«نحو تأسيس علمى لمشروع النقد المسرحى العربى» فى المحور الفكرى بالدورة السادسة عشرة

«نحو تأسيس علمى لمشروع النقد المسرحى العربى»  فى المحور الفكرى بالدورة السادسة عشرة

العدد 962 صدر بتاريخ 2فبراير2026

انطلق المحور الفكرى للدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربى من مساءلة واقع النقد المسرحى العربى فى علاقته بالتنظير والتطبيق، وسعيه إلى بناء مشروع نقدى قائم على أسس علمية ومنهجية واضحة. ويطرح المحور إشكاليات المصطلح، والمنهج، والخصوصية الثقافية، فى ظل التحولات الجمالية والمعرفية التى يشهدها المسرح العربى المعاصر. كما يؤكد ضرورة الانتقال من تراكم النظريات إلى أجرأة نقدية فاعلة، قادرة على قراءة العرض المسرحى فى سياقاته الفنية والفكرية والمجتمعية مسئول المجال الفكرى د. يوسف عايدابى، ود محمد سمير الخطيب، منسق الندوة الفكرية ومدير الجلسات.

ومن خلال هذه السطور نقدم ملخص سريع لجلسات المحور الفكرى.
فى مستهل فعاليات البرنامج الفكرى للدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربى، التى احتضنتها القاهرة، شهدت القاعة الرئيسية انطلاقًا قويًا وجريئًا لجلسات «المحور الفكري»، الذى اختارت له الهيئة العربية للمسرح هذا العام عنوانًا هو «نحو تأسيس علمى لمشروع النقد المسرحى العربي».
الجلسة الافتتاحية جاءت لتتجاوز طابع الجلسات البروتوكولية لتتحول إلى «مشرط جراح» يشخص أوجاع المسرح العربى، وشهدت حضورًا لافتًا لنخبة من المفكرين والنقاد وصناع العرض المسرحى من مختلف الأقطار العربية، وتحدث فيها قامات فكرية بارزة، هما الدكتور يوسف عايدابى (السودان)، مسؤول المجال الفكرى بالهيئة، والمفكر الدكتور أحمد برقاوى (فلسطين)، بينما أدار الجلسة الدكتور محمد سمير الخطيب.
وافتتح «الخطيب» الجلسة بكلمة تأسيسية، رحب فيها بالحضور، مشددًا على دلالة المكان الذى يستضيف فعاليات المهرجان هذا العام؛ فالقاهرة هى كانت المدينة التى شهدت صدور أول مجلة نقدية مسرحية متخصصة فى المنطقة، مما يمنح مناقشة «مشروع النقد» على أرضها شرعية تاريخية وراهنية ملحة.

فى كلمته الافتتاحيه، قدم الناقد الدكتور يوسف عايدابى سردًا بانوراميًا لتحولات المسرح العربى، رابطًا بين تطور الشكل المسرحى والوعى الوطنى.
أشار «عايدابي» إلى أن البدايات كانت محكومة بـ «التبعية للغرب»، حيث حاول الرواد جذب الجمهور المحلى عبر ما أسماه بـ «المشهيات والمقبلات التراثية». لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت حين اكتشف «المسرحيون الوطنيون» سحر المسرح كأداة مقاومة وتنوير، فعمدوا إلى استخدامه فى مواجهة المستعمر، وهنا برزت «العاميات» كلغة حية، وفهم جديد لوظيفة المسرح بصفته «فعلًا وطنيًا من لحم ودم»، ما استدعى بالضرورة ظهور صوت نقدى يواكب هذا الحراك.
واستحضر عايدابى تجارب مسرحية شكلت علامات فارقة فى محاولة الانعتاق من القوالب الغربية، مشيدًا بمحاولات توفيق الحكيم لابتكار قالب مسرحى عربى، وذهاب يوسف إدريس إلى «السامر الشعبي» فى مسرحية «الفرافير»، وإصرار عصام محفوظ فى لبنان على توظيف قضايا مجتمعه بلسان عامى، مرورًا بتجارب «مسرح الشوك» للماغوط والساجر فى سوريا، والبيانات المسرحية لسعد الله ونوس، وصولًا إلى تجربة «الفوانيس» فى الأردن، وجرأة «الاحتفاليين» فى المغرب (برشيد وبنزيدان) والعراق، الذين لاحظوا أن «الاحتفال» هو الطابع الأصيل لتراثنا.

وانتقل عايدابى من السرد التاريخى إلى النقد اللاذع للواقع الأكاديمى، مؤكدًا أن النقد المسرحى ظل فى «متاهة الانغلاق»، والسبب الرئيس هو إهمالنا للنظرية العربية التى وجدت فى سياقها الأدبى، والارتكان الكلى إلى ترجمات أرسطو والمعايير الغربية للنص المكتوب.
وفجر عايدابى قضية «المناهج التعليمية»، مستدعيًا وثيقة تاريخية هامة صدرت عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) فى الكويت عام 1985، والتى أوصت بوضوح بضرورة «إعادة النظر فى مناهج تدريس المسرح وتخليصها من التبعية للغرب». وعلق عايدابى بمرارة: «ولكن لا حياة لمن تنادى.. انظروا الآن فى استراتيجيات المسرح فى بلداننا، وفى كلياتنا ومعاهدنا، المناهج وطرائق التدريس لا تزال نسخة كربونية تابعة للغرب، بعيدة كل البعد عن البيئة المحلية، وعن الممارسات الأدائية الخاصة بنا.. فكيف ينهض التابع؟
وطرح عايدابى الحل فى روشتة واضحة: «لا سبيل لنا إلا بتخليص المناهج من التقليد، والتأسيس العلمى المغاير للنقد الذى ينبع من (المختبرات والورش والملتقيات)، وليس من النظريات المجردة»، مستعيدًا مقولة الراحل كمال عيد فى ندوة القاهرة 2019 حول ضرورة «النحت الفكري» فى قضايا المسرح لتطوير الواقع.
من زاوية فلسفية مغايرة، قدم المفكر الدكتور أحمد برقاوى ورقة بعنوان «المسرح وأنطولوجيا الذات»، أعاد فيها تعريف المسرح بصفته «ظهورًا للفلسفة فى زى جمالى حواري
شرح برقاوى مفهومه قائلًا: «المسرح هو منصة لحوار الماهيات، وحيث إن الماهيات مفاهيم مجردة (كالخير والشر)، فإنها تظهر فى المسرح عبر ذوات واقعية ومشخصة: الذات الخيرة، الذات الشريرة، الذات الحرة، الذات العبدة، الذات المتمردة، والذات الخانعة.. وبهذا المعنى، يصبح المسرح كتابًا فى (أنطولوجيا الذات)، يحول الجمهور من متلقٍ سلبى إلى ممارس لفعلى الفهم والتأويل.

وخصّص برقاوى جزءًا كبيرًا من ورقته للحديث عن جدلية «السؤال والجواب»، مؤكدًا أن الثقافة الحقيقية ولدت من رحم السؤال، مستشهدًا بأدوات الاستفهام العربية (الهمزة، هل، ما، من، متى.. إلخ) كدليل على مركزية السؤال فى الفهم. وحذر من «ثقافة الأجوبة» قائلًا: «الذات التى امتلأت بالأجوبة هى ذات (شيء).. وثقافة الأجوبة تعكس مجتمعًا راكدًا يعيش تحت وطأة الاستبداد الدينى أو السياسى.
وتطرق برقاوى إلى الصراع الأبدى بين المبدع وما أسماه بـ «النظام المتعالي» (سلطة الدين، التقاليد، أو الحكم)، مشيرًا إلى أن المبدع يعيش عمره متمردًا على هذا النظام. واستعرض خمسة نماذج لمسرحيات تاريخية جسدت فكرة «المحاكمة» لهذا الصراع.
محاكمة سقراط» (أفلاطون): التى وثقت وقوف الفيلسوف أمام قضاة يتهمونه بالنيل من المعتقدات، لينتصر سقراط بالموت قائلًا: «حانت ساعة الرحيل.. من منا سيذهب للمصير الأفضل؟
وارث الريح» (جيروم لورانس وروبرت لي): وهى محاكمة للمعلم «كيتس» الذى تجرأ وشرح نظرية داروين، حيث كانت تبرئته انتصارًا لفكرة «حرية التفكير» وليس للنظرية ذاتها.
المحاورة الإصلاحية» (الكويت 1924): وتوقف عندها برقاوى كوثيقة تنويرية مبكرة للأديب عبد العزيز الرشيد، طرحت التناقض بين الخطاب الدينى والخطاب العلمى على خشبة مدرسة الأحمدية.
محاكمة إيزيس» (لويس عوض): التى مثلت صدامًا عنيفًا مع العقل التقليدى حين حاول المؤلف رد العقائد إلى أصولها الأنثروبولوجية.
رحلة إلى الغد» (توفيق الحكيم): وفيها قدم الحكيم رؤية استشرافية مخيفة؛ فرغم وصول البشرية لمستقبل خالٍ من الأمراض والحروب، اكتشف البطل أن شيئًا واحدًا لم يتغير: «الخوف من التعبير عن الرأى.
واختتم برقاوى ورقته بالتأكيد على أن هذه المحاكمات والصراعات التى يجسدها المسرح هى «منطق الحياة» وسنة التطور التاريخى للوعى البشرى نحو الحرية

. الجلسة الأولى
افتُتحت الجلسة الأولى من المحور الفكرى بإدارة الدكتور محمد سمير الخطيب، الذى قدّم الباحث المغربى الدكتور محمد نوالـى، صاحب البحث المعنون «النقد المسرحى العربى فى مفترق طرق المناهج والتجارب».
 استهلّ الدكتور محمد نوالـى مداخلته بالتأكيد على أن النقد المسرحى يُعدّ من أكثر حقول النقد تعقيدًا، نظرًا لتداخل أدواته وصعوبة تحديد حدوده المعرفية، موضحًا أن المسرح لا يقتصر على كونه نصًا مكتوبًا، بل هو فن مركب لا يتحقق إلا من خلال تفاعل جماعى بين المبدعين داخل سياق تاريخى واجتماعى محدد، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى وصفه بـ«الفن المفارق». وأشار نوالـى إلى أن تناول النقد المسرحى يقتضى وعيًا بإشكالياته الموضوعية والمنهجية، سواء تلك النابعة من طبيعة المسرح ذاته أو المرتبطة بممارسة النقد عمومًا، لافتًا إلى افتقار النقد المسرحى لمنهج نقدى ينبع من الخطاب المسرحى نفسه، رغم عراقة المسرح الأوروبى وقدرته على استيعاب الحداثة الأدبية والنقدية. وأوضح أن النقد المسرحى المعاصر استفاد من مختلف المناهج والنظريات النقدية، خاصة مع انفتاح المسرح على الحركات التجريبية والطليعية، ما أدى إلى تغيّر مفاهيمه ومنظوراته
 وأكد أن المسرح، بحكم طبيعته الجامعة بين الأدبى والركحى والمنجز فى لقاء حى مع الجمهور، سعى فى العصور الحديثة إلى تأسيس أنطولوجيته المستقلة عن الأدب عبر نسق فلسفى وجمالى، بدأت ملامحه مع بروز فن الإخراج والممثل، والبحث عن أشكال تعبيرية عابرة للثقافات، كما يتجلى فى تجارب مسرح الأوديون وI.S.T.A.، الأمر الذى جعل ضبط العلاقة بين تاريخ الدراما ونظرياتها من جهة، وتاريخ المسرح وممارساته من جهة أخرى، أحد أبرز تحديات الناقد المسرحى. وتوقف نوالـى عند التحولات الجذرية التى أصابت الكتابة المسرحية، فى ظل صعود دور المخرجين الكبار وتأثيرهم المباشر على النص، الذى بات موجّهًا بمستلزمات الركح والفضاء المشهدى والسينوغرافى، إلى جانب اكتشاف التمسرح والبعد العلاماتى والسيميولوجى للمسرح، والانفتاح على أشكال مسرحية غير أوروبية، خاصة فى الشرق الأقصى. وأشار إلى أن هذه التحولات أدت إلى تفكك البنية الكلاسيكية للنص الدرامى، وتراجع مفاهيم الحبكة الخطية والشخصية التعليمية والرسالة الجوهرية، لصالح التركيب والتشظى والتجريب، مع تراجع دور المؤلف وصعود سلطة المخرج وصانعى الفرجة، مستشهدًا بتجارب عدد من رواد المسرح العالمى مثل غروتوفسكى، ومايرهولد، وباربا، ومنوشكين. واختتم بالتأكيد على أن المسرح المعاصر بات أكثر ارتباطًا بفنون الجسد والفضاء والسينوغرافيا، وما صاحب ذلك من تحولات عميقة فى خطاب النقد المسرحى المعاصر.

الجلسة الثالثة
علّق عليها الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن زيدان من المغرب، بمشاركة الدكتورة كريمة بن سعد من تونس، والدكتورة أمل بنويس من المغرب، حيث تناولت المداخلتان إشكاليات النقد المسرحى العربى بين التنظير والتطبيق.
قدّمت الدكتورة كريمة بن سعد مداخلة بعنوان «التأسيس المنهجى فى النقد المسرحى العربي: من التنظير إلى التطبيق»، ضمن محور «الحضورية المفتقدة فى النقد المسرحى العربي»، أكدت خلالها أن غياب الضوابط المفاهيمية والمصطلحية أسهم فى إرباك الفعل القرائى داخل النقد المسرحى، مشيرة إلى أهمية الكلمات المفتاحية فى ضبط المصطلحات وتوطينها داخل السياق الثقافى والمسرحى.
وتطرقت إلى التحولات المعرفية فى مطلع القرن العشرين، وتأثير اللسانيات فى المناهج النقدية الحديثة، كما ناقشت أطروحات عبد السلام المسدّى بشأن أزمة الإجرائية فى النقد العربى، معتبرة أن الاعتماد المفرط على المصطلحات الغربية، مع ضعف الإنتاج المنهجى العربى، عمّق أزمة النقد المسرحى العربى والتونسى. وشددت فى ختام مداخلتها على ضرورة البحث عن نظرية نقدية مسرحية عربية قائمة على أسس علمية واضحة.
من جهتها، قالت الدكتورة أمل بنويس فى مداخلتها «نحو وعى مركّب: النقد المسرحى العربى من التنظير إلى المرافعة»، إن النقد المسرحى العربى يعيش ازدواجية بين وعى تنظيرى متأثر بالمناهج العالمية، وسعى إلى بناء شرعية محلية، مؤكدة أن الإشكال لا يتمثل فى غياب الخصوصية، بل فى ضعف تفعيل التراكم النظرى وتحويله إلى ممارسة نقدية فاعلة.
وأشارت إلى أن التحولات التى شهدها المسرح منذ تسعينيات القرن الماضى، مع مأسسة الفعل المسرحى والانفتاح على جماليات الأداء والوسائط الرقمية، فرضت تحديات جديدة على النقد، الذى لم ينجح بعد فى مواكبتها على مستوى الأجرأة.
وفى تعقيبه، أوضح الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن زيدان أن أزمة المسرح العربى تتصل بمنهج قراءة الإبداع، مشيرًا إلى أن التنظير المسرحى العربى نشأ من داخل الممارسة منذ مارون النقاش، وتعدد بتعدد التجارب العربية، رافضًا فكرة وجود تنظير واحد جامع. كما ناقش مداخلتى الباحثتين، مؤكدًا أهمية التمييز بين التنظير العام وخصوصيات التجارب المسرحية المختلفة.
ناقشت الجلسة السادسة إشكاليات التبعية المعرفية ومآلات تحديث الخطاب النقدى العربى فى ظل التحولات الثقافية المعاصرة، وأُقيمت بإدارة الناقد محمد سمير الخطيب، بمشاركة الباحثين حسام الدين مسعد ومحمد رفعت يونس، وتعقيب د. أبوالحسن سلام.
قدّم حسام الدين مسعد ورقة تناولت أزمة النقد المسرحى العربى، مؤكدًا أن اختيار محور «نحو تأسيس علمى لمشروع النقد المسرحى العربي» يمثل طرحًا معرفيًا يعيد مساءلة النقد من جذوره، لا مجرد إطار تنظيمى. وأشار إلى أن الاعتماد على أدوات نقدية غربية أنتج قراءات وصفية دقيقة لكنها فقيرة ثقافيًا، مستشهدًا بعرض «سأموت فى المنفى» لغنام غنام. وانطلق مسعد من التراث النقدى العربى، خاصة نظرية النظم لعبد القاهر الجرجانى، ليطوّر ما أسماه «نظرية النظم الحجاجي»، التى تقرأ العرض المسرحى بوصفه خطابًا إقناعيًا تتشكل دلالته من انتظام علاقاته الداخلية وقدرته على التأثير. وأكد أن هذه المقاربة لا تعادى المناهج الغربية ولا تقدّس التراث، بل تسعى لتحرير العقل النقدى العربى من التبعية المعرفية عبر إعادة تأصيل أدواته.
من جانبه، تناول محمد رفعت يونس فى ورقته «جهود تحديث النقد المسرحى العربى (2000–2025)» الفجوة بين كثافة الخطاب حول تحديث النقد وضعف تحوله إلى ممارسة علمية مؤسسية. واستعرض المسارات التاريخية لتطور النقد المسرحى فى مصر وبلاد الشام والعراق والخليج والمغرب العربى، موضحًا اختلاف السياقات وتحولات المناهج من النقد الانطباعى إلى التحليل البنيوى والسيميولوجى والنقد الثقافى، مع التأكيد على أن التحديث الحقيقى يظل مرهونًا بالانتقال من التنظير إلى الممارسة المنهجية المستقرة
فى الجلسة الختامية للمحور الفكرى، استهل رئيس الجلسات الدكتور محمد سمير الخطيب كلمته بتفكيك الشكل الإدارى الذى حُكمت به ندوات المحور، موضحًا أن الندوات أُقيمت وفق صيغة تعتمد على رئيس للجلسة، وباحثين للمداخلة، ومعقّب على المداخلات، إلى جانب ضلع آخر غير ظاهر لكنه شديد الأهمية، تمثّل فى ركن الخلاصات والاستدراكات النقدية، المعنى بكتابة الملخصات وصياغة الرؤى العامة حول الندوات، والذى تولته الدكتورة نجوى عانوس والدكتور مخلوف بوكروح من الجزائر، داعيًا إلى الاستماع لمداخلتيهما قبل البيان الختامى الذى يلقيه الدكتور عبدالرحمن بن زيدان.
وبدأت الدكتورة نجوى عانوس حديثها بالإشارة إلى أنهم قاموا بقراءة اثنتى عشرة دراسة قُدمت لإدارة مهرجان المسرح العربى، مؤكدة أن هذه الدراسات نجحت فى فتح أفق تأسيسى لبناء مشروع للنقد المسرحى فى الوطن العربى. وأضافت أن واقع النقد العربى المعاصر لا يمكن قراءته بمعزل عن الجهود البحثية التى سعت إلى مقاربة إشكالية العلاقة بين المنهج، والأصالة، والخصوصية الثقافية، مشددة على أن هذه الدراسات لا تمثل أوراقًا بحثية عابرة، بل تُجسد كتلة معرفية حرجة تعكس فى سياقها حركة العقل النقدى العربى وسعيه الدائم لردم الفجوة بين النظرية والتطبيق، وتجاوز القوالب النظرية الجاهزة التى يقع فيها النقد العربى فى كثير من الأحيان.
وأكدت عانوس أن هذه الدراسات نجحت فى تشخيص جوهر أزمة النقد العربى عبر رصدها لثنائية التبعية والأصالة، موضحة أنها حاولت البحث عن مخارج للأزمة من خلال التفاعل مع الوافد الغربى أحيانًا، والعودة إلى التراث العربى بحثًا عن الأصالة أحيانًا أخرى، غير أن هذا المسار أفضى فى بعض الأحيان إلى مأزق أعمق، يتمثل فى غياب دور الناقد المبدع المفكر القادر على التحليل وإنتاج المعرفة، وهو ما انعكس فى بعض الدراسات من خلال النزعة المدرسية الجامدة ومحاولة إخضاع السيولة الفنية فى المسرح لجمود النظرية.
ورغم ذلك، رأت عانوس أن هذا القصور ذاته يمثل قيمة معرفية مضافة، إذ يكشف مناطق تعثر المنهج النقدى ويمهد لتجاوزها، باعتبارها بنية تحتية تأسيسية يمكن البناء عليها لإنتاج خطاب نقدى عربى جديد، لا يقوم على هدم المنجز السابق، بل على تطويره، بما يتيح انتقال النقد المسرحى من موقع الوصف الخارجى إلى المشاركة الفاعلة فى العملية الإبداعية، وصياغة خطاب نقدى موازٍ للعمل المسرحى فى التحليل وإعادة إنتاج المعنى. وطرحت عانوس عددًا من النقاط التى رأت ضرورة البناء عليها، من بينها إقرار مبدأ الاستقراء بدلًا من الإسقاط، بحيث تكون التجربة المسرحية هى المرجع الأول للنظرية، لا العكس. كما أكدت ضرورة المزاوجة بين المنجز الغربى والتراث العربى، من خلال إعادة قراءة نظرية النظم لعبد القاهر الجرجانى وتوسيعها لتشمل نظم الفضاء والجسد والعناصر غير اللغوية، مع وضع معجم إجرائى لتحليل الحركة والإضاءة وعلاقة الممثل بالجمهور، مستشهدة بتجربة الناقد حسام الدين مسعد فى تحليله عرض «غنام غنام فى المنفى».
كما دعت إلى تشريع مسرح الحكاية كبنية نقدية مستقلة، والاعتراف بالحاكى بوصفه فعلًا دراميًا مكتملًا، إلى جانب تبنى مفهوم النقد العضوى القائم على المشاركة الوجدانية بدل الحياد الأكاديمى الجامد، والعمل على توحيد المصطلح النقدى عبر الاستعمال والممارسة، من خلال إنشاء مرصد للنقد العربى تابع للهيئة العربية للمسرح.
وشددت كذلك على أهمية تأسيس النقد المختبرى، وربط التنظير بالفعل الإبداعى، وإعادة النظر فى مناهج تدريس النقد، فضلًا عن التوظيف الواعى للرقمنة عبر منصات تقدم نقدًا بصريًا سمعيًا يواكب التحولات الحضارية والمجتمعية.
من جانبه، استهل الدكتور مخلوف بوكروح مداخلته بتثمين جهود الهيئة العربية للمسرح فى إتاحة هذا الفضاء السنوى للحوار حول قضايا المسرح، مثمنًا كذلك جهود الباحثين والخبراء المشاركين. وأشار إلى عدد من الملاحظات، فى مقدمتها التوقف عند عنوان المحور الفكرى «نحو تأسيس علمى لمشروع النقد المسرحى العربي»، معتبرًا أن العنوان ينطوى على طموح كبير يتجاوز حدود الندوة، إذ إن تأسيس مشروع علمى للنقد المسرحى العربى يتطلب زمنًا أطول، ومؤسسات، وآليات عمل ممتدة، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى العناوين العامة والفرعية للمحور بما يتناسب مع الإطار التطبيقى للندوة.
 


رنا رأفت