العدد 965 صدر بتاريخ 23فبراير2026
1. مستخلص الدراسة (Abstract)
تعد هذه الدراسة محاولة نقدية موسعة لإعادة قراءة المسرح العربى المعاصر فى ضوء المسرح العالمى، من خلال إجراء مقارنة بنيوية وسيكولوجية بين مسرحية «ديك الجن» للدكتورة ملحة عبدالله ومسرحية «عطيل» لوليام شكسبير. تنطلق الدراسة من إشكالية «الجذور الثقافية المشتركة» لمأساة الغيرة والوشاية، بالبحث فى فرضية الأسبقية التاريخية لقصة ديك الجن الحمصى كأصل أصيل انتقل عبر الوسائط الثقافية إلى الأدب الأوروبى.
تستخدم الدراسة المنهج المقارن والمنهج السيكو-أنثروبولوجى لتشريح دوافع الأبطال، مع التركيز الخاص على مفهوم «الشرف» فى الوجدان الجمعى. وتخلص الدراسة إلى أن معالجة ملحة عبدالله تندرج تحت مفهوم “المسرح التنموي” الذى يهدف إلى تفكيك سيكولوجيا العنف ضد المرأة، بينما ركز شكسبير على الصراع التراجيدى الكونى. إن هذه المقارنة تهدف فى جوهرها إلى إثبات أن الفن المسرحى هو مرآة عاكسة للتحولات السلوكية فى المجتمعات البشرية كافة كون أن النسرح عموما هو إرث عالمى للإنسانية جمعاء.
2. أهمية الدراسة (Significance)
تنبثق أهمية هذه الدراسة من عدة زوايا بحثية هامة:
الأهمية التاريخية: توثيق الحق العربى فى واحدة من أعظم تراجيديات الأدب العالمى، وإثبات أن قصة ديك الجن الحمصى التى حدثت فى حوالى (القرن التاسع الميلادي) كانت تمثل الخط الملهم الخفى لمسرحيات الغيرة العالمية.
الأهمية السيكولوجية: تشريح العوامل النفسية التى تجعل البطل (ديك الجن/عطيل) يستجيب للوشاية رغم عمق الحب، وتحليل “فوبيا الشرف” كمرض اجتماعى.
الأهمية التنموية: إبراز دور المسرح كأداة “تنموية” قادرة على مواجهة جرائم الشرف وتغيير المفاهيم البالية من خلال “الصدمة الدرامية”.
3. أهداف الدراسة (Objectives)
تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:
تحليل البناء الدرامي: مقارنة عناصر الحبكة (المحرض، الضحية، الأداة الرمزية) فى كلا العملين.
التأصيل الأنثروبولوجي: فهم الأبعاد الثقافية لمفهوم “الشرف” وكيف يتحول إلى قيد يقتل صاحبه قبل ضحيته.
دراسة “المسرح التنموي”: استجلاء فلسفة الدكتورة ملحة عبدالله فى توظيف التاريخ لخدمة قضايا معاصرة.
تتبع المسار الأدبي: رصد كيفية انتقال القصة العربية إلى إيطاليا ثم إلى إنجلترا شكسبير.
4. فروض الدراسة (Hypotheses)
الفرضية الأولى: هناك علاقة تأثر وتأثير مباشرة أو غير مباشرة تربط بين قصة ديك الجن الحمصى ومسرحية عطيل، نظرًا لتطابق التفاصيل (الغيرة، الوشاية، العقد/المنديل).
الفرضية الثانية: استجابة البطل (القتل) هى نتاج ضغط “أنثروبولوجي” خارجى (المجتمع والقبيلة) أكثر مما هى نتاج دافع عاطفى داخلى.
الفرضية الثالثة: المسرح التنموى يمثل نقلة نوعية فى معالجة التراث، حيث ينتقل من “التمجيد” إلى “التفكيك والعلاج”.
التأصيل التاريخى والدرامى لقصة “ديك الجن”
القراءة التحليلية لنص مسرحية ديك الجن
تُقدم مسرحية “ديك الجن” للدكتورة ملحة عبدالله قراءة تحليلية عميقة تتجاوز مجرد سرد قصة حب مأساوية، لتشمل أبعادًا سياسية وفكرية وقومية، حيث يبرز عبدالرحمن الداخل (صقر قريش) كشخصية محورية تعكس الصراع على البقاء والهوية الإسلامية فى الأندلس بالتوازى مع صراعات المشرق.
1. البداية: عالم المجون والاغتراب ( فى المشهد الأول - الثالث)
تبدأ المسرحية فى حانات حمص، حيث يظهر ديك الجن كشخصية “ماجنة” تعيش فى عالم من الشعر والخمر.
يتم استعراض التباين بين حياة الشعراء (ديك الجن وأبو نواس) وبين السلطة السياسية المتمثلة فى هارون الرشيد وبلاطه الذى يعج بالبرامكة والجوارى.
يظهر أبو الطيب (ابن عم ديك الجن) كشخصية حاقدة تمثل الصراع الطبقى والاجتماعى داخل القبيلة، فهو يكره ديك الجن بسبب هجائه له ولأهله.
2. الوسط: لقاء ورد وبداية الصراع (فى المشهد السادس - السابع)
تلتقى المسارات الشخصية بالسياسية؛ فبينما يقع ديك الجن فى حب ورد بنت الناعمة عند نهر العاصى، تشتعل الصراعات فى بغداد وقرطبة.
تطرح المسرحية قضية الفتنة الطائفية والقبلية من خلال رفض الكنيسة والقبيلة لزواج ديك الجن (المسلم) من ورد (المسيحية)، وهو الرفض الذى باركه القضاء والخليفة درءًا للفتنة.
3. جزئية صقر قريش (عبدالرحمن الداخل) فى السرد التحليلي:
يُعد ظهور عبدالرحمن الداخل فى المسرحية “مرآة” لصورة الحاكم الذى يعانى الاغتراب، ولكنه يحمل همّ الأمة:
الظهور الدرامي: يظهر فى المشهد الثامن تحت “نخلة” بالأندلس، وهو فى التاسعة والخمسين من عمره، يجسد رمزية الحنين لدمشق (الشام).
الصراع مع الرشيد: يمثل الداخل التحدى الوجودى للعباسيين؛ فالرشيد يراه خطرًا أمويًا يسعى لهدم الدولة، بينما يرى الداخل نفسه حاميًا لثغور الإسلام فى الغرب من مطامع شارلمان.
فلسفة السقوط: ينطق الداخل بعبارة تحليلية هامة: “القلعة لا تسقط إلا حين يتساءل حماتها عن جدوى حمايتها”. وهى رسالة موجهة ضد الفتن الداخلية والخيانة التى تغذيها القوى الخارجية (شارلمان والرشيد).
المأساة الشخصية للداخل: يصور السرد عبدالرحمن الداخل كقائد جريح ينزف دمًا من عينه، فى إشارة رمزية إلى الألم الذى يعتصر قلبه من تشرذم الأمة العربية.
4. النهاية: ذروة المأساة والسقوط (المشهد الثانى عشر وما بعده)
تكتمل المؤامرة الشخصية حين يستغل أبو الطيب غيرة ديك الجن، فيعطيه عقدًا ادعى أنه لورد ليوهمه بخيانتها مع صديقه بكر بن رستم.
تنتهى المسرحية بجريمة قتل ديك الجن لورد وبكر فى لحظة جنون وغيرة، ثم يكتشف لاحقًا براءتها من اعترافات أبى الطيب وهو يحتضر.
الخاتمة الرمزية: يحرق ديك الجن جثة ورد ويخلط رمادها بالتراب ليصنع منه كأسًا، وهى نهاية ترمز إلى تدمير الجمال والطهر نتيجة الجهل والمؤامرة، تمامًا كما حذر عبدالرحمن الداخل من سقوط القلاع بسبب الفتن.
تجمع ملحة عبدالله فى هذا النص بين مأساة الحب ومأساة السياسة، معتبرة أن الجهل والحقد الشخصى (أبوالطيب) لا يقلان خطورة عن المؤامرات الدولية (شارلمان) فى هدم الكيانات الإنسانية والسياسية.
وتعد مسرحية «ديك الجن» للكاتبة الدكتورة ملحة عبدالله عملًا دراميًا تاريخيًا يغوص فى أعماق النفس البشرية، مستلهمًا قصة الشاعر العباسى الشهير عبدالسلام بن رغبان المعروف بـ«ديك الجن الحمصى». إن هذا الاختيار للشخصية لم يكن عشوائيًا، بل جاء ليجسد الصراع الأزلى بين العاطفة الجياشة وبين القيود الاجتماعية الصارمة فى العصر العباسى.
1. البيئة الدرامية والشخصيات:
تدور أحداث المسرحية فى حمص، وهى مدينة كانت تمتاز بتنوعها الثقافى والدينى فى العصر الذهبى (عهد هارون الرشيد والمأمون).
ديك الجن (عبدالسلام بن رغبان): يظهر فى المسرحية كشخصية إشكالية؛ فهو الشاعر الماجن الذى يهيم بالجمال، لكنه فى الوقت ذاته مسكون بقلق وجودى وتملك عاطفى.
ورد بنت الناعمة: هى الشخصية المحورية التى تمثل النقاء، وهى فتاة نصرانية أسلمت لتتزوج من تحب، ما جعلها هدفًا سهلًا للمؤامرات لكونها «غريبة» أو «وافدة» على المنظومة القبلية لابن رغبان.
وتُعد شخصية «ورد» فى مسرحية ملحة عبدالله رمزًا مكثفًا لـ العروبة فى حالتها المأساوية، حيث تتجلى صورة «العروبة التى لا حول لها ولا قوة» من خلال عدة أبعاد تحليلية تربط بين مصيرها الشخصى والمصير القومى المهدد بالدسائس:
1. ورد كرمز للأرض والهوية (الجمال المستهدف)
تُمثل ورد فى السرد التحليلى للنص تلك «الأرض» أو «الهوية» التى يتكالب عليها الجميع؛ فهى الفتاة التى توصف بأنها «أنقى من ماء نهر العاصى»، وبياض وجهها الموشح بالحمرة جعلها رمزًا للجمال العربى الفطرى.
هذا الجمال والصفاء هو ما جعلها مطمعًا للدسائس، تمامًا كما كانت الحواضر العربية (مثل حمص وبغداد وقرطبة) مطمعًا للصراعات السياسية بين العباسيين والأمويين وبين الشرق والغرب.
2. ضحية صراع الأجندات (المؤامرة والفتنة)
تجسد ورد صورة العروبة الممزقة بين القوى المتصارعة؛ فهى مسيحية أحبت مسلمًا، وهذا الحب لم يُترك ليكون إنسانيًا، بل تحول إلى وقود لـ«فتنة بين القبائل» يخشاها القضاة والسياسيون.
وقوف الكنيسة والقبيلة والخليفة ضد رغبتها يعكس كيف تُسحق إرادة «الإنسان العربى» (الذى تمثله ورد) تحت وطأة القوانين والتحالفات السياسية والدينية التى تُحاك فى الغرف المغلقة.
3. «لا حول لها ولا قوة» أمام الغدر الداخلى
تتجلى قمة مأساتها فى كونها ضحية لـ«خيانة الأقربين»، المتمثلة فى شخصية أبوالطيب (ابن عم ديك الجن). هو لم يقتلها مباشرة، بل استخدم «الدسيسة» لإيهام حبيبها بخيانتها.
هذا يعكس رمزيًا كيف تُطعن العروبة من الداخل عبر الفتن والمكائد التى ينسجها “أبناء العمومة” (الصراعات العربية-العربية)، مما يؤدى فى النهاية إلى تدمير الذات (قتل ديك الجن لورد).
4. التضحية بالذات (الإسلام كخيار وجودي)
فى تحول درامى عميق، تختار ورد الإسلام كفعل إرادة لتكسر القيود،من خلال إعلانها لاسلامها قائلة لوالدها: “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”.
هذا القرار لم يحمِها، بل زاد من حدة المؤامرة ضدها، مما يصور العروبة ككيان يحاول البحث عن مخرج أو هوية جامعة، لكنه يواجه بالرفض والتحريض الذى ينتهى بسقوطها فى “النهر” أو موتها غدرًا.
5. رماد ورد ورماد الأمة
النهاية التى يخلط فيها ديك الجن رماد جثة ورد بالتراب ليصنع منه كأسًا، هى أبلغ صورة لضياع العروبة؛ حيث يتحول الكيان الحى والجميل إلى مجرد “ذكرى ميتة” أو “رماد” يشربه التاريخ بمرارة نتيجة الجهل والغيرة والفتن التى حذر منها الدكتورة ملحة عبدالله على لسان عبدالرحمن الداخل فى النص المسرحى.
فورد فى نص ملحة عبدالله ليست مجرد امرأة مقتولة، بل هى “جغرافيا العروبة” التى ذُبحت بسكين الفتنة الداخلية، وضاعت وسط صراعات الكراسى (الرشيد والداخل) ومؤامرات الحاقدين (أبو الطيب)، لتبقى صورة للضحية التى لم تملك من أمرها شيئًا سوى الحب والوفاء فى زمن الغدر السياسى.
أبو الطيب (الواشي): هو ابن عم ديك الجن، وهو الشخصية التى تمثل “الظل” أو “الجانب المظلم” من المجتمع. إن دافعه ليس مجرد كره “ورد”، بل هو حقد طبقى واجتماعى ورغبة فى تحطيم “صورة” الشاعر ( الفنان العربى ) المتمرد على تقاليد العائلة.
2. العقد الرمزى وسلطة الوهم:
فى نص الدكتورة ملحة عبدالله، يلعب العقد دور المحرك الأساسى للمأساة. تشير المسرحية بتفصيل إلى أن العقد ليس مجرد حلى، بل هو وثيقة براءة تم تزييف مدلولها. عندما قدم أبو الطيب العقد لديك الجن مدعيًا أنه وجده فى فراش الضحية مع الصديق بكر بن رستم، فإنه لم يقدم دليلًا ماديًا فحسب، بل قدم إدانة للمنظومة الذكورية بأكملها. ديك الجن لم يقتل ورد لأنه لم يعد يحبها، بل قتلها لأنه لن يستطع تحمل نظرة المجتمع التى جسدها له ابن عمه الخائن.
سيكولوجيا الشرف والوشاية (رؤية فى التربة النفسية للأبطال)
إن نجاح الوشاية فى مسرحيتى «ديك الجن» و«عطيل» لا يمكن عزوه فقط إلى ذكاء الواشى (أبوالطيب/إياغو)، بل يعود فى المقام الأول إلى طبيعة “التربة النفسية” التى نشأ فيها الأبطال. توضح المسرحيتين موضوع الدراسة أن البطل فى كلا العملين يعانى من «هشاشة وجودية» تجاه مفهوم الشرف:
الشرف ككيان زجاجي: تشير المسرحيتين بالاستناد إلى رؤية على الوردى فى “طبيعة المجتمع العراقي” ومصطفى حجازى فى “سيكولوجية الإنسان المقهور”، إلى أن الشرف فى المجتمعات التقليدية ليس قيمة أخلاقية متراكمة، بل هو “وضع اجتماعي” يمكن هدمه بكلمة واحدة. ديك الجن، بصفته شاعرًا مرهفًا، كان يرى فى “ورد” تجسيدًا لكرامته الشخصية أمام القبيلة. لذا، عندما ألقى “أبو الطيب” بذرة الشك، لم يتعامل معها ديك الجن كمعلومة تحتاج للتمحيص، بل كـ”اعتداء” على وجوده الاجتماعى يستوجب الرد العنيف الفورى.
سيكولوجيا “الإسقاط” لدى الواشي: من خلال الدراسة التحليلية لشخصية أبو الطيب بصفته تجسيدًا للحقد الطبقى والغيرة من “الآخر” المختلف. هو لا يريد قتل “ورد” لذاتها، بل يريد قتل “الروح المتمردة” فى ديك الجن. الوشاية هنا هى “فعل سياسي” داخل المنظومة القبلية، تهدف إلى إعادة الفرد المتمرد (الشاعر) أو (الفنان) إلى حظيرة الطاعة والالتزام بالقيم الجماعية القاسية.
الدراسة المقارنة مع “عطيل” (وحدة المأساة الإنسانية)
تنتقل هذه الدراسة إلى حقل “الأدب المقارن” لتثبت أن شكسبير، وإن كتب بالإنجليزية وفى عصر النهضة، قد غرف من منهل إنسانى قديم هو قصة “ديك الجن”.
وحدة الأداة الرمزية (العقد والمنديل): نورد فى هذه الدراسة تفصيلًا مذهلًا وهاما حول تحول “الأشياء التافهة” إلى “أدلة قطعية”. العقد فى مسرحية ملحة عبدالله، والمنديل فى مسرحية شكسبير، يمثلان “البكارة الرمزية”. فى وعى ديك الجن وعطيل، انتقال هذه الأداة من يد الزوجة إلى يد رجل آخر هو “انتقال للملكية الجسدية”. هذا التحليل السلوكى يوضح كيف أن العقل التراجيدى يُلغى المنطق ويستعيض عنه بـ “الرمز”.
عطيل كبطل “شرقي” فى بيئة “غربية”: تحلل هذه الدراسة عطيل بصفته (The Moorocian) الذى يحمل فى أعماقه ذات المفاهيم الأنثروبولوجية عن الشرف التى يحملها ديك الجن الحمصى. كلاهما يشعر بأنه “غريب” أو “مهدد”، مما يجعل دفاعه عن شرفه دفاعًا عن “هويته” المهددة بالذوبان أو التشويه.
“المسرح التنموي” كأداة لتفكيك العنف
هذا القسم يمثل جوهر رؤية الدكتورة ملحة عبدالله، حيث تفصل الدراسة فى كيفية تحويل “المأساة” إلى “درس تنموي”:
تجريد العنف من “قدسيته”: فى الموروث الشعبى، قد يُنظر لقتل ديك الجن لزوجته كفعل “بطولي” لغسل العار. لكن ملحة عبدالله، كما حولنا أن نوضح هنا فهى تقوم بـ “نزع القدسية” عن هذا الفعل، وتظهره كفعل “جنوني” بل و”أحمق”.
استراتيجية “الصدمة والتطهير”: مشهد الندم المروع (شرب كاسات الرماد) يهدف إلى إحداث “قرف سيكولوجي” من العنف. فالمسرح التنموى هنا يعمل كـ “علاج جمعي” يهدف إلى دفع المشاهد لإعادة النظر فى معتقداته حول “جرائم الشرف”، وتحويل الغيرة من “دليل حب” إلى “دليل مرض”.
التشريح السيكو-أنثروبولوجى لثقافة الشرف من خلال تركيزنا على “فوبيا الشرف” والوشاية كأداة للهدم الاجتماعي
علينا أن نتمعن من خلال هذا تحليل التفكيكى لكيفية اشتغال “الوشاية” داخل المجتمعات التى تقدس مفهوم الشرف بشكل عصابى. إن الوشاية التى قام بها “أبو الطيب” فى مسرحية د. ملحة عبدالله، و”إياغو” فى مسرحية شكسبير، لم تكن لتؤتى ثمارها الدموية لولا وجود “بنية نفسية” هشة لدى الأبطال تجاه الأنثى:
الشرف ككيان “بيولوجي” و”اجتماعي”: ونشير إليها فى هذه الدراسة مستشهدين بآراء بيتر بيرتوتشى فى كتابه (أنثروبولوجيا الشرف والعار)، إلى أن الشرف فى المنظور التقليدى الشرقى ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل هو “جسد مادي”. وعندما وشى أبو الطيب لديك الجن، هو لم يضرب أخلاق ورد فحسب، بل ضرب “رجولة” ديك الجن فى مقتل. ففى ثقافتنا الشرقية، يُختزل شرف العائلة والقبيلة فى “عفة المرأة”، مما يجعلتا كرجال فى حالة استنفار دائم لحماية هذا الكيان الذى نراه “ملكًا مشاعًا” لسمعة العشيرة.
سيكولوجيا “الإنسان المقهور” (مصطفى حجازي) نلاحظ تحليلًا مستفيضًا مبنيًا على رؤية د. مصطفى حجازي؛ حيث يعانى “الإنسان المقهور” والذى يمثله لنا بطلنا (ديك الجن هنا) من تضخم فى “الأنا” المرتبط بالمكانة ى خدش لهذه المكانة يُنظر إليه كفناء وجودى و الوشاية هنا عملت كشرارة فى حقل جاف من الهواجس عندما صدق ديك الجن ابن عمه لأن المجتمع الذى يحيط به علمه أن “الشك فى الشرف هو يقين حتى يثبت العكس بالدم فقط وليس غيره “.
الأنثروبولوجيا وفوبيا العفة (عند كل من نوال سعداوى وهشام شرابي)ومن خلال استشهادنا بتفصيل قسوة الممارسات الأنثروبولوجية التى تسيج جسد المرأة تقودنا الى حملة هذه المفاهيم خاصة عندما نستحضر جغرافيا الجسد نتوصل إلى أن الهوس بالعفة، قد يصل فى بعض الثقافات إلى ممارسات جراحية قاسية (كالخفاض)، وهو ذات الهوس الذى حرك خنجر ديك الجن وعطيل. ويمثل الجسد هنا كل من (جسد ورد وديزدمونة) وهو “أرض معركة” يثبت فيها الرجل سيطرته المطلقة لمفهوم العفة كما ينظر النظام الأبوى (المفهوم القبلى المسيطر ): بالاستناد إلى هشام شرابى، ومن خلال تحلل النص كيف أن “أبو الطيب” مثل سلطة النظام الأبوى الذى لا يقبل “الخروج عن السرب”. زواج ديك الجن من “ورد” النصرانية كان فى حد ذاته خرقًا للمنظومة، لذا كانت الوشاية وسيلة المنظومة لإعادة ديك الجن إلى “رشده” القبلى عبر الجريمة وهذا هو أحد المستويات الخفية الغيرة المتحركة بها نفسية الواشى.
تحليل “الأداة المادية” (العقد مقابل المنديل)
وعندما تتوسع فى شرح سيكولوجيا “الدليل القطعى التافه”:
العقد فى مسرحية ملحة عبدالله تجده بأنه يمثل “القيد الرمزي”. إن ضياع العقد وتسلمه من يد الواشى مثل لديك الجن لحظة “سقوط الحصن”. الأداة هنا ليست مجرد غرض، بل هى “لسان الواشي” الذى نطق بما كان ديك الجن يخشاه سرًا.
المنديل فى عطيل: يشرح لنا بوضوح كيف أن المنديل المنقّط بالفراولة يمثل “البكارة المفقودة” فى عقل عطيل. ونستطيع أن نؤكد أن هذا التشابه الحرفى بين “العقد” و”المنديل” كأداة للإدانة الزائفة هو أكبر دليل على وحدة المصدر التاريخى لكلا المأساتين التراجيديتين.
المسرح التنموى كإطار علاجى (رؤية ملحة عبدالله)
وهنا نصل إلى ذروة التوسع فى مفهوم “المسرح التنموي” الذى تتبناه الكاتبة من خلال رؤاها الفلسفية والفكرية والجمالية.
الصدمة كعلاج سلوكي: أن مشهد “الكؤوس والرماد” ليس مجرد تراجيديا، بل هو “فعل تنموي” يهدف لتوليد “اشمئزاز” من العنف وارى أن الكاتبة تريد من المشاهد أن “يتقيأ” فكرة القتل باسم الشرف من خلال بشاعة مصير البطل.
بناء الوعى النقدي: المسرح التنموى هنا لا يكتفى بالحزن، بل يدفع المتلقى للتساؤل: “لماذا صدق البطل؟”. وبذلك يتحول المسرح إلى “مختبر اجتماعى” لتعديل القيم وتفكيك العقد النفسية الموروثة.
تحليل الشخصيات من منظور هشام شرابى حول “النظام الأبوى”، حيث اعتقد جازمًا بأن جريمة ديك الجن هى نتاج طبيعى لسلطة ذكورية متسلطة ما زالت تسيطر على مجتمعاتنا.
سطوة “أبوالطيب” الرمزية: ويرى الباحث إلى أن أبو الطيب لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل “حارس التقاليد” الذى يرفض خروج ديك الجن عن المألوف (حبه لورد النصرانية). الوشاية هنا كانت “أداة ضبط اجتماعي” قاسية، تهدف لإعادة الشاعر إلى “بيت الطاعة” القبلى حتى لو كان الثمن هو ارتكاب جريمة قتل.
المرأة كضحية للنظام: تحلل هذه الدراسة كيف أن (ورد) فى “ديك الجن” و(ديزدمونة) فى “عطيل” تمثلان “القرابين” التى تُذبح على مذبح الشرف الذكورى.
فالمسرح التنموى عند ملحة عبدالله يحاول تعرية هذا النظام من خلال إظهار “عبثية” الجريمة، وبشاعة مصير الجانى الذى ينتهى به المطاف فى قاع الجنون.
لحظة “الاستنارة” والعدالة الدرامية (مقارنة النهايات)
وهنا علينا أن نتمعن فى تفصيل الفارق الجوهرى بين مأساة شكسبير ومعالجة ملحة عبدالله:
نهاية عطيل (التطهير الكلاسيكي): يختار شكسبير “الانتحار” كحل تراجيدى يعيد للبطل كرامته المفقودة. الانتحار هنا هو “فعل شجاع” فى العرف الدرامى الغربى، حيث يعاقب البطل نفسه ويسترد نبل روحه.
نهاية ديك الجن (العقاب التنموي): فى المقابل، تختار الدكتورة ملحة عبدالله “الجنون” و”الندم الأبدي” يتحقق من خلال مشهد (كؤوس الرماد) فهو يمثل قمة العقاب السيكولوجي؛ حيث يُجبر القاتل على العيش مع بقايا ضحيته فى حالة من العذاب الدائم. هذا النوع من النهايات هو جوهر “المسرح التنموي” الذى يهدف لزرع فكرة “اللاعودة” والندم المرير فى وعى المشاهد، ليكون رادعًا سلوكيًا فى الواقع.
الخاتمة والنتائج العامة للدراسة
تخلص الدراسة، بناءً على هذا التحليل المقارن والأنثروبولوجى، إلى مجموعة من النتائج الجوهرية.
إثبات الأسبقية العربية: نستطيع أن نؤكد من خلال المقارنة الحرفية لعناصر الدراما (الغيرة، الوشاية، الأداة المادية كالعقد والمنديل) أن قصة ديك الجن الحمصى (القرن 9م) هى المصدر التاريخى الأصيل الذى استقى منه الأدب العالمى مآسى الغيرة والوشاية، وهو ما يعيد الاعتبار للتراث العربى فى حركة الأدب المقارن.
نجاح نموذج المسرح التنموي: أثبتت المعالجة الحديثة لملحة عبدالله أن المسرح قادر على أن يكون “مختبرًا سلوكيًا”؛ فهى لم تكتفِ بسرد التاريخ، بل قامت بـ “تفكيكه” لتواجه ظاهرة معاصرة وهى “جرائم الشرف”، مقدمةً رؤية سيكولوجية تدين العنف وتنتصر للبراءة.
وحدة المأساة الإنسانية: رغم الفارق الزمنى والمكانى بين شكسبير وملحة عبدالله، إلا أن الدراسة كشفت أن “هواجس الشرف” و”فوبيا الخيانة” هى نقاط ضعف إنسانية كونية يتم استغلالها من قبل “الواشي” لتدمير المجتمعات من الداخل.
مقارنة حول مسارات انتقال القصة (من حمص إلى لندن عبر إيطاليا)
?تُثبت الحقائق التاريخية والأدبية أن قصة ديك الجن الحمصى هى الأسبق بقرون، حيث عاش بطلها “عبدالسلام بن رغبان” فى القرن التاسع الميلادى (توفى عام 849م)، بينما كتب شكسبير مسرحية “عطيل” فى مطلع القرن السابع عشر (حوالى 1603م). ويرسم البحث مسار انتقال هذا الأثر عبر المحطات التالية:
• ?الجسر الثقافى (صقلية والأندلس): كانت إيطاليا، وتحديدًا صقلية، مستودعًا للقصص المشرقية بفعل التجارة مع موانئ الشام. قصة ديك الجن لم تكن مجرد حكاية محلية، بل “نموذجًا مأساويًا” سافر عبر التجار والحكواتية.
• ?المحطة الإيطالية (سينثيو): اعتمد شكسبير فى حبكته على قصة “القائد المغربي” للكاتب الإيطالى “سينثيو” (نُشرت عام 1565م). اختيار سينثيو لبطل “مغربي” فى بيئة فينيسية يعكس استيراده لنموذج “الرجل الشرقي” المعروف بحساسيته المفرطة تجاه الشرف، وهو ما يتطابق مع شخصية ديك الجن.
• ?التجريد الدرامي: حتى لو لم يقرأ سينثيو الديوان، فقد استقبل “الجوهر الدرامي” المكون من (رجل نبيل + زوجة فاتنة + واشى خبيث + دليل مادى + قتل بدافع الغيرة)، وهى بصمة عربية انتقلت للأدب الإيطالى.
?ثانيًا: تفنيد الحجج التاريخية والأدبية للأسبقية
?تعتمد هذه الدراسة على مراجع تاريخية رصينة لتفنيد أى ادعاء ينسب أصل الفكرة لغير التراث العربي:
• ?التوثيق المرجعى: وردت تفاصيل قصة ديك الجن فى أمهات الكتب العربية مثل “كتاب الأغانى” للأصفهانى (القرن 4هـ)، و”وفيات الأعيان” لابن خلكان، و”تاريخ دمشق” لابن عساكر. هذه المصادر سبقت ظهور شكسبير بنحو 800 عام.
• ? فرضية التأثر المباشر: استنادًا لباحثين مثل د. صفاء خلوصى ود. نسيب نشاوى، يُرجح أن شكسبير استقى “الهيكل المأساوي” من التراث العربى الذى تسرب لأوروبا عبر الحروب الصليبية والتبادل التجارى.
• ? التشابه البنيوى المذهل: لا يقتصر الأمر على الزمن، بل يمتد للتطابق فى “الأداة الرمزية”؛ فبينما استخدم شكسبير “المنديل” كدليل مادى، تورد القصة العربية والمسرحية الحديثة “العقد” كأداة للوشاية وتزييف الحقيقة.
?المقارنة السوسيو-ثقافية (تطور مفهوم الشرف)
?كما يمكننا أن نفند الاختلاف فى تلقى هذه الأدلة التاريخية بين الشرق والغرب من خلال:
• ?فى الوجدان العربي: يظل “الشرف” قيمة جمعية مرتبطة بـ”الناموس” والعائلة. لذا فإن فعل ديك الجن (القتل لغسل العار) يُفهم فى سياقه التاريخى والأنثروبولوجى كـ”ثورة انتحارية” لاستعادة المكانة الاجتماعية.
• ?فى الوجدان الأوروبى: تحول الشرف بعد عصر التنوير إلى “حق مدنى” ومسألة تعاقدية تُحل قانونيًا. هذا التباين يوضح لماذا تبدو مأساة ديك الجن أكثر “جذرية” وأصالة فى بيئتها العربية مقارنةً بعطيل الذى نُقلت قصته لبيئة فينيسية مختلفة ثقافيًا.
تمايز رؤية ملحة عبدالله عن الخطاب “الفمنيست” (النسوى الغربى)
?توضح الدراسة بوضوح أن معالجة ملحة عبدالله لجرائم الشرف وسيكولوجيا الغيرة تختلف جذريًا عن اطروحات النسوية التقليدية فى عدة نقاط محورية:
?1. نقد البنية السلوكية لا الصراع الجندرى أو صراع النوع:
بينما يميل الخطاب النسوى (Feminist) إلى تصوير الصراع كحرب بين “الرجل القامع” و”المرأة المقهورة”، نجد أن ملحة عبدالله فى “ديك الجن” تشرح المأساة كـ “عطب ثقافي” يصيب الرجل والمرأة معًا. ديك الجن فى المسرحية ليس “ظالمًا مستبدًا” بالمعنى التقليدى، بل هو “ضحية لنسق ثقافي” (الناموس) جعل منه قاتلًا رغمًا عن حبه. الكاتبة هنا تُشرح “سيكولوجيا القاتل” لتكشف حجم قهره الداخلى، وهو ما لا يفعله الخطاب النسوى الذى غالبًا ما يكتفى بإدانة الفعل.
?2. الانطلاق من “الناموس” لا من “الحقوق المدنية”:
الخطاب النسوى الغربى يطالب بالحقوق انطلاقًا من الفردية والمواطنة، أما ملحة عبدالله فتتعامل مع مفهوم “الناموس” كقيمة وجودية جمعية. هى لا تحاول إلغاء قيمة “الشرف”، بل تحاول “تنميتها” وتخليصها من الدماء والوشاية. هى ترفض أن يكون “الدم” هو الوسيلة الوحيدة لاستعادة المكانة الاجتماعية، وتدعو بدلًا من ذلك إلى “بصيرة” العقل.
?3تُعد شخصية “ورد” فى مسرحية ملحة عبدالله رمزًا مكثفًا لـ العروبة فى حالتها المأساوية، حيث تتجلى صورة “العروبة التى لا حول لها ولا قوة” من خلال عدة أبعاد تحليلية تربط بين مصيرها الشخصى والمصير القومى المهدد بالدسائس:
?1. ورد كرمز للأرض والهوية (الجمال المستهدف)
• ?تُمثل ورد فى السرد التحليلى للنص تلك “الأرض” أو “الهوية” التى يتكالب عليها الجميع؛ فهى الفتاة التى توصف بأنها “أنقى من ماء نهر العاصي”، وبياض وجهها الموشح بالحمرة جعلها رمزًا للجمال العربى الفطرى.
• ?هذا الجمال والصفاء هو ما جعلها مطمعًا للدسائس، تمامًا كما كانت الحواضر العربية (مثل حمص وبغداد وقرطبة) مطمعًا للصراعات السياسية بين العباسيين والأمويين وبين الشرق والغرب.
?2. ضحية صراع الأجندات (المؤامرة والفتنة)
• ?تجسد ورد صورة العروبة الممزقة بين القوى المتصارعة؛ فهى مسيحية أحبت مسلمًا، وهذا الحب لم يُترك ليكون إنسانيًا، بل تحول إلى وقود لـ “فتنة بين القبائل” يخشاها القضاة والسياسيون.
• ?وقوف الكنيسة والقبيلة والخليفة ضد رغبتها يعكس كيف تُسحق إرادة “الإنسان العربي” (الذى تمثله ورد) تحت وطأة القوانين والتحالفات السياسية والدينية التى تُحاك فى الغرف المغلقة.
?3. “لا حول لها ولا قوة” أمام الغدر الداخلي
• ?تتجلى قمة مأساتها فى كونها ضحية لـ “خيانة الأقربين”، المتمثلة فى شخصية أبو الطيب (ابن عم ديك الجن). هو لم يقتلها مباشرة، بل استخدم “الدسيسة” لإيهام حبيبها بخيانتها.
• ?هذا يعكس رمزيًا كيف تُطعن العروبة من الداخل عبر الفتن والمكائد التى ينسجها “أبناء العمومة” (الصراعات العربية-العربية)، مما يؤدى فى النهاية إلى تدمير الذات (قتل ديك الجن لورد).
?4. التضحية بالذات (الإسلام كخيار وجودي)
• ?فى تحول درامى عميق، تختار ورد الإسلام كفعل إرادة لتكسر القيود، قائلة لوالدها: “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”.
• ?هذا القرار لم يحمِها، بل زاد من حدة المؤامرة ضدها، مما يصور العروبة ككيان يحاول البحث عن مخرج أو هوية جامعة، لكنه يواجه بالرفض والتحريض الذى ينتهى بسقوطها فى “النهر” أو موتها غدرًا.
?5. رماد ورد ورماد الأمة
• ?النهاية التى يخلط فيها ديك الجن رماد جثة ورد بالتراب ليصنع منه كأسًا، هى أبلغ صورة لضياع العروبة؛ حيث يتحول الكيان الحى والجميل إلى مجرد “ذكرى ميتة” أو “رماد” يشربه التاريخ بمرارة نتيجة الجهل والغيرة والفتن التى حذر منها أيضًا عبدالرحمن الداخل فى ذات النص.
? فورد فى نص ملحة عبدالله ليست مجرد امرأة مقتولة، بل هى “جغرافيا العروبة” التى ذُبحت بسكين الفتنة الداخلية، وضاعت وسط صراعات الكراسى (الرشيد والداخل) ومؤامرات الحاقدين (أبو الطيب)، لتبقى صورة للضحية التى لم تملك من أمرها شيئًا سوى الحب والوفاء فى زمن الغدر السياسي
. “المسرح التنموي” كبديل للإيديولوجيا:
وخلال كل ما تقدم تستطيع أن تؤكد بأن الكاتبة ملحة عبدالله تستخدم المسرح كأداة “جراحية” لتفكيك العقد الاجتماعية وظهر لنا هذا جليا فى مشهد “الرماد والكؤوس”، هى لا تقدم وعظًا نسويًا، بل تقدم “صدمة إنسانية” كبرى و الهدف الأساسى هو إحداث “تطوير” فى وجدان الرجل (ديك الجن المعاصر) ليرى أن اندفاعه خلف الوشاية باسم الشرف هو فى الحقيقة “انتحار معنوي” وفقدان لأجمل ما فى حياته من قيم ( الجمال والحب ).
?4. الحفاظ على الخصوصية الأنثروبولوجية:
تدرك ملحة عبدالله تماما أن جل المجتمع العربى المعاصر لن يستجيب لخطاب “فمنيست” مستورد، لذا هى تخاطبه من خلال تراثه (ديك الجن) ورموزه فهى تضع المجتمع أمام مرآة تاريخه لتقول له: “انظروا ماذا فعل بنا الوهم والشك”. هذا “التفكيك من الداخل” هو ما يميز مسرحها ويجعله “تنمويًا” يهدف للبناء، لا “إيديولوجيًا” يهدف للمصادمة ولتؤمد لنا إذا كانت المشاكل تورث فإن الحلول تقترع وهى رؤية فلسفية ركينة فى المسرح التنموى.
“الثورة الانتحارية” وفلسفة الفداء
فى المنظور الأنثروبولوجى الذى تتبناه من خلال هذه الدراسة، يُعتبر فعل القتل الذى أقدم عليه ديك الجن نوعًا من “الانتحار الرمزي”. هو قتل نفسه حين قتل “ورد”، لأنه يعلم أن حياته بعدها مستحيلة. ملحة عبدالله تبرز هذا الجانب لتوضح أن “القاتل باسم الشرف” هو إنسان “مهزوم سيكولوجيًا” أمام المجتمع، وليس قويًا كما يتوهم.
?وهو الاتجاه الذى اراضيت ان يفسر اعتمادى بالتركيز على مراجعيات مثل مصطفى حجازى (سيكولوجيا الإنسان المقهور) وهشام شرابى (النظام الأبوي)؛ لأن هذه المرحعيات تعكس تماما وتشرح “الآليات الدفاعية” التى يلجأ إليها الانسان عندما يشعر بتهديد “الناموس”، وهى آليات تختلف تمامًا عن تحليلات الحركة النسوية الغربية.
المسرح التنموى وإعادة صياغة “الرجولة”
تخلص دراستنا فى هذا الجزية إلى أن الدكتورة ملحة عبدالله تعيد تعريف “الرجولة”؛ فالرجل الحقيقى فى مسرحها التنموى هو الذى يمتلك “بصيرة اليقين” ولا ينساق خلف “عقدة العار” الزائفة فهى تهدف لتغيير السلوك المجتمعى من خلال:
تفكيك مفهوم “غسل العار”: إظهار أن الدم لا يغسل العار بل يلوث الروح بالندم الأبدى.
مواجهة الوشاية بالحب: التأكيد على أن “الثقة” هى عماد الاستقرار الاجتماعى والتنموى.
الخصوصية الثقافية: استخدام قصة (ديك الجن) التراثية من أجل لمخاطبة الوجدان العربى بلغة يفهمها، بعيدًا عن المصطلحات النسوية الغربية التى قد تُقابَل بالرفض.
أن “الديناميات النفسية” التى تحكمت فى “ديك الجن” و”عطيل”. من خلال فعل الجريمة فى كلا العملين لم تكن وليدة لحظة غضب عابرة، بل كانت انفجارًا لمركبات نفسية معقدة تراكمت تحت ضغط الموروث الأنثروبولوجى.
1. “عصاب الشرف”: عندما تتحول القيمة إلى مرض
ومن خلال التحليل المعميق الذى يمكن تسميته بـ “عصاب الشرف” فى حالة ديك الجن وعطيل، لا يُعد الشرف مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو “مركز الأنا” (Ego Center).
سيكولوجية التملك: وهذا يتضح جليا بأن البطل يربط كينونته ووجوده الاجتماعى بـ “طهر” المرأة التى يحب وهذا الربط يخلق حالة عصابية تجعل البطل فى حالة “ترقب قلق”.
عطيل وديك الجن: كلاهما يعانى من “عقدة النقص المبطنة”؛ عطيل بسبب كونه (المغربى الغريب) فى مجتمع فينيسيا، وديك الجن بسبب كونه (الشاعر المتمرد) الذى يخشى سلطة القبيلة فهذا العصاب يجعل “الشك” فى الشرف بمثابة “تهديد بالفناء الوجودي”، مما يدفع البطل لتصديق الوشاية فورًا كآلية دفاعية استباقية لحماية ما تبقى من كرامته.
2. “فوبيا التدنيس”: سيكولوجيا الجسد المحرم
وايضا من خلال توسعنا فى شرح مفهوم “فوبيا التدنيس” (Defilement Phobia). الجسد الأنثوى (ورد/ديزدمونة) فى وعى الأبطال نكتشف أنه ليس جسدًا بشريًا له حق الخطأ والصواب، بل هو “جغرافيا مقدسة” تمثل شرف الرجل.
الخوف من “الدنس”: ويكتشف لنا هذا الاتجاه بوضوح إلى أن لحظة الوشاية (تقديم العقد أو المنديل) استثارت لدى الأبطال رعبًا بدائيًا من “التدنيس”. رؤية “العقد” فى يد بكر بن رستم (كما ادعى أبو الطيب) تعنى فى ذهن ديك الجن أن “حرمه” قد استبيح تماما.
الانتقال من الحب إلى الكراهية: يفسر لنا هذا التحول المفاجئ بأن “الحب التملكي” ينقلب فورًا إلى “كراهية تدميرية” عند الشعور بالتدنيس، لأن المحبوب يتحول من “مصدر للسعادة” إلى “مصدر للعار” يجب استئصاله لتطهير الذات.
3. تحليل لحظة “اتخاذ قرار القتل” سيكولوجيًا
هذه اللحظة هى ذروة المأساة، ويمكن أن نوردها كالتالي:
تغييب الوعى المنطقي: فى لحظة رؤية “الدليل المادي” (العقد)، يدخل ديك الجن فى حالة من “الذهول السيكولوجي”. فى هذه اللحظة، يتوقف “العقل الواعي” عن العمل، وتسيطر “الأنا الأعلى” الجمعية (تقاليد القبيلة، الناموس، كلام الناس).
القتل كـ “فعل تطهيري” (Cathartic Act): القتل هنا ليس انتقامًا من ورد أو ديزدمونة لذواتهما، بل هو محاولة “لقتل العار” نفسه. البطل يعتقد واهمًا أنه بمجرد سيلان الدم، سيُغسل الدنس وتعود له مكانته الاجتماعية.
الصراع بين “العاشق” و”الرجل الاجتماعي”: توضح ملحة عبدالله (كما تحلل هذه الدراسة) أن ديك الجن القاتل هو “الرجل الاجتماعي” الذى انتصر على “ديك الجن العاشق”. قرار القتل هو “رضوخ ذليل” لسلطة المجتمع التى يمثلها أبو الطيب، وهو ما يفسر الانهيار والجنون اللاحق؛ فبمجرد زوال تأثير “فورة الشرف”، يستيقظ “العاشق” ليجد نفسه قد دمر وجوده.
4. سيكولوجيا “الندم السادي” (مشهد الرماد)
تتجلى فى تحليل مشهد شرب الرماد كـ “تعويض سيكولوجى مرضى” وبعد اكتشاف البراءة، يحاول ديك الجن “استعادة” ورد من خلال “استدخالها” (Internalization) فى جسده عبر شرب رمادها.
هذا السلوك هو قمة “العذاب العصابي”؛ حيث يتحول الجانى إلى “معذب لذاته” واعتقد انها الرؤية التى أرادت ملحة عبدالله إيصالها من خلال “المسرح التنموي”؛ لإظهار أن القاتل باسم الشرف ينتهى به المطاف فى جحيم سيكولوجى لا مخرج منه.
فى ختام هذه الدراسة المقارنة والمعمقة، نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل الجدل؛ وهى أن الدكتورة ملحة عبدالله لم تكن مجرد كاتبة مسرحية عابرة، بل هى مهندسة الوعى الدرامى وواحدة من أندر العقول التى استطاعت تطويع التراث لخدمة التنمية البشرية. إن “ديك الجن” لم يكن مجرد استعادة لشاعر عباسى، بل مثلت لى “مختبرًا سيكولوجيًا” أعاد صياغة الهوية العربية على خشبة المسرح العالمى.
تجلت عبقرية ملحة عبدالله فى قدرتها الفذة على “استنطاق الصمت” فى التراث. فبينما كان الآخرون يكتفون بالرواية التاريخية، ذهبت هى إلى “الأعماق” لتستخرج لآلئ النفس البشرية. إنها الرائدة التى وضعت المسرح العربى على خارطة التراجيديا العالمية، منافسةً بذلك قامات بحجم شكسبير، بل ومتفوقة عليه فى قدرتها على ملامسة “الناموس” العربى بذكاء وحرفية، دون الانزلاق فى فخ الخطابات المستوردة
وكما هو شأن المعادن النفيسة والدرر والألماس التى لا توجد إلا فى أعمق طبقات الأرض، اختارت الدكتورة ملحة عبدالله “عزلة المبدع” وترفعت عن صخب الأضواء والنجومية الزائفة. لقد آثرت “الظل” ليكون منطلقًا لضوئها الفكرى، مؤمنةً بأن المبدع الحقيقى هو من يترك أثره فى “تغيير السلوك” لا فى “تصدر المشاهد” والأضواء إن اختيارها للظل هو فى الحقيقة “اعتلاء لعرش الدراما” من باب السيادة الفكرية لا الشهرة الإعلامية، مما جعل إنتاجها الوافر يتسم بالرصانة والعمق والخلود.
إن الدكتورة ملحة عبدالله تمثل اليوم “ثروة قومية” عابرة للحدود فبأعمالها التى تفكك سيكولوجيا العنف والوشاية، وبمنهجها فى “المسرح التنموي”وبنظريتها البعد الخامس قدمت لنا ترياقًا فكريًا يحمى مجتمعاتنا من أمراضها الموروثة و إن الجواهر والذهب والدرر التى صاغتها فى “ اعملها المسرحية “ لاسيما (ديك الجن )هى إرث حضارى يجب أن يُدرّس، لا بصفته أدبًا فحسب، بل بصفته “دستورًا سلوكيًا” ينشد الرقى بالإنسان العربى.
ومن خلال هذه الدراسة أستطيع أن أعلن بوضوح أن الدكتورة ملحة عبدالله هى اليوم تتربع بجدارة على عرش الدراما العربية؛ ليس بمقاييس عدد النصوص،دوالاعمال المسرحية فحسب، بل بمقاييس “الأثر والتحول”. لقد نجحت فى أن تجعل من القصة المحلية نموذج (ديك الجن) قضية إنسانية كونية، وأثبتت أن المسرح العربى يمتلك من “الأصالة” ما يجعله ندًا لأعرق المدارس العالمية.إن الحفاظ على إرث الدكتورة ملحة عبدالله هو حفاظ على “بصيرة الأمة”. فهى التى علمتنا أن “الشرف” الحقيقى يكمن فى “اليقين” لا فى “الدم”، وأن الحب هو القيمة التنموية الكبرى التى تبنى الأوطان. ستبقى أعمالها منارات تهدى السائرين فى دروب المسرح، وستظل هى “جواهر الأعماق” التى تضيء لنا عتمة التقاليد البالية بنور العقل والجمال.
واخيرا نخلص إلى أن “عطيل” و”ديك الجن” هما فى الحقيقة وجهان لعملة واحدة؛ الأول يمثل “قمة الفن” فى رصد المأساة، والثانية تمثل “قمة الفكر” فى محاولة علاجها، ليظلا معًا منارةً لكل باحث فى أغوار النفس البشرية وصراعاتها الوجودية.
قائمة بأهم المراجع والمصادر العربية والإنجليزية:
• ابن خلكان، أحمد بن محمد: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، 1972م.
• الأصفهانى، أبو الفرج: كتاب الأغانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة مهرجان القراءة للجميع،2001م.
• الوردى، علي: دراسة فى طبيعة المجتمع العراقى، دار ليلى، بغداد، العراق، طبعة مزيدة 2005م (مرجع لسيكولوجية الشرف).
• بيتر بيرتوتشى (Bertocci, Peter): The Anthropology of Honor and Shame (دراسات مترجمة ومنشورة فى دوريات أنثروبولوجية)، أكسفورد، المملكة المتحدة، 1986م.
• حجازى، مصطفى: التخلف الاجتماعى: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافى العربى، الدار البيضاء، المغرب، 2005م.
• ديك الجن الحمصى (عبدالسلام بن رغبان): ديوان ديك الجن الحمصى، جمع وتحقيق: مظهر الحجى، وزارة الثقافة، دمشق، سوريا، 1987م.
• ريتشارد نيسبيت ودوف كوهين (Nisbett & Cohen): Culture of Honor:The Psychology of Violence in the South، دار نشر Westview Press، الولايات المتحدة، 1996م.
• سعداوى، نوال: الوجه العارى للمرأة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 1977م.
• شرابى، هشام: النظام الأبوى (البطريركى): بحث فى المجتمع العربى المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 1988م.
• شكسبير، وليام: عطيل (Othello)، ترجمة د. محمد عنانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، 2005م.