كانت جريدة «الجهاد» سباقة بنقدها لعرض «الملك لير» من خلال ناقدها «إبراهيم عز الدين المحامى»، الذى كتب مقالة بعنوان «الأستاذان جورج أبيض وعزيز عيد يتباريان فى دور الملك لير على مسرح الأوبرا الملكية»، وبدأ كلامه بملخص للمسرحية، قال فيه: يجرى أول فصول الرواية فى قصر الملك لير، فنراه يدعو إليه بناته الثلاث وقد أجمع أمره على أن يلقى هموم الحكم والتدبير عن عائق الشيخوخة منه ليجعلها على مناكب الشبان من بناته وأزواجهن فيتقى نزاع المستقبل، ويدلف إلى القبر إذا حانت منيته خفيفًا. وقد قسم ملكه وتاجه ثلاثة أشطر بينهن فيدعوهن إليه ويسألهن كم يحببنه.فأما الكبرى فتسمعه أن حبها إياه لا يحيط به اللفظ لأنه أحب إليها من النظر ومن الدنيا ومن الحرية! وأما الوسطى فتسمعه أنها عدوة لكل مسرة تصرف حسها من الاستمتاع بحبه الذى تستمد منه وحده معين السعادة كلها! وأما الصغرى فلا تكذب ولا تخادع. فهى تحبه كأبلغ ما وُجد ولد لوالده وتقول له: إنك ولدتنى وربيتنى وأحببتنى فأنا أجزيك على هذه الفروض بما تستوجبه منى أطيعك وأحبك وأجلك إجلالًا.. كيف تزوج اختاى يا ترى، إذا صدق قولهما إنهما تقصران الحب عليك وحدك؟! إنى أشفق يوم أتزوج أن يحمل زوجى نصف محبتى معه ونصف خلة البر والرعاية منى، ويسألها: أصغر سن وقسوة فؤاد؟ فتقول: صغر سن يا مولاى وصدق نفسية. فيجيبها فليكن الصدق إذن، ويقسم أن قد نزع عنها ولايته وأقصاها عن نفسه وقلبه ويسأل خطيبها ملك فرنسا إن كان يقبلها عاطلة من كل بائنة إلا ذاتها؟ وخطيبها لا يزداد لها إلا حبًا بما صدقت وغناء بما افتقر، ويخرج بها قرير العين ورضى النفس هانئًا. أما الملك فيخلع سلطانه كله على ابنتيه الأخريين ويعلن أنه قد جعل مقامه مظاهرة بينهما شهرًا فشهرًا هو ومائة من فرسانه وأن الخراج والسلطة وولاية الأمور قد صارت إليهما وحدهما. ولا يكاد الملك يخرج حتى تجتمع ابنتاه اللتان خلع عليهما جميع ملكه لتأتمرا به، فكلتاهما متبرمة بشيخوخته مشفقة من تقلبه وتردد رأيه، وكلتاهما لا ترعى ما يستوجبه أوانه من عطف وبر وكلتاهما تقر صاحبتها على أن تنغص عليه مقامه عندها حتى إذا فرّ من جحيمها إلى أختها وجد عيشه لديها أشد لظى وأحمى سعيرًا. فإذا نفذتا ما اتفقتا عليه، وفرّ من رمضاء إحداهما إلى نار الأخرى أصابه الخبل واعترته الجنة وطاف هائمًا على وجهه فى الطرقات تعصف به الريح وتقرع على رأسه العارى قادحات الرعد والصواعق فإذا أتيت إلى نهاية المأساة فقد اختلف زوجا ابنتيه على السلطان واستنجد أصدقاء (لير) بملك فرنسا فلبى النداء، ولكنه يبوء بالهزيمة، ويقبض المنتصر على لير وابنته الصغرى التى سارعت لنجدته ويأمر بسجنهما وأن يشنقا فى الحبس فإذا لحق بهما أصحابهما لينقذوهما كان الأوان قد فات ونفذ القضاء فى الفتاة. فيحملون جثتها وأباها الشيخ الذى كانت أعادت إليه الرشد والأمل ليظل على جسدها الطاهر يبكيها ويندبها حتى يلفظ بين يديها الباردتين نفسه الأخير.أما «الإخراج»، فقال عنه الناقد: نكتفى فى كلامنا من إخراج الأستاذ عزيز عيد بتعداد ما وعته الذاكرة من المآخذ عن المناظر والملابس والمهمات والأثاث والإضاءة تاركين له نفسه الحكم على نفسه بما يشاء. ولسنا نأمل فى أكثر أن يذكر وإيانا أن الرواية تمثل حقبة من تاريخ الإنجليز أولًا وتقع فى العصور السابقة على المسيحية ثانيًا وتلحق بالقرن الخامس أو السادس قبل الميلاد ثالثًا، لتقول لنا - بعد - أن كانت مناظرة وما حوت تتمشى مع الرواية أم تسبقها بآلاف السنين!ثم يتوقف الناقد عند بعض الملاحظات، ومنها أن موسيقى المنظر الأول من موسيقى (فاجنر)! ويتساءل الناقد: ما علاقة فاجنر بعصر الرواية؟! وبالنسبة للمناظر لاحظ الناقد تتابعها بصورة مختلفة الأنماط والبناء والزخرفة، فمثلًا منظر بيزنطى، فمنظر غوطى، فمنظر من عصر النهضة وهكذا! كذلك الأمر بالنسبة إلى تتابع قطع الأثاث على الوجه السابق: كرسى غوطى إلى كرسى من عصر النهضة.. إلخ! وكذلك الملابس نجدها ألمانية يعلوها النسر الألمانى ثم ملابس إيطالية ذات سراويل مختلفة الألوان، ثم ملابس فرنسية من عهد فرانسوا الأول بمعاطفها العريضة الكتفين المنتفخة الكمين! كذلك لاحظنا خليطًا مشوشًا من جميع أسلحة العصور والأمم وكأنها جاءت بعد عصر الرواية. وبالنسبة للإضاءة نجد حاملى المشاعل يقفون فى مؤخرة المسرح وحولهم ظلام دامس بينما يغمر النور مقدمة المسرح! كما أن النور فى داخل القصر أقوى منه فى خارجه مع أن الوقت نهارًا! وأنوار الحافة محجوزة بما وضع أمامها من مرتفع من الخشب دون الاستعاضة عنها بمركزات النور فى مقدمة المسرح أو الصالة فكانت المقدمة مظلمة لا تتبين فيها الوجوه. ولا مبعث للنور سوى مركزين فى جانب المسرح يصبان ضوءهما فى وسطه خلافًا لسرعة الإضاءة الحديثة التى تقضى بإنارة أهم مواضع التمثيل فحسب دون إخلال بالصبغة النفسية اللازمة. كما للمسرح درجات قبل المقدمة فوق مكان الموسيقى متروكة لضوء أزرق لا تتبين فيه شيء! وهناك متفرقات أخرى كاستعمال درجات المسرح الأمامية هذه فى كل قصر وفى كل شارع مع أنها تمثل طريقًا يقود إلى ردهة فى الدور الأسفل! والممثلون يصفون فى ساعة العاصفة ما يشبه هول يوم القيامة ولا تكاد تسمع رعدًا أو تحس إعصارًا أو مطرًا! ومضحك الملك يتمرغ فى الأرض مداعبًا أو خائفًا وقد نسى أن الأرض تكون غارقة بالوحل فى تلك العاصفة الهائجة بالسيول والأمطار! ومن الملاحظات أيضًا وجود كرسى فى المنظر الأول ونراه أيضًا فى المنظر الثانى وكل من المنظرين يمثل قصرًا لا صلة له بالآخر! وأنت فى هذه الفوضى الصارخة لا تكاد تلمح منظرًا واحدًا أو ملبسًا واحدًا أو قطعة واحدة من الأثاث أو السلاح تمت إلى عصر الرواية بصلة، وذلك فيما يتعلق بالناحية التصويرية للرواية وهى الخاصة بالملابس والمناظر والأثاث والإضاءة. أى بالإطار الذى تبرز فيه القصة المسرحية.أما الناحية النفسية فى الإخراج أو الصبغة النفسية التى تهيئ الجو الملائم وتصور العواطف الرئيسية السائدة، ويخلقها المخرج بالأستار والألوان والأضواء وطريقة الرسم والقطع بما فيهما من بروز وهبوط وأستواء وانحناء وضخامة وضآلة، فإنك إذا ناشدتها فى الرواية فكأنما تنشد الجمرة فى الماء بل لو أن المخرج عنى بها وسارع إليها لما كان لها من أثر وسط هذه (التقاليع) المخيمة على كل شبر من أرض المسرح! ويختتم الناقد كلامه متهكمًا على الإخراج بقوله: إننا لنستميح القراء عذرًا فى إمساك أنفسنا عن قول ما يلزم فى هذا الإخراج، كما نستميح فى ذلك النظارة والممثلين فى انتظار ما قد يكون من الفرقة القومية بعد هذا الدرس الفريد فى بدائع الإخراج. ثم انتقل الناقد فى مقالته إلى «التمثيل»، فقال عنه: كان شائقًا أن نشاهد الأستاذين عزيز عيد وجورج أبيض يتباريان فى دور الملك لير! فأما الأستاذ عزيز فقد وفق إلى تفهم دوره أكثر من منافسه وإن كان ينقصه جلال الملك وجلال الشيخوخة، أو قل إنه أبرز هذا الجلال فى صورة لم نألفها. والسبب الذى حال دون أداء عزز لما نفهمه أنه ضئيل الجسم لا ينطق إلا عن صوت ضعيف إذا أحسن به تأدية العواطف الهادئة فإنه يعجز عن تأدية الانفعالات الصاخبة. وللأستاذ عزيز طريقة عجيبة فى الإلقاء أقل ما يقال فيها إنها غير طريقة الآدميين فهو يمط فى كلمات ويأكل أخرى ويظهر إنه كان يستشعر ضآلة جسمه وقصر قامته فعمد إلى تضخم نفسه بالملابس ولبس حذاء يبلغ ارتفاعه نحو سبعة سنتيمترات كما عمد إلى الانتفاخ والاستطالة ورفع البدن إلى أعلى الرأس ليكتسب شيئًا من الحيز فوق المسرح فكان فى هذه المحاولة ما أسلم الشفاة إلى الابتسام. وأظن أن مضحك الملك قال له مداعبًا: «لو كنت بهلولًا لكنت من خيرة البهاليل». وهذا القول يوافق تمامًا ما قدمه لنا الأستاذ فى تمثيله. ولسنا نعلم أى شيطان أوحى إليه أن يزج بنفسه فى هذه الأدوار، فقد يذكر القراء أنه قام بدور (مجنون ليلى) فلم يكن حظه فيه بأكثر من حظه فى (لير). ولو أنه لعب دور البهلول لكان نجاحه فيه بالغًا أقصى حده. على أن هذا لا يمكن أن ينقص شيئًا مما وفق إليه عزيز من إظهار وهن الشيخوخة وانحلال الفكر ووثبة الجنون ومرارة العقوق. ونعتقد أنه لو أتيح له جسم غير جسمه وصوت غير صوته لكان نصيبه التوفيق التام فى تمثيل هذا الدور. أما الأستاذ جورج أبيض فكان فى إلقائه وصحة نطقه وجلاء لفظه وتلوين صوته هابطًا وصاعدًا، رقيقًا وغليظًا بالغًا أقصى حدود التوفيق فى كل ذلك ولكنه لم يبلغ هذا المبلغ فى إجادة التمثيل لأن التمثيل يتطلب أكثر من الإلقاء، يتطلب التقمص أو التلبس بالشخصية المطلوبة، ولعمرى ما «التلبس» إلا تعبير جرى على الألسن بما يصور فى اللاعب قدرة الفصل بين عواطفه الخاصة المخلوقة وبين العواطف التى يعبر عنها بلسانه ويستلهمها من سطور الكاتب ومن بين سطوره. أو قل إنها القدرة على إلباس الممثل جسده المادى روحًا أخرى غريبة عن ذلك الجسد تحس وتغضب أو ترضى أو تحب أو تكره وتلين أو تقسو على وتيرة أخرى ولون آخر غير الوتيرة التى طبع عليها اللاعب واللون الذى يصدر عنه عفوًا وطبيعة. وهنا ترى القسط الأوفر من فن الممثل ونلمس الركن الأكبر إذ الإلقاء وسيلة إلى التمثيل لا غاية. فالخطيب والمحامى ملقيان ولكنهما ليسا ممثلين. ومهما يبلغ الخطيب من نفس السامعين فإنه لا يحسن التمثيل إذا مثل، ما نقصته قدرة «التلبس» فيما يعبرون. وعلى هذا فإنى أستميح أستاذنا الفاضل الدكتور طه حسين فى أن أختلف معه فى الرأى ما دمت أفهم التمثيل على الوجه الذى قدمت، وفى أن أحسب إنى سأختلف معه كثيرًا منذ اليوم.ويستكمل الناقد كلامه عن التمثيل فيقول: حقًا لقد أعجبت بإلقاء الأستاذ أبيض أيما إعجاب، وحقًا لقد بلغ الأستاذ أبيض من نفسى مبلغًا قلما يبلغه المتكلم من سامعه ولكنه كان إبلاغ الخطيب السارع والملقى الذرب، ولم يكن إبلاغ التمثيل والاستلهام. فالأستاذ جورج أبيض ألقى دور لير ولم يمثله بل أنك لتستطيع القول بأن هذا موطن الضعف من فن أبيض فهو يجيد الإلقاء إلى أبعد حد ولا يجسد خلق الشخصيات التى يظهرها على المسرح. فقد أعطى لأول وهلة صورة من لير غير التى صورها شكسبير! فقد رسم المؤلف شيخًا أضعف الكبر من صوته وخفف من حركته وناء بحمل صولجانه! فتخاطبه ابنته قائلة «أسألك أن ترعى ما أنت عليه من الضعف»! فطوح به عقوق بناته وجحودهن إلى الجنون وتراكمت عليه الهموم فأسلمته إلى الفناء البطيء وما تلك العواطف الثائرة التى تعصف بجسده الفانى فى مختلف مواقف الرواية إلا نزعات، لأن الشيخوخة الراحلة تقبض عنها حيوية البقاء وغزارة المادة. فأما (لير) الأستاذ أبيض فعلى نقيض هذا. إنه ليبدو من أول وهلة فى صوت رجل يفيض بالقوة وحركات إنسان لا يحمل من آثار الشيخوخة إلا شعرًا أبيض يدير صولجانه فى يده كما يدير اللاعب بالسيف سلاحه، وأنه ليتمشى مع غضبه ويندفع فى ثورة ويلح فى اندفاعه كأن فيضًا من الرجولة الناضجة يمده من ورائه ويسقيه. إذا كان الأستاذ أبيض وفق فى إظهار صورة للملك لير من حيث الرأس والقامة وجلال الملك فإنه لم يوفق فى إظهار كثير من آلام الشيخ الفار وجنون الهرم المتحطم. وما أحوج الأستاذ أبيص إلى شيء من ضعف الأستاذ عزيز وما أحوج عزيز إلى جزء من جسم الأستاذ أبيض وصوته. ويستكمل الناقد حديثه فيقول: أما باقى الممثلين فقد امتاز منهم الأساتذة عباس فارس، وحسين رياض، ومنسى فهمى، والآنسة فردوس حسن. وإنّا لنخشى أن نكرر فى كل مرة أسماء بعينها لا نخرج عنها لأن فى ذلك دليلًا على غير ما يجب التصريح به وفى جو المنافسة القائم بالفرقة القومية إذا لم يظهر كل مدى جهده وقدر تفوقه فمتى يظهره؟؟ ففى بنات الملك ما كنت ترى (أميرة) غير الآنسة فردوس فقد فهمت دورها حق قدره بل أن فهمها للدور كان يستوى وفهم أى ممثل ناجح من زملائها الممثلين. وقليل من فتيات مسرحنا من نرى فيهن ذلك. فأظهرت جلال الإمارة فى غير مبالغة وعرفت كيف تقسو وتظهر العقوق وتفسد فى الأرض كما أراد لها شكسبير. فهى تستحق كل تهنئة وإعجاب. وكذلك كان الأستاذ عباس فارس فى فهمه وحسن أدائه وصدق ولائه والنكاية بأعدائه. ولا أدرى كيف أراد شكسبير لصاحب دوره أن يغير صورته حتى لا يعرفه ملكه الذى نشأ فى بيته ولا كيف أراد (لإدجار) الذى قام به الأستاذ حسين رياض أن يغير صوته أيضًا حتى لا يعرفه أبوه الذى ينشده ويترقب لقاءه إن ذلك صعب على العقل أن يقبله فكيف به على الممثل أن يفعله! وعلى ذكر حسين رياض نقول إنه وفق كل التوفيق فى دوره وخاصة عند اصطناعه الجنون وكذلك كان الأستاذ منسى فهمى موفقًا غاية التوفيق وأنك لتراه عندما اعتزم قتل نفسه بعد خلعهم عينيه وطردهم إياه فرمي بجسمه فيما حسبه هوة سحيقة وما هى إلا الأرض الراكع عليها. إنك لتراه فى ذلك الموقف لتحسبه حيًا كميت أو ميتًا كحى سواء فى رقدته وسواء فى قومته. ولا يفوتنا قبل أن نختم هذه الكلمة أن ندعو الأستاذ خليل مطران إلى التنبيه على كبار ممثليه بحفظ أدوارهم حتى يعفى النظارة من سماع كل كلمة للملقن قبل أن ينطق بها صاحبها. [توقيع] «إبراهيم عز الدين المحامى».