العبث والتجربة والأداء المسرحي(2)

العبث والتجربة  والأداء المسرحي(2)

العدد 966 صدر بتاريخ 2مارس2026

 • العبث الشكلى والنحوى
 يرتكز اختراق المنهج الفينومينولوجى فى أعمال هوسرل على وصفه للعلاقة بين الدلالة وبعض الأفعال المحددة التى ينشأ من خلالها المعنى، والتى تُسمى «أفعال منح الدلالة «singgebende Akte. وإذا كان، كما يقترح ريكور، السؤال الأول فى الفينومينولوجيا هو سؤال معنى المعنى - «que signifie signifier؟» («ماذا يعنى المعنى؟») – فإن السؤال حول انعدام المعنى، وإمكانية غيابه، أو العبثية الناتجة عن فشله، يُشكل سؤالًا محوريًا لمشروع فينومينولوجى.
 يُشير هوسرل إلى فرق جوهرى بين طريقتين محتملتين لغياب المعنى، وهو ما سيكون ذا أهمية خاصة بالنسبة لمنهجنا. فبينما يُحاول هوسرل وضع القوانين القبلية التى تُحكم مجال المعانى المركبة، وتُميز بين المعنى واللامعنى، يُشدد فى بحثه المنطقى الرابع على الفرق الجوهرى بين القوانين التى تحمى من انعدام المعنى (Widersinn) والقوانين التى تمنع الهراء المحض (Unsinn). فبينما تُمثل الأولى القوانين المنطقية التى تصف شروط الحقيقة الشكلية أو الموضوعية، تُحدد الثانية القوانين النحوية القبلية التى تُحدد الأشكال الممكنة للمعانى المركبة. فبالنسبة للتعبير اللغوى، يُعدّ كل من المعنى والمعنى الموضوعى أمرين مختلفين: إذ لا يقتصر انعدام المعنى على الهراء المحض. فقد يكون التعبير اللغوى الذى لا يُشير إلى شيء أو حالة ما قادرًا على أن يكون ذا معنى معين. على سبيل المثال، قد تكون عبارة «مربع مستدير» بلا معنى من حيث أنها لا تُشكل علاقة بنوع من الأشياء الموجودة (ولو حتى كموضوع فكرى أو خيالي)، لكنها ليست عبثية مثل العبارات غير الصحيحة نحويً مثل «هذا المهمل أخضر»، و»الأكثر كثافة هو المستدير»، إلخ.
 يُعدّ هذا التحليل ذا أهمية خاصة بالنسبة لنا لأنه يُرسى تمييزًا بين طريقتين مختلفتين لفهم مدى العبث، أى ما إذا كان المعنى يُنظر إليه فى ضوء الحدود المنطقية أو النحوية للمعنى. فإذا فُهم العبث على أنه تعبير عن غياب المعنى، فسيكون مرتبطًا تحديدًا بالهراء النحوى (Unsinn). وفى تركيبات الكلمات، مثل «المستدير هو أو» و»الرجل و يكون»، يُصرّ هوسرل على أن :
تُعطينا الكلمات المتناسقة فكرة غير مباشرة عن معنى موحد تُعبّر عنه، لكن من الواضح تمامًا أنه لا يمكن أن يوجد مثل هذا المعنى، وأن أجزاءً مهمة من هذه الأنواع، مجتمعة بهذه الطريقة، لا يمكن أن تتفق مع بعضها البعض فى معنى موحد.
لا تُصاغ الكلمات بطريقة تُفضى إلى معنى موحد، قد يفشل أو ينجح فى إقامة علاقة مع شيء ما. فى مثل هذه الحالات، يكتب هوسرل: «المعنى هو ما يغيب تحديدًا». وهذا يختلف تمامًا عن حالة انعدام المعنى المنطقى (Widersinn)، حيث ينشأ العبث من عجز «المعنى الموجود» عن إقامة علاقة مع «شيء موجود»:
إنّ عبارة «مربع مستدير» تُعطى معنىً موحدًا، إذ يقع وجودها فى عالم المعانى المثالية، ولكن من الواضح تمامًا أنه ليس هناك شيء موجود يمكن أن يُقابل مثل هذا المعنى الموجود.
يتحدث هوسرل عن هذه الحالة الثانية باعتبارها عبثًا منطقيًا (أو «شكليًا») formale Absurdität، حيث تُفسر نوعًا من انعدام المعنى الذى لا يهتم إلا بمسألة موضوعية أو حقيقة المعنى الكلى. فى هذه الحالات، يتوافق تركيب الكلمات مع القوانين النحوية أو التركيبية التى تُحدد إنتاج المعنى. تُركب الكلمات بحيث تُولد قصدية دلالية Bedeutungsintention. لكن هذه النية تفشل فى إقامة علاقة مع موضوع محدد.() لم يعد العبث ينبع من غياب المعنى، بل من التناقض المنطقى () Widerspruch الذى نواجهه كلما تعاملنا مع معانٍ متناقضة. وهكذا، بينما يستند الهراء إلى عدم توافق تركيبى بين العلامات النحوية، فإن انعدام المعنى يعبر عن عدم توافق منطقى بين الأجزاء المختلفة لمعنى موحد.
 عند استكشاف عبثية هوسرل الشكلية فى مسرحية بيكيت «نهاية اللعبة»، يمكنناأن نرى كيف تُمهد هذه التناقضات المنطقية الطريق لتجربة العبث، مانعةً هام الأعمى وخادمه كلوف من الوصول إلى فهم كامل، على الرغم من أن حوارهما ليس بلا معنى. فى مقتطف مبكر من المسرحية، يُشير هام وكلوف إلى التناقضات فى كلام كل منهما بطريقة تجعل حوارهما مستحيلًا:
هام: لقد نسيتنا الطبيعة.
كلوف: لم تعد هناك طبيعة.
هام: لم تعد هناك طبيعة! أنت تبالغ.
كلوف: فى الجوار
هام: لكننا نتنفس، نتغير! نفقد شعرنا، أسناننا! أزهارنا! مُثلنا العليا!
كلوف: إذن هى لم تنسنا.
هام: لكنك تقول إنه لا وجود لها.
يلعب هذا التناقض فى الكلام بين الطرفين دورًا استراتيجيًا فى حوار هام وكلوف، إذ يفتح المجال أمام فضاء العبث المنطقى، وهو فضاءٌ يمكن فيه للكلمات أن تكون ذات معنى دون أن تكون قادرة على قول أى شيء بشكل صحيح عن أى شيء.
 من هذه النقطة، يتخذ الحوار بين هام وكلوف شكلًا من أشكال العبثية التى تُردد صدى تحليل هوسرل لانعدام المعنى، إذ يُؤكد على هذا العجز عن إدراك شيء مُحدد، مما يُؤدى إلى تنازل عن الحقيقة الموضوعية. فعمى هام يمنعه من إدراك معنى كلمة «كلب» بالكامل عن طريق البصر، مُعتمدًا على أوصاف كلوف الغامضة، وأحيانًا الخاطئة، لتحديد نوع الكلب (هام: هل كلبى جاهز؟ كلوف: ينقصه ساق. هام: هل هو ناعم الملمس؟ كلوف: إنه نوع من كلاب البوميرانيان). ولونه، عندما يُعطيه كلوف لعبة سوداء بثلاثة أرجل (هام: إنه أبيض، أليس كذلك؟ كلوف: تقريبًا. هام: ماذا تعنى تقريبًا؟ هل هو أبيض أم لا؟ كلوف: ليس كذلك). وأخيرًا، جنسه (هام: لقد نسيتَ الجنس. كلوف: (منزعجًا). لكنه لم ينتهِ بعد. الجنس يستمر فى النهاية. هام: لم تضع شريطه. كلوف: (غاضبًا). لكنه لم ينتهِ بعد، أقول لك! أولًا تُنهى أمر كلبك ثم تضع شريطه!).
 من الواضح أن العبثية الشكلية (أو المنطقية) حاضرة هنا. فالأسئلة التى طرحها هام والإجابات التى قدمها كلوف تعتمد على قصور أولى فى فهم المعنى (كما تقتضى قوانينه القبلية) فيما يقصده هام بشأن خصائص الكلب وسلوكه: فلا يمكن لأى شيء محدد أن يدركه هام الكفيف بمعناه الحدسى الكامل. فهو يمتلك حاسة اللمس، لكن المثير للاهتمام أنه لا يسأل إلا عن لون الكلب، أو يتحدث عن افتقاره إلى «الجنس» و»الشريط»، وهما جانبان من النية التى يعجز عن تحقيقها لأن اللعبة لا تحتوى على جنس ولا شريط فى شكلها غير المكتمل. كلوف هو صانع اللعبة، ومن حقه أن يقول ما يشاء بسبب هذه الحقيقة. اللغة، بشكل غير مباشر، تُحقق مقاصد هام الدلالية بطريقة ما، بينما تُشارك أيضًا فى إنتاج المعنى غير المحدد إلى حد كبير: عالم مُختلق لهام لا يُطابق حقيقة الشيء الذى يراه كلوف والجمهور، والذى يستطيع كلوف تحديده مستقبلًا. هذا التناقض فى درجة الإشباع المُتحققة بين الشخصيات والجمهور يُبرز العبثية.
 يُعدّ التمييز بين الحدود النحوية والمنطقية للمعنى أمرًا جوهريًا لمنظورنا، إذ يفتح آفاقًا جديدة لفهم تجربة العبث، استنادًا إلى قدرتنا على إدراك تمييز آخر بين مجرد غياب المعنى أو انعدامه (das Sinnlose)، والتجربة المحددة لفشل المعنى (das Absurde). لا يُمكن للهراء النحوى أن يجعلنا نشعر بالتناقض مع المعنى كما يفعل انعدام المعنى المنطقى لأنه لا يُولّد حتى تجربة ذات معنى محتملة فالهراء النحوى يمنعنا من تجربة أى نوع من المعنى على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، يصف انعدام المعنى المنطقى تجربة متناقضة يُؤدّى فيها فعل المعنى على الرغم من أن قصده محكوم عليه بالفشل؛ فهو غير قادر على الإشارة بشكل صحيح إلى أى شيء مُحدد، حتى لو كان مثاليًا أو خياليًا بحتًا. فمنطق اللامعنى متناقض، إذ يبدو المعنى فى الوقت نفسه ممكنًا نحويًا (حيث تتحد الكلمات لتشكل معنىً موحدًا) ومستحيلًا منطقيًا (بسبب التناقض المسبق بين أجزاء المعنى المختلفة). لكن يجب التسليم بإمكانية المعنى إذا أردنا تفسير التجربة المحددة التى يعتمد عليها العبث، لأنه فقط عندما يُعتقد أن المعنى ممكن، يمكن للمرء أن يختبر فقدانه.
 • أفعال الانجاز وتجربة انعدام المعنى
 ينبغى أن يكون واضحًا الآن كيف يسمح تحليل هوسرل بوصف غير وجودى لتجربة العبث، متجذر فى نظرية للمعنى تُقر بإمكانية إضفاء معنى حتى مع الفشل فى إضفاء أى معنى. ولوصف تجربة الفشل هذه، نحتاج إلى العودة إلى البحث المنطقى الأول الذى يحلل فيه هوسرل العلاقة بين قصد المعنى الفارغ والحدس الذى يمكن أن يحققه. وتُعتبر علاقة الإتمام هذه (Erfüllung) من وجهة نظر هوسرل مكونة للمعنى، لأنها مسئولة عن «الامتلاء» الذى بدونه تبقى قصدية المعنى فارغة :
الاسم، على سبيل المثال، يُسمّى الشيء الذى يُشير إليه مهما كانت الظروف، طالما أنه يعنى ذلك الشيء. ولكن إذا لم يكن الشيء حاضرًا فى ذهن المرء بشكلٍ بديهى، وبالتالى لم يكن حاضرًا فى ذهنه كشيء مُسمى أو مُراد، فإن المعنى المجرد هو كل ما فى الأمر. إذا تحققت الآن قصدية المعنى الفارغ فى الأصل، وتحققت العلاقة بالشيء، وأصبحت التسمية علاقة فعلية واعية بين الاسم والشيء المُسمى.
يُفسر هذا التصور لدور الإشباع الحدسى فى تحديد المعنى سبب أهمية الإمكانية المنطقية للعلاقة بموضوع ما، لدرجة أن التعبير الصحيح نحويًا الذى لا يقصد موضوعًا محددًا (مثل «مربع دائري») يكون «بلا معنى». إذا التزمنا بمفهوم «دقيق» للمعنى، فإن «انعدام الموضوع» (Gegenstandlosigkeit) و»انعدام المعنى» (Bedeutungslosigkeit) مترادفان :
إن استخدام تعبير ما بشكلٍ ذى دلالة، والإشارة إلى شيء ما بشكلٍ تعبيرى (لتقديم عرضٍ له)، هما أمران متطابقان. [...] يكون للتعبير معنى عندما يوجد شيءٌ مطابقٌ له، ويكون بلا معنى عندما لا يوجد مثل هذا الشيء.
بقدر ما يؤكد على الصلة الوثيقة بين قصدية المعنى والحدس الذى لا يستطيع إلا أن يوفر لها موضوعها المقصود، فإن علاقة الإشباع تفسر حقيقة أن الكلمات لا يُتوقع منها فقط أن تكون ذات معنى، بل أن تبنى صلة إيجابية بالعالم من خلال إقامة علاقة ذات معنى مع الأشياء (سواء كانت حقيقية أو مثالية أو خيالية).


ترجمة أحمد عبد الفتاح