الإدارة المسرحية أحد أهم أدوات نجاح العرض المسرحي.. ولكن

الإدارة المسرحية أحد أهم أدوات نجاح العرض المسرحي.. ولكن

العدد 853 صدر بتاريخ 1يناير2024

تعد الإدارة المسرحية العصب الرابط بين عناصر العرض المسرحي والمنظمة لها بما يسهم في نجاح العمل، وكل المؤسسات المنتجة للمسرح في حاجة إلى إدارة متخصصة. أفردنا هذه المساحة لعدد من المسرحيين لنتعرف من خلالهم على مفهوم الإدارة المسرحية، وهل تراجع دورها في العروض المسرحية.

عقل المخرج
الفنان القدير محمد الشافعي قال: الإدارة المسرحية من أهم عناصر العملية المسرحية، وهى الأذرع الرئيسية للعرض المسرحي، هي عقل المخرج على خشبة المسرح، تنفذ رؤيته الإخراجية، وهناك عناصر متعددة في الإدارة المسرحية: الملقن المسرحي، وإدارة كواليس وكبائن الصوت والإضاءة، وهى التي تم تحريفها وتغيير مسمياتها إلى مساعد في الإخراج، ومساعد المخرج، والمخرج المساعد والمخرج المنفذ.
 وتابع: إن الذي يمارس العمل المسرحي يلاحظ أن هناك فهما قاصرا لمفهوم الإدارة المسرحية، فغالبا ما يعمل المخرج على إعطاء هذه المهمة لشخص ما، وبالأخص لأفراد لا علاقة لهم بمهمة الإدارة، الأمر الذي شكل عنصرا سلبيا في إنتاج العرض المسرحي، فالإدارة المسرحية هي العصب الرابط بين عناصر العرض المسرحي كافة، والمنظمة لها. الإدارة كلمة ليس لها معنى واحد إذ يمكن تعريفها بعبـارات مختلـفة ولكـن المفهـوم الشامـل للإدارة يمكن صياغته في أنه: مجموعة من الأنشطة المتميزة الموجهة نحو الاستخدام الأمثـل والفعـال للموارد، وذلك بغـرض تحقـيق هدف ما أو مجـــموعة مــن الأهـــداف، وهـــذا المفهـــوم الشـامل للعمل الإداري يتضمن مجموعة من الأنشطة المتميزة التي يمكن تصنيفها إلى أربعة تصنيفات هي:  التخطيط، التنظيم، التقييم، المتابعة.
وأضاف: العـمل الإداري الفني يتضـمن الاستخــدام الأمـثل والفــعال للـموارد التي يتعامل معها وهي مـوارد بشـرية مادية، مالية، معلوماتية.. وهـو عـمل هـادف يسعى لتحقـيق هـدفٍ مـحدد أو مجموعة من الأهداف.. اختلف الكتاب والممارسون في الإدارة حول كونها علمًـا خالصًـا أم فنًا خالصـاً أم مزيـجا من العـلم والـفن؟ الإدارة فن خالص، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الإدارة تتطلب مهارات ومــواهب إنســانية خاصــة يتـم تنميـتها بالممــارسة والخبرة المكتسبة لأن الإدارة تتعامل مع البشر الذين يختلفـون فـي مكوناتهم وسلوكهم، وهذا التعامل يحتاج مهارة وموهبة.. وإذا اعتـبرنا الإدارة فنًا، فإن هذا لا يعني إنكار وجود العلـم فيها لأن أي فن لا بد أن يعتـمد على علم مسـاند وأي فـن لا بـد له من عـلم ودراسـة تصـقله، كمـا أن العـمل العلمي البحـت عند تطبيقه عمليًا يصبح لا بد من وجود مهارات ومواهب معينـة حتى يمـكن تطبيقه بنجاح، وهذه المواهب والمهارات هي التي تمثل الجانب الخلاق لدى الممارس وخصوصا في المسرح، وهناك وظائف مماثلة لها في السينما والفيديو، مثل مدير الاستوديو، أو موقع التصوير.

تفاصيل المهنة
وفي هذا الصدد قال الدكتور حسام عطا: الإدارة المسرحية تتمثل في ذلك الشخص الذي يكون فريقا من المساعدين لإدارة خشبة المسرح، ومنها حركة المناظر ودخول وخروج الممثلين وتغيير الملابس وتحقيق الانضباط والهدوء خلف الكواليس، وتتضمن أهداف الإدارة المسرحية ضبط عملية تنفيذ العرض المسرحي، ويوكل إلى مساعدي خشبة المسرح المهام كلٌ في تخصصه؛ لإنجازها في تناسق وهدوء ودقة وسرعة وأمان، لأن عوامل الأمان في تنفيذ العروض هي أيضا مسئولية مدير خشبة المسرح.
أضاف: عملنا مع خبراء سنوات طويلة وراكم المسرح المصري خبرات احترافية، ولكن مع تمدد تيار الهواة وخروجه بشكل كامل للصدارة، وتراجع تيار الاحتراف بالتدريج ذهبت تفاصيل المهنة وعناصرها إلى الإهمال بالتدريج. مدير خشبة المسرح ومساعدو الإخراج والتقنيون كانوا يقدمون دوراً مهنياً رفيع المستوى، وهو دور شديد الأهمية وعلينا استعادته.
تابع: هذه المهنة تحتاج إلى قدر كاف من التقدير المادي؛ وهناك شعبة بنقابة المهن التمثيلية تسمى «شعبة الإدارة المسرحية» وهي شعبة متخصصة؛ المخرج صاحب القدرات الإبداعية لا يملك تلك القدرات التي يملكها مدير خشبة المسرح؛ ويحقق بها رؤية المخرج، لأن التنفيذ وتفاصيله تجربة اختصاصية تحتاج إلى مهارات منها ما هو تراكمي واحترافي طويل؛ ولذلك علينا استعادة هؤلاء عبر التدريب والاعتناء بهم وعبر إبراز دورهم، فلا يوجد مسرح بلا إدارة والمهن الاختصاصية الدقيقة ضرورة حتي يعود المسرح المصري إلى تألقه وانضباطه وازدهاره.

ليست المخرج المنفذ أو المساعد
ورأى الناقد د. محمود سعيد رؤية مختلفة إذ قال: فن الإدارة وعلم الإدارة من أهم مفردات النجاح لأي عمل، فني أو غير فني، وفي الحالة الفنية وخاصة المسرحية نحن في أمس الحاجة للإدارة المسرحية الحقيقية، وليس مجرد كتابة إدارة مسرحية «فلان الفلاني» وفلان هذا بلا دور في ظل أدوار المخرج المتنوعة والمتشعبة والمتداخلة لدرجه أنها تأخذ من رصيده الإخراجي ذاته. ولعل الراحل د. عبد الوهاب شكري صاحب كتب الإضاءة المسرحية والمكان المسرحي والإدارة المسرحية، يعد خير دليل علي تفنيد المصطلح، والتأكيد علي ضرورته، وقد لعب هذا الرجل تلك الأدوار بعناية منذ السبعينيات حتى رحيله، وكان مدرسة حقيقية للإدارة والإخراج.
فليست الإدارة المسرحية هي من عمل المخرج المنفذ أو المساعد، هي عمل إداري يختص بكل المفردات على خشبة المسرح وخارجها؛ عملها تنظيمي من الدرجة الأولى، حيث تسير أداء وحركة العمال والفنيين، فمن مهام الإدارة المسرحية أيضا الإلمام بكل مفردات الليلة المسرحية، منذ بدء التفكير فيها والبروفات، وتركيب المعدات وإحضار المهمات.
وأضاف: رجل الإدارة المسرحية بحق هو «رمانة الميزان» والداعم الأول والأهم للجميع حتى فريق التمثيل والإخراج والسينوغرافيا؛ إلا أنه للأسف تقلص هذا الدور وتقزم ووصل لأدنى مراحله الآن، مجرد اسم يكتب على لوحه الأسماء؛ لاستكمال الشكل فقط.

الإدارة المسرحية  تعاني التهميش
فيما أشار المخرج والناقد محمد النجار إلى أن: نجاح أي عرض مسرحي يرجع في الأساس الي انضباط الكواليس، التي تحتاج دائما وأبدا إلى إدارة مسرحية واعية، هم  هؤلاء الفنانون المجتهدون الذين ارتضوا أن يمكثوا في الظل بعيدا عن الأضواء وتحملوا عبء تقديم الحلول العاجلة للمشكلات الطارئة أثناء العرض المسرحي، وتلبية متطلبات خشبة المسرح بما يدعم العرض.
وتابع: تعاني الإدارة المسرحية هذه الأيام من التهميش، وعدم تطوير ملكاتها الإبداعية وعدم الاعتراف بجدواها في الأساس، ولكن تجدر الإشارة إلى أن غالبية المسرحيين يعولون على الإدارة المسرحية في نجاح عروضهم. وبعيدا عن الارتباك في التوصيف والتصنيف أرى أن الإدارة المسرحية يرأسها المخرج المنفذ الذي يعد هو العقل المدبر للتجربة المسرحية، والساعد الأيمن للمخرج الذي يقسم أدوار الإدارة المسرحية كاملة، ويكون مسئولا مسؤولية كاملة عن تنفيذ الرؤى الإبداعية. وتهميش دور الإدارة المسرحية قد يرجع إلى الارتباك البادي على المشهد المسرحي في إطلاق المصطلحات البراقة، والتي تحتمل التأويل سلباً وإيجابا؛ مما أثر على خصوصية هذه الوظيفة حتي أنني أرى صعوبة إقامة عرض مسرحي من الأساس دون وجود إدارة مسرحية.
 وأضاف: يتجه العالم إلى التخصص وتقسيم وتوزيع المهام مما يؤدي إلى التركيز وتحقيق أقصى استفادة من الفريق. ذلك التخصيص أو التقسيم والتركيز أضاف رونقاً خاصًا للإدارة المسرحية وكان قادراً علي إحداث الفارق، أما اختزال الإدارة المسرحية في شخص المخرج المنفذ أو المخرج المساعد بسبب تحفظات وظيفية إدارية فلا بد من الاعتراف بأن هذا يؤثر على المنتج النهائي. إن مصطلح «الإدارة المسرحية» اشتبك وتقاطع مع الوظائف الإدارية في كل قصر ثقافة، حيث نرى بعض موظفي المواقع يساهمون في إجراءات الإنتاج، وذاك بعيد كل البعد عن منظومة الإدارة المسرحية. إن وضوح مهام ووظيفة الإدارة المسرحية يفض هذا الاشتباك.

العمود الفقري للعمل المسرحي
فيما أوضح المخرج عادل الكومي أن المشكلة الأساسية تكمن في خلط المفاهيم، والمهام أثناء التجربة العملية، فهناك «مخرج مساعد ومنفذ وإدارة مسرحية» وجميعهم يقوم بنفس الوظائف، فطبيعة مهام الإدارة المسرحية تبدأ من بداية تحضير العرض المسرحي، تجهيز البروفة، الاتصال بفريق العمل، طباعة نسخ النص، التواصل مع الإنتاج في المسرح «عام أو خاص» في حالة حدوث أي مشكلة.
وأضاف: كانت الإدارة المسرحية تعتمد على ذوي الخبرة، ويأتي دورها بعد المخرج والمخرج المنفذ، وبدأ هذا الدور يقل ويتراجع بالتدريج حتى أصبحنا نعاني ندرة في الإدارة المسرحية في الأعمال، ولا ننسي «الملقن» الذي تندرج مهامه ضمن مهام الإدارة المسرحية وهو من يقوم بتجهيز النسخ الورقية للنص، وتهيئة الممثلين، وقد اختفت أيضا مهنة الملقن.

خبرة بالعمالة وكل ما يتعلق بعناصر العمل
المخرج سامح مجاهد مدير مسرح الغد قال: هناك شعبة في نقابة المهن التمثيلية للإدارة المسرحية ولكنا أصبحنا نستعيض عنها بالمخرج المنفذ والمساعدين، وأصبح ضمن مهام عملهم الإدارة المسرحية. كان هناك تخصص في هذه المهنة؛ فمسئول الإدارة المسرحية لديه خبرة بالعمالة وكل ما يتعلق بعناصر العمل المسرحي وخشبة المسرح، وقد قلت هذه العناصر بالبيت الفني للمسرح نظراً لخروجهم إلى المعاش، وعدم وجود كوادر جديدة، ولكن هناك محاولات جيدة للغاية تبذل لتدريب عناصر جديدة في هذا الفرع المهم، ومنها الورشة التي يقيمها مسرح الطليعة بقيادة المخرج عادل حسان والتي تعد من أهم الورش في الإدارة المسرحية.

بعد تسلم ميزانية الإنتاج
وقال د. محمد الشافعي: داخل عملية الإنتاج المسرحي هناك هيئة تسمى «هيئة الإخراج»: المخرج المنفذ ومساعد المخرج، ومفهوم الإدارة المسرحية يختلف في مصر عنه في أمريكا أوروبا، وبنفس المسمى تتواجد هذه المهنة في التلفزيون والسينما، ومن المتعارف عليه أن الإدارة المسرحية تمارس بالمعرفة وليس بالدراسة الأكاديمية، ومؤخراً خصصت أكاديمية الفنون قسما للإدارة المسرحية، التي يبدأ دورها بعد صرف ميزانيات الإنتاج، ومن خلال الإدارة تبدأ المتابعة للعملية.
وتابع: عندما يبدأ العرض يبدأ دور مسئولو الإدارة المسرحية في حصر الإكسسوارات، وتجهيزها وتقسيم الكواليس بما تشمله من إكسسوارت ومجاميع وتجيهز الممثلين أثناء العرض، فكل فرد من الإدارة المسرحية يكون مسئولا عن مهام في الجانب الأيمن والأيسر من المسرح، وهو دور مشابه لما يقوم به مساعدو الإخراج في السينما، حيث يكونون مسئولين عن الإكسسوارات الخاصة بالممثلين، كما أن الإدارة المسرحية من مهامها أيضاً متابعة التقنيات الخاصة بالعرض: صوت وإضاءة، غرفة التحكم «الكنترول روم»؛ لذلك نجد أن عدد أفراد الإدارة المسرحية أكبر من المساعدين والمنفذين. في المسرح الأوربي والعروض ذات الإنتاج الضخم كل فرد في الإدارة المسرحية مسئول عن جزء من عناصر العرض، وغيابه يؤثر بشكل كبير على سير العرض لذلك دور الإدارة هام للغاية لخروج العمل المسرحي بشكل منضبط.


رنا رأفت