اتحاد الممثلين!

اتحاد الممثلين!

العدد 965 صدر بتاريخ 23فبراير2026

فشل مؤتمر إنقاذ المسرح المصرى، الذى عُقد عام 1934، ولم يسفر عن تكوين «الفرقة الحكومية»، كونها هدف المؤتمر وسبب انعقاده! وسبب الفشل هو الصراع بين أصحاب الفرق المسرحية أو بين مديرى الفرق المسرحية، دون أى تدخل من قبل الممثلين أنفسهم، لذلك استغل بعض الممثلين الموقف، وتقدموا إلى لجنة الوزارة باقتراح تشكيل اتحاد منهم يكون بديلًا للفرقة الحكومية! فوجدت الوزارة فى هذا المقترح مخرجًا لها من أزمة فشل المؤتمر، وفشلها فى تكوين الفرقة الحكومية، وطالبت اللجنة من هؤلاء الممثلين سرعة تقديم المقترح رسميًا! وبالفعل كتبوا خطابًا رسميًا، نشرته مجلة «الصباح»، وهذا نصه:
«حضرة صاحب المعالى وزير المعارف.. بعد الإجلال والاحترام يتشرف «اتحاد الممثلين» بإبلاغ معاليكم بالآتي: لاحظت الهيئة التى يضمها الاتحاد والتى تتألف من كبار الممثلين والممثلات أن مديرى الفرق القائمة لأسباب لا داعى لذكرها ولا نتعرض لها منصرفون عن الغاية التى نعمل جميعًا من أجلها لذلك اتحدنا، وتضافرنا وكوّنا وحدتنا مستقلين عنهم، وليس فيما عملناه ثمة تحدٍ لمديرى الفرق الذين نجلهم ونحمل لهم أحسن الذكريات، وكل ما عملناه هو إيجاد مخرج يضمن لنا الأرزاق فى هذه الأزمة الطاحنة كيما سيسير فن التمثيل نحو الكمال المنشود، ولذلك قررنا ألا نعمل مع هؤلاء المديرين ونستقل بأنفسنا فكوّنا هذا الاتحاد راجين أن نستأنس الوزارة برأى «اتحاد الممثلين» الذى يمثل الأغلبية الساحقة من ممثلى وممثلات المسرح المصرى قبل «البت» فى توزيع الإعانة وإلا فات على اللجنة غرضها من إقالة المسرح من عثرته. وتنازلوا يا معالى الوزير بقبول مزيد احتراماتنا. [توقيع] «اللجنة المنتدبة»: أحمد علام، حسين رياض، فتوح نشاطى، عبدالعزيز خليل، دولت أبيض.
هذا الخطاب يحتاج إلى توضيح من مجلة «الصباح»، كونه جاء بعد اجتماع يوم 8 فبراير، الذى لا نعلم ماذا حدث فيه ليتغير موقف الوزارة من تكوين «الفرقة الحكومية» إلى قبول «اتحاد الممثلين»! لذلك نشرت المجلة هذا التوضيح تحت عنوان «اتحاد الممثلين فى وزارة المعارف»، قائلة: كان مساء الاثنين 12 فبراير موعد انعقاد اللجنة الرسمية بوزارة المعارف برئاسة صاحب العزة محمد بك العشماوى للبحث فى تنفيذ القرار الذى صدر فى جلسة مساء الخميس 8 فبراير بتكوين فرقة أدبية واحدة من الأستاذ يوسف وهبى والسيدة فاطمة رشدى وفرقة أخرى للأوبرا والأوبريت من السيدة منيرة المهدية والأستاذين عزيز عيد وعبدالله عكاشة. فلما علمت اللجنة بعدول الأستاذ يوسف وهبى عن قبول الاشتراك مع السيدة فاطمة رشدى وانسحابه من التمثيل وطلب الإعانة وأن الأستاذ عزيز عيد هو الآخر أرسل إليها مذكرة خلاصتها استحالة اتفاقه مع السيدة منيرة المهدية وعبد الله عكاشة وأنه أحق بأن تعهد إليه الوزارة بتكوين فرقة أدبية تنفق عليها الحكومة من إعانتها. لما علمت اللجنة بهذا سألت مندوبى «اتحاد الممثلين»، وهم الأساتذة عمر وصفى، وعبد العزيز خليل، ومحمد يوسف عن نظام الاتحاد فأبلغوها أن هذا الاتحاد مكون من جميع الممثلات والممثلين المحترفين والذى يضم ثلاثين ممثلًا و14 ممثلة موقعين بإمضاءاتهم على تفويض يعطى لنا حق الكلام بأسمائهم وهو مستعد لأن يقوم بإحياء المسرح المصرى بالشروط التى تعرضها الوزارة على أن تصرف له بهذه الصفة الإعانة المقررة للمسرح هذا العام! وفى هذا الوقت أعلن «جورج أبيض» أمام الجميع انضمامه إلى الاتحاد! وهنا سألت اللجنة مندوبى الاتحاد عن المسرح الذى ستمثل عليه فرقتهم، فأبرزوا خطابًا من «عزيز عيد» يقول فيه: «قبلت ورضيت أنا الموقع على هذا عزيز عيد أن أضع مسرحى «دار التمثيل العربي» وما فيه من معدات ومناظر وملابس تحت تصرف هيئة الممثلين وأن أنضم إلى هذه الهيئة للعمل معها». لكن الأستاذ عزيز تراجع أمام الجميع عن الانضمام وعن تقديم مسرحه! فقال مندوبو الاتحاد إنهم على استعداد للاتفاق مع مسرح آخر حالًا!
تأجج الصراع بين مديرى الفرق المسرحية، وبين اتحاد الممثلين، وبين الممثلين أنفسهم، فظهر اتحاد آخر للممثلين، يُطالب بدعم الوزارة له، وتقدم بمذكرة – نشرتها الصحف تحت عنوان «عريضة الاتحاد الجديد إلى لجنة تشجيع التمثيل» – قال فيها: «حضرة صاحب العزة رئيس لجنة تشجيع التمثيل. بعد التحية، نتشرف بأن نحيط علم عزتكم أنه رغبة فى النزول على إرادة لجنة تشجيع التمثيل من إيجاد وحدة تجمع عنصر التمثيل فى جبهة واحدة لتوحيد الجهود فى خدمة فن التمثيل قد اتحد ممثلو وممثلات فرق الكوميدى والأوبرا والأوبراكوميك وكوّنوا منهم اتحادًا شبيهًا باتحاد إخوانهم ممثلى «الدراما» وأطلقوا عليه اسم «اتحاد الممثلين العام» لانضمام جميع الممثلين المحترفين. ولوفرة عددهم الذى يربو عن المائة والعشرين، قرروا أن يؤلفوا منهم فرقة كبيرة تعمل على تحقيق فكرة الوزارة لتمثيل روايات الأوبرا والأوبراكوميك لتوفر استعداد أفرادهم فى هذا النوع من التمثيل. وهم لا يقصدون شل حركة مديرى الأجواق. بل هم مستعدون لأن يمدوهم بمن يلزم لهم من الأفراد. وقد انتخبوا رئيسًا لهم الأستاذ «عزيز عيد» ليسترشدوا بفنه فى إنشاء الأوبرا والأوبراكوميك على قواعدهما المنشودة. والأعضاء هم: محمد شكرى، محمد مصطفى، جبران نعوم، محمد حجازى، لإدارة حركة تنظيم هذا الاتحاد وللتشرف بمقابلة اللجنة واطلاعها على هذا الاتحاد والاسترشاد بآرائها السديدة وستمثل هذه الفرقة بعون الله على مسرح الأستاذ عزيز عيد الذى سيديرها فنيًا ويخرج رواياتها وهى معدة بكامل الاستعداد ولا ينقصها سوى تعضيد الوزارة الأدبى والمادى. وجميع أعضاء اتحاد الممثلين العام يؤملون أن تشملهم الوزارة برعايتها وعطفها وأن تساعدهم على تحقيق غايتهم عسى أن يحقق الله سبحانه وتعالى الخير والتوفيق».
ظل التنافس قائمًا بين الاتحادين، ووصل الأمر إلى التشاحن اللفظى وكتابة المقالات، حتى استقرت الأمور بعض الشيء واستكمل «اتحاد الممثلين» الموسم المسرحى بعروض مسرحية محدودة! ومن الصعب علينا تتبع ما حدث لأنه يحتاج إلى سلسلة مقالات خاصة، لا يجوز كتابتها هنا لأنها خارج الموضوع، هذا بالإضافة إلى أن فرقة «اتحاد الممثلين» لم تكن بديلة عن «الفرقة الحكومية»، التى نادى بها البعض، وكأننا سنبدأ من الصفر مرة أخرى! لذلك وضع ناقد جريدة «أبو الهول» شروطًا لقيام الفرقة الحكومية، متجنبًا فيها جميع المشاكل التى ظهرت من فرقة «اتحاد الممثلين»، ونشر هذا فى فبراير 1935، تحت عنوان «مشكلة المسرح»، قائلًا:
ليس لنا الآن سوي موضوع واحد لحل مشكلة المسرح، ويعود إليه رونقه وبهاؤه وعظمته الواجبة الخلود. وفى رأينا أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو «الفرقة الحكومية»، فرقة تتكون من الممثلين الممتازين فحسب، أما غيرهم ممن يصرون على الاشتغال بالتمثيل أمامهم البلاد فليزرعها طولًا وعرضًا صحبة فرق جوالة تنشر الفن فى الريف. ورأينا فى نظام الفرقة الحكومية نبينه فيما يلي: أولًا، تساوى المرتبات. ونأمل أن لا يلقى هذا الاقتراح أى اعتراض من الممثلين الذين يحسون من أنفسهم بالتفوق على غيرهم فكفاهم أنانية أودت بالمسرح إلى مثل هذه الحال، ثم أنهم يجب أن يبرهنوا على إخلاصهم للفن، وما دام أنه قد كفل لهم العيش فلا محل للشكوى. ثانيًا، الرقابة الفنية يجب أن تكون لأحدهم على أن لا يسمح له بالتمثيل أبدًا إلا إذا تنازل نهائيًا عنها حتى لا يستأثر بالدور الذى يعجبه لنفسه. ثالثًا، اختيار الروايات يعهد إلى جماعة من النقاد المعترف بهم الذين تسمح لهم ثقافتهم بذلك وهم المسئولون أدبيًا أمام الحكومة والجمهور عن قيمة هذه الروايات، على أن يعطوا مكافأة عن عملهم هذا. رابعًا، توزيع الأدوار ويعهد إلى هؤلاء النقاد أنفسهم مع معاونة المدير الفنى ولا شأن للممثلين بهذا مطلقًا، وليس لأحدهم أن يرفض الدور الذى يعطى له مهما كانت قيمته. خامسًا، يسمح للممثلين أن يشتغلوا بالخارج بضع ليال إذا سمح العمل بذلك حتى يعوض ذووا المقدرة منهم بعض ما خسروه ماديًا من تساوى المرتبات. سادسًا: مدة العمل أربعة شهور شتاءً وهى نوفمبر وديسمبر ويناير وفبراير والعمل بمدينة القاهرة، وشهران صيفًا وهما يوليو وأغسطس والعمل بمدينة الإسكندرية. سابعًا، يجب ألا يزيد عدد الروايات التى تخرجها الفرقة فى الأربعة شهور عن ثمانية، وألا تقل عن ستة. هذا هو رأينا فى تكوين «الفرقة الحكومية» ونظامها أدلينا به فى انتظار ما يتمخض عنه المستقبل وما تخبئه الأيام.
وفى مارس 1935 نشرت جريدة «الوادى» ملخصًا لتقرير لجنة ترقية المسرح المصرى - المرفوع إلى الوزير، والموقع من الدكتور «حافظ عفيفى باشا»، قائلة: حرصت اللجنة على ما تقول فيما أصاب التمثيل من ضعف ولا فيما يزيل عنه هذا الضعف بل أرادت أن تبحث وتستقصى وتسمع آراء الممثلين أنفسهم والمتصلين بالتمثيل من قريب أو من بعيد، فدعت إليها جماعة من رؤساء الفرق التى كانت عاملة ومن الممثلين والممثلات الذين كانوا يعملون ومن الذين لهم بهذا الفن عناية، أما لأن عملهم الرسمى يضطرهم إلى ذلك وأما لأنهم يحبون الفن. وقرأت ما رفع إليها من التقارير والملاحظات وانتهت بعد هذا كله وبعد المناقشات الخاصة فى خمس جلسات طويلة إلى طائفة من الاقتراحات نرى أن ليس من سبيل إلى إصلاح التمثل العربى دونها. «أولًا: إنشاء فرقة قومية» تحمى الفرق التمثيلية الضعيفة الموجودة الآن من التنافس الذى لا تقدر عليه ولا تستطيع أن تنهض بأثقاله. وسبيل ذلك إنشاء «فرقة قومية» قوية تتألف من أقوى العناصر وأعظمها حظًا من الكفاية وتختار هذه العناصر من الفرق التى كانت عاملة كلها وتختار كذلك من الممثلين الذين لم يكونوا يعملون أو لم يكونوا يحترفون التمثيل ويتخذونه صناعة. ويجب أن تكون العناصر القوية التى تتألف منها هذه الفرقة مختلفة متنوعة يمكن أن تمثل أنواع القصص التمثيلية على اختلافها وتنوعها. «ثانيًا، إشراف الحكومة ووسائله»: ولتحقيق ذلك لا بد من أن يحال بين هذه الفرقة وبين الاشتغال بغير التمثيل أو التفكير فى غير التمثيل أو تكلف ما لا يطيقه أصحاب الفن من العناية بالإدارة وتدبير المال، وسبيل ذلك أن تشرف الحكومة على هذه الفرقة إشرافًا يغنيها عن أن تتحمل ما لا تطيق، بأن تعين الوزارة لجنة من خمسة أعضاء تختارهم من بين أصحاب الثقافة الممتازة فى الأدب والفن وتكل إليهم تدبير أمور هذه الفرقة على اختلافها، بمعنى أنها تعنى بالناحية الفنية فتكوّن منها لجنة القراءة وتعنى بالناحية الإدارية أيضًا، وأن يعين الوزير لهذه اللجنة رئيسًا يكون هو المدير العام للفرقة المسئول وأن يعين الوزير أيضًا مديرًا فنيًا للفرقة ترشحه له هذه اللجنة نفسها. «ثالثًا: إيراد الفرقة»: أما دخل هذه الفرقة فيتكون مما يناله التمثيل نفسه لها أثناء الموسم، ومن الإعانة التى ترفعها لها الوزارة. وإذا قدر لهذه الفرقة البقاء والنجاح لا بد من أن تخصص الحكومة لها إعانة قيمة خليقة بما يجب لهذا الفن الأدبى الرفيع من حمايتها وعنايته. وإذا لاحظنا أن الإعانة التى تخصصها الحكومة للتمثيل الأجنبى لم تقل منذ سنة 1930 عن ثمانية آلاف من الجنيهات وقد ارتفعت فى هذه السنة إلى ثلاثة عشر ألفًا، وإذا أضفنا إلى هذا المقدار ما تنفقه الحكومة على دار الأوبرا نفسها وهو لا يقل عن خمسة آلاف من الجنيهات. فلسنا غلاة ولا مسرفين إن طالبنا ألا تقل إعانة الحكومة المصرية للتمثيل العربى عن خمسة عشر ألفًا من الجنيهات، ولسنا فى حاجة إلى أن نذكر أن هذه الإعانة لن تكون ضائعة ولن تنفق عبثًا. ونرى أن يكون الممثلون صنفين، أحدهما فريق يتقاضى مرتبات ثابتة، والآخر فريق يتقاضى حصصًا معينة من الأرباح. «رابعًا: دار التمثيل»: نجاح هذه الفرقة موقوف على أن تكون لها دار ملائمة بقدر الإمكان لحاجات التمثيل فى هذا العصر الحديث. واللجنة تقترح أن تخصص الحكومة دار الأوبرا لهذه الفرقة فى الموسم من كل عام على أن يكون الموسم فى القاهرة فصلين أحدهما يبتدئ فى أوائل أكتوبر وينتهى فى أوائل مايو، وفيما بين هذين الفصلين تعمل الفرقة فى الأقاليم ليكون لأهل المُدن حظهم من هذا المتاع الفنى من جهة ولتستطيع الفرقة أن تجتنب البطالة فى أحسن فصول السنة من جهة أخرى. وفى أثناء هذا الوقت تخصص دار الأوبرا شهرين للتمثيل الأجنبى من 15 يناير إلى 15 مارس، فأما شهر مايو ويونيو فستشتغل فيهما الفرقة بالتمثيل فى مدينة الإسكندرية، وعلى هذا النحو تنفق الفرقة فى العمل تسعة أشهر كاملة موزعة توزيعًا حسنًا بين أهل مصر جميعًا. «خامسًا: إصلاح الدار»: على أن تخصيص دار الأوبرا لهذه الفرقة لا يعنى شيئًا إذا لم تنهض الوزارة بإصلاح هذه الدار وجعلها ملائمة بقدر الطاقة لا لحاجات التمثيل العربى وحده بل لحاجات التمثيل الأجنبى أيضًا. وسبيل ذلك فيما نعتقد أن تدعو الوزارة مهندسًا خبيرًا بعمارة دور التمثيل وحاجاتها المختلفة ليقضى فى مصر مدة قصيرة مع الخبير الآخر الذى سنشير باستدعائه!


سيد علي إسماعيل