على خشبة مسرح النهار شهد اليوم الأول من فعاليات مهرجان Master Scene حضورًا متميزًا لتجارب مسرحية شابة سعت إلى تجاوز كل ما هو تقليدى والاقتراب من قضايا فكرية بواسطة أساليب إخراجية أكثر جرأة. وبين هذه العروض جاء عرض «سقوط حر» ليؤكد هذا، فتم وضع الجمهور بجانب الممثلين على خشبة المسرح فقد سعى المخرج محمد فرج الخشاب إلى إشراك المتلقى فى بنية الحدث ذاته واضعًا إياه فى مواجهة مباشرة مع الأسئلة التى يطرحها العمل.ينطلق العرض من محاكمة مدرس الأحياء برترام كيتس، البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، والذى يجد نفسه فى مواجهة اتهام مباشر، بسبب تدريسه لنظرية التطور، وهى مرتبطة بأفكار دارون حول أصل الأنواع، وهى تتعارض مع المعتقدات الدينية. فالقضية ليست مجرد خلاف تعليمى بل صدام واضح بين ما يسمح بتداوله داخل الفصل وما يعتبر خروجًا عن الإطار الدينى والاجتماعى. ومع جعل الجمهور فى موقع هيئة المحلفين فيصبح الحضور جزءًا من المحاكمة يراقب ويقيم وربما يصبح له حكم خاص به قبل صدور الحكم الرسمى.ومن ثم تتوالى الشهادات داخل قاعة المحكمة لتشكل صورة عن كيتس؛ إذ يشهد مدير المدرسة ضده واصفًا إياه بالعنف مستندًا إلى واقعة اعتدائه على أحد أولياء الأمور، وهو ما يضع المتلقى أمام انطباع أولى حاد. لكن عندما قدم كيتس روايته عن هذا الفعل موضحًا أن ما حدث كان رد فعل على واقعة أكثر قسوة، حيث قام الأب بحرق ابنه بسبب إلحاحه فى طرح الأسئلة ورغبته فى الفهم، فى إشارة صريحة إلى بيئة ترفض التفكير الحر وتتعامل معه بوصفه خطرًا يجب قمعه.وتم ذكر قضية الطالب تومى أحد طلاب كيتس، والذى يقال أنه لقى مصرعه غرقًا. إلا أن شهادة صديقه _البالغ من العمر أربعة عشر عامًا_ تكشف جانبًا مختلفًا من الحكاية؛ ويوضح أن كيتس لم يكن معلمًا عنيفًا، بل كان متحمسًا لشرحه الذى يدفع طلابه إلى التفكير بدلًا من الحفظ، وكان تومى يتطلع لأن يصبح عالمًا لكى يثبت خطأ دارون، وهذا يعكس أن ما يتلقاه لم يكن تلقينًا بقدر ما كان دعوة مفتوحة للبحث والتجريب. ورغم تردد الصديق فى كشف ما يعرفه بسبب وعد قطعه، وهذا يوضح أن كيتس لا يعلمهم البعد عن الدين كما يزعم من فى المحكمة ، ولكن ينجح القاضى فى إقناعه بأن الحقيقة قد تكون فى مصلحة صديقه، ويكشف أن تومى لم يمت غرقًا، بل أثناء محاولته إجراء تجربة بنفسه، بعدما ربط قدمه بحجر وقفز فى الماء، متأثرًا بما دار بينه وبين كيتس من نقاش حول الجاذبية، وبعدها ظهر مشهد لتومى فى لحظة فلاش باك تبرز طبيعة العلاقة بين المعلم وتلميذه القائمة على الشرح والسؤال لا على الإجابة الجاهزة. إن إدخال واقعة الطالب تومى لا تستخدم كحدث ثانوى فلا تقدم بشكل عابر كواقعة غرق قد تضاف إلى سجل الاتهامات، بل كعنصر يعيد تشكيل مسار القضية بالكامل. وعندما وضع محامى كيتس خصمه فى موقع الشاهد وبدأ فى مساءلته حول فهمه للدين وهل يتعامل معه بشكل حرفى أم تأويلى، لتأتى الإجابات مؤكدة على التمسك بالتفسير الحرفى المطلق. ويتصاعد التوتر حين يسأل عن مصدر يقينه بخطأ دارون، فيجيب بأن الله أخبره بذلك، وهو ما يثير محامى كيتس متسائلًا عن الكيفية التى يمنح بها شخص نفسه سلطة امتلاك الحقيقة الإلهية، بينما يرفض فى الوقت ذاته منح الآخرين حق التفكير أو التساؤل.وبهذا طرحت المحاكمة صراعًا أعمق بين حق الإنسان فى التساؤل وبين فرض إجابة واحدة عليه، فلا يقدم العرض إجابات جاهزة بل يفتح مساحة للتساؤل لدى المتلقى. وتتحول المحاكمة إلى مساحة للمساءلة عن بنية التفكير ذاتها داخل المجتمع؛ بين من يرى فى السؤال تهديدًا ومن يعتبره ضرورة.أما عن توظيف مشاهد الفلاش باك عندما تستعاد لحظات الحوار بين تومى و كيتس، هذه المشاهد لا تعمل فقط على توضيح ما حدث، بل تضيف أيضًا بعدًا إنسانيًا للعلاقة بين المعلم وتلميذه وتمنح المتلقى فرصة لرؤية ما وراء الاتهامات. ويختار العرض أن يتخلى عن الذروة التقليدية القائمة على الحسم ليصل إلى نهايته دون إصدار حكم نهائى، حيث تصبح قيمة العرض فى طرحه للأسئلة لا فى تقديمه للإجابات، ويترك القرار معلقًا ليس داخل قاعة المحكمة فقط بل فى ذهن كل من تابعها. كما يجعل وعى المتلقى متروك أمام مسئولية استكمال ما لم يحسم على الخشبة.لا يقدم العرض نقدًا للدين فى ذاته بل ينتقد الأشخاص التى تحوله إلى أداة لوقف التفكير الذى يعتبر هبة من الله للإنسان. ولكن العرض ينتقد فكرة السلطة سواء كانت سلطة دينية أو اجتماعية أو حتى قانونية. فالقاضى حين يقرر استبعاد العلم من سياق القضية يعكس حصر السلطة على النقاش داخل حدود معينة، وهذه مفارقة واضحة للسلطة التى تدعى البحث عن الحقيقة لكنها ترفض أحد أهم أدوات الوصول إليها.إن الرؤية الإخراجية للعرض منح العمل خصوصيته وجعله يتجاوز كونه عرضًا يشاهد إلى تجربة تعاش من الداخل. فقد تم كسر الشكل التقليدى الفاصل بين الجمهور والممثلين، حيث جلس المتفرجون على خشبة المسرح جنبًا إلى جنب مع الأداء، فى تجربة تضعهم داخل قلب الحدث لا خارجه. هذا الاختيار لم يكن شكليًا بقدر ما كان متسقًا مع طبيعة العرض، الذى يقوم فى جوهره على فكرة المحاكمة، إذ تحول الجمهور فعليًا إلى هيئة محلفين، يراقبون الشهادات من مسافة قريبة ويشعرون بأنهم جزء من المسئولية لا مجرد متلقين.ولم يتوقف هذا الدمج عند حدود الجلوس على الخشبة بل امتد إلى طريقة تقديم الشهادات نفسها، حيث كان الشهود يخرجون من بين الجمهور، فى لحظات تزيل الحاجز تمامًا بين الواقع والتمثيل.بالنسبة للديكور اتسم بالبساطة والاقتصاد فى العناصر، وهو اختيار بدا مناسبًا لطبيعة العرض، التى تعتمد فى الأساس على الحوار والتوتر الدرامى أكثر من اعتمادها على الإبهار البصرى. هذه البساطة ساعدت فى توجيه الانتباه إلى الأداء التمثيلى وإلى الكلمات المتبادلة داخل المحكمة دون تشتيت. وفى النهاية لا ينحاز العرض إلى طرف دون آخر بل يظل ثابتًا لطبيعته الجدلية، حيث يطرح الأسئلة دون أن يغلقها. فلا كيتس يقدم كبطل مطلق ولا خصومه كأعداء تقليديين، بل الجميع يتحرك داخل منظومة فكرية واسعة لكل منها منطقه ومخاوفه. العرض كان قادرًا على إرباك يقين المتلقى ودفعه لإعادة التفكير فى مسلمات قد تبدو بديهية فى ظاهرها.معلم يؤمن بدور العقل ومجتمع يخشى نتائجه وطالب وجد نفسه ممزقًا بين الاثنين فدفع حياته ثمنًا لمحاولته للفهم. هكذا يتركنا العرض أمام عبء لا يبدو سهلًا تجاوزه. والعرض لا يتوقف عند لحظة إسدال الستار، بل يبدأ بعدها حين يجد كل متلقٍ نفسه فى مواجهة مباشرة مع ذلك السؤال الجوهرى: هل المعرفة حق للجميع أم أنها تخضع لسلطة تحدد ما يجوز وما لا يجوز التفكير فيه؟