية، والاختيار، وحدود ما هو ممكن داخل واقع يبدو مستقرًا من الخارج، لكنه يحمل قدرًا كبيراً من التوتر فى داخله. وتركنا العرض أمام حالة معلقة، أقرب إلى سؤال مفتوح منه إلى حكاية مكتملة. فالعرض لا ينشغل بإدانة فاتن أو تبرئتها، ولا يسعى إلى تفكيك ما حدث بقدر ما يضعنا داخل لحظة إنسانية مرتبكة، يصعب التعامل معها بمنطق أبيض أو أسود. 
و يبقى السؤال معلقًا لا كخاتمة درامية، بل كامتداد طبيعى لما طرحه العرض منذ بدايته: هل يكفى أن يفتح القفص لكى يصبح الطيران ممكنًا؟ أم أن ما يقيدنا فى النهاية ليس الباب المغلق، بل الخوف من العبور؟


نورهان ياسر