في ظل الاهتمام المتزايد بتوثيق التراث المسرحي المصري، وإعادة قراءة التجارب الفنية التي اسهمت في تشكيل الوعي الثقافي عبر العقود، تبرز أهمية الدراسات والإصدارات التي تتناول المسارات المسرحية المختلفة بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخ الفن المصري وتطوره، فالمسرح لم يكن يوماً مجرد وسيلة للترفيه، بل ظل على مدار سنوات طويلة مساحة للتعبير الفكري والإنساني ومنبراً لطرح القضاياً الاجتماعية والثقافية والروحية التي عكست تحولات المجتمع المصري وتنوع روافده الحضارية. ومن بين هذه التجارب المهمة، يأتي المسرح الكنسي المصري باعتباره أحد المسارات الإبداعية التي استطاعت أن تفرض حضورها داخل المشهد المسرحي، من خلال ما قدمته من رؤى فنية وفكرية متنوعة، وما أفرزته من تجارب ساهمت في اكتشاف العديد من المواهب، فضلاً عن دوره في ترسيخ قيم الهوية والانتماء والحوار المجتمعي، وعلى الرغم من خصوصية هذا النوع من المسرح فإنه نجح عبر سنوات طويلة في تجاوز حدود الكنيسة إلى فضاءات أوسع داخل الحركة المسرحية المصرية، خاصة بعد انتقال عدد من أعماله إلى المسارح العامة وتأثر العديد من الفنانين بتجاربه وأساليبه الفنية. وانطلاقاً من هذا الدور التوثيقي والثقافي يواصل جهوده في الحفاظ على الذاكرة المسرحية المصرية، من خلال إصدار الكتب والدراسات المتخصصة التي ترصد التجارب المسرحية المختلفة وتعيد تقديمها للأجيال الجديدة من الباحثين والمهتمين بالفنون ويأتي كتاب “المسرحي الكنسي المعاصر في مصر 1953 – 2010 “ للكتابة مي المرسي، الصادر ضمن سلسة “دراسات في المسرح المعاصر” ليقدم قراءة توثيقية ونقدية لتاريخ المسرح الكنسي المصري، متناولاً أبرز مراحله وقضاياه وتأثيره في الحركة المسرحية والثقافية المصرية على مدار ما يقرب من ستة عقود. نظم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية برئاسة المخرج عادل حسان، حفل توقيع كتاب(المسرح الكنسي المعاصر في مصر 1953 – 2010)تأليف الدكتورة مي المرسي،وذلك يوم الاثنين الموافق 11 مايو 2026 بالمتحف المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية في تمام الساعة الرابعة عصرا - الكائن9 حسن صبري الزماك. في البداية تحدث الدكتور محمد أمين عبد الصمد- رئيس تحرير إصدارات المركز قائلاً: اليوم في لقاء مفتوح من حفل توقيع كتاب (المسرح الكنسي المعاصر في مصر 1953 – 2010)تأليف الدكتورة مي المرسي،الصادر حديثاً من المركز، إن هذه اللقاءات الثقافية تأتي في إطار دعم الحوار بين المسرحيين، وهي إحدى الرؤى التي إرساها المخرج عادل حسان، والتي تقوم على العمل في خطوط متوازية داخل المركز، مع إعادة الاعتبار لدور النشر والتوثيق بوصفه أحد المحاور الأساسية في نشاط المركز القومي للمسرح، واضاف، الدور الذي يقوم به المخرج عادل حسان، في استعادة استراتيجية النشر بالمركز، لأهمية النشر النوعي، باعتباره أحد أهم الأدوار الحقيقية(تنويراً وتثقيفاً) للمركز. تناولت الكاتبة مي المرسي، بالتحليل عدداً من التجارب المسرحية المهمة والقضاياً الفكرية والفنية التي طرحها المسرح الكنسي عبر مراحل تطوره المختلفة، واضافت، هذا الكتاب فيه أربعة فصول رئيسية، يسبقها إطار عام يمهد للبحث،فيضيء أهدافه ومنهجيته، ويبرز اختيار موضوعه ثم يستعرض أهم الدراسات السابقة التي تناولت المسرح الديني بوجوهه المتعددة، وتأتي في خاتمة الكتاب خلاصة مركزة تعرض أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يليها قائمة وافية بالمصادر والمراجع التي استندت إليها.وتابعت د.مي، نشأة المسرح الكنسي في العصور الوسطى، يتناول فيه الأسس الفكرية للمسرح الديني وشبه الدينيى في أوروبا، وأثره في إثراء المسرح الكنسي المصري، قدم المسرح الكنسي المصري، على مر العقود، أعمالاً درامية متعددة شملت مسرحيات الآلآم والأسرار، سير الأنبياء والقديسين، قصص الشهداء، مشاهد مستلهمة من الكتاب المقدس، إلى جانب مسرحيات الطفل في مدارس الأحد، لتشمل بذلك شريحة واسعة من الجمهور، راعي كُتابه اختلاف قدرات المتلقين العقلية والنفسية، وحرصواً على تقديم نصوص تلتزم التزاماً كاملاً بالقيم المسيحية واخلاقياتها. كما استعرضت المرسي، الأبعاد الثقافية والاجتماعية للمسرح الكنسي ودوره في تشكيل الوعي المجتمعي ، باعتباره أحد الروافد الفنية التي ساهمت في إثراء الحركة المسرحية المصرية، إلى جانب دوره في اكتشاف العديد من المواهب الفنية التي انتقلت لاحقاً إلى ساحات المسرح العام والاحترافي. وتطرقت الكاتبة مي المرسي إلى طبيعة النصوص المسرحية التي قدمها المسرح الكنسي، ومدى ارتباطها بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، فضلاً عن تطور الرؤية الإخراجية والسينوغرافية داخل هذا النوع من المسرح، وما شهده من تغيرات فنية وفكرية على مدار عقود طويلة. وشهدت الندوة المصاحبة لتوقيع الكتاب مناقشات حول أهمية توثيق التجارب المسرحية المتنوعة داخل المجتمع المصري، والدور الذي تقوم به المؤسسات الثقافية في حفظ هذا التراث الفني، خاصة في ظل الحاجة إلى تقديم دراسات متخصصة تسهم في إثراء المكتبة المسرحية المصرية والغربية.أكد الحضور على أهمية الكتاب باعتباره مرجعاً مهماً للباحثين والاكاديميين والمهتمين بالدراسات المسرحية، لما يتضمنه من مادة توثيقية وتحليلية ترصد جانباً مهماً من تاريخ المسرح المصري الحديث، وتلقي الضوء على تجربة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الدراسات الأكاديمية المتخصصة. وفي ختام الفاعيلية، أعلن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية إتاحة الكتاب من خلال منفذ البيع الدائم بمقر المركز، دعماً للباحثين والدراسين والمهتمين بتوثيق التراث المسرحي المصري، واستمراراً لدوره في تقديم الإصدارات التي تسهم في حفظ الذاكرة الفنية والثقافية.