الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 282 - مارس 2014 - رئيس مجلس الإدارة: سعد عبد الرحمن - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
: الموسيقى الجنائزية
 

شيماء صلاح

 

عجبًا أن يكون للموت غناء ورقص ولكن لا عجب فى مصر، حتى الموت له غناؤه ورقصه منذ القدم، فتطل علينا المواكب الجنائزية من الجداريات الفرعونية وبها المنشدون وعازفو الهارب والناى المزدوج (الأرغول) وهم يودعون المتوفى إلى مثواه الأخير، ومن أمثلة تلك الجداريات الموجودة فى الجبانات المجاورة لأهرامات الجيزة.

هناك أنواع من الغناء الخاص بالحزن والموت عند الفراعنة مثل (أولوفيرموس) وتعنى العويل، و(يالموس) وتعنى الغناء الحزين، وكان يحمل بداخله صيحات تطلقها النسوة، تلك الصرخات كانت ترن فى البيوت معلنة عن حاله وفاة، وهى تشبه تلك الصرخات التى تطلقها النساء فى مصر خاصة فى القرى حتى الآن، والنوع الثالث هو(مانيروس)، وكان يؤدى فى الحزن والفرح على حد سواء، لأنه كان يخفف من وطأة الحزن، واسترسل هيرودوت فى وصف الاحتفالية الجنائزية فروى عن احتفالية أقيمت فى جزيرة فيلة (وكان يطلق عليها المقدسة أو المباركة)، حيث يأتى كهان المنطقة كل يوم، يملأون الجرار التى تحيط بمقبرة أوزيريس باللبن وعددها 36 جرة، ثم يصطفون حولها وهم يغنون ويرتلون أغنيات جنائزية. ويحكى أن الموكب الجنائزى للعجل أبيس كانت تصحبه ضجة المزاهر (نوع من الدفوف يثبت فى إطارها إطارات من النحاس تحدث صليلاً حين العزف عليها) وأنغام الناى، كذلك استخدم عامة المصريين الدفوف فى المواكب الجنائزية التى كانت تقام على ضفاف النيل. 

وهناك العديد من الآلات الموسيقية التى كانت تصاحب المواكب الجنائزية والتراتيل المغناة، بالإضافة لما سبق مثل البوق (آلة نفخ كانت تصنع من قرون الحيوانات، كانت تستخدم فى التنبيه للحرب والجنازات) والجنك (الهارب الفرعونى وهو آلة وترية تعزف بالنبر عن طريق أصابع اليدين).

ويذكر ديودور الصقلى فى كتابه الأول من مكتبته التاريخية وصف طقوس الجنائز، حين يموت أحد ملوك مصر تتشح البلاد بالسواد وتلغى الأعياد مدة 72 يومًا، ويتجمع الناس متشحين بقماش أبيض، ملطخين رءوسهم بالطين، ويغنون ما ينعون به هذا الملك، واصفين محاسنه وفضائل الموت.. ومن أمثلة الأغنيات التى كانت ترتل:

أغنى لك يا أبى مولولة أغنية بلوتون الحزينة

وأنت راقد هكذا تحت الثرى

أكرس نفسى لرثائك دومًا بهذه الطريقة كل يوم

فى العصر اليونانى ظهرت المأساة. وتعد المأساة شكلاً من أشكال الدراما، وهى كلمة مأخوذة من كلمة يونانية من شقين: الأول edhi وتعنى أغنية، والثانى tragos وتعنى الماعز، وهو نوع من الغناء الجنائزى اليونانى، غناء جماعى (كورس) أثناء التضحية بالماعز فى المسرح اليونانى القديم، وهناك نوع آخر ظهر لتأبين لينوس أحد مبتكرى الموسيقى فى اليونان، كان يسمى (بوزانياس).

وكما هو الحال فى كل الحضارات القديمة فقد اختلطت الموسيقى بطقوس الجنائز عند الممالك العربية القديمة، ونجد هذا فى الآثار الموجودة فى نبطية، فقد كان هناك طقس المأدبة الخاص بالجنازة، وبنيت له القاعات الكثيرة التى تنتشر فى نبطية، سواء المنحوتة أو فى العراء، فى مدن صالح والتى بنيت خصيصًا لعمل المآدب الجنازية بمشاركة المغنيات وعزف الموسيقى.

ظهرت عند المصريين المحدثين فئة تحترف الغناء فى الجنائز، والغريب فى الأمر أن الأغنيات التى يؤديها هؤلاء المحترفون لا توحى بالحزن، بل كانت الأغنيات ألحانها حيوية وإيقاعها سريع، ربما لعدم شعورهم بالحزن، وأنه مجرد عمل لكسب القوت، كما ذكر فى كتاب وصف مصر.. وكانت الأغنيات المؤداه تختلف باختلاف طبقة الميت الاجتماعية والمادية، كان يتقدم الجنازة مجموعة من الأطفال تقوم بإنشاد بعض الأغنيات، وتسبق الجنازة فرقة أو أكثر من المنشدين (تصل إلى عشرة أو اثنتى عشرة فرقة عند الأثرياء) يقومون بإنشاد الأغنيات لتشييع الجثمان إلى مثواه الأخير، وامتدت هذه العادات حتى منتصف السبعينيات، فكانت هناك فرق تابعة للحانوتى (الشخص المسئول عن طقوس الدفن) ترتدى زيًّا موحدًا، ولهم طول موحد، يمشون فى صفين متوازيين بخطوات منتظمة رتيبة، ينشدون بعض الأغنيات أو التسابيح بمصاحبة الطبوع وآلات النفخ النحاسية.

أما خلف الجنازة فكانت هناك النائحات والندابات المأجورات اللاتى تطلقن الصرخات وإنشاد بعض الأشعار التى تمتدح المتوفى بشكل الريستاتيف (الإلقاء المنغم)، يعتمد على نغمة أو اثنتين فقط صعودًا أو هبوطًا فى أداء هذا الإلقاء المنغم، ومازالت مهنة المعددة موجودة حتى الآن بشكل محدود لما لها من حرمة دينية، وأصبح استغلالها الأكبر فى الاحتفالات الشعبية التى تقوم برصد العادات والتقاليد الفلكلورية فى مجتمعنا، أو بعض الأعمال الفنية، وتختلف الأبيات الشعرية التى تتغنى بها المعددة حسب الحالة الخاصة بالمتوفى، وتختلف باختلاف الطبقة والجنس والسن، فهناك أشعار عن المرض- الرجل- المراة- اليتامى- الشاب- الغريب- ذوى المناصب- الأم– الأب- غير المتزوج- التقى- البكارى- من لم يترك أبناء- التى ماتت أثناء الولادة- التاجر- القتيل– الغريق.. إلخ) وتقوم المعددة بالجلوس وسط بيت المتوفى من أول الوفاة إلى الدفن، مرورًا بالغسل وتجهيز الميت للدفن، وتنشد قائلة على سبيل المثال:

كام يا غسال تدهينى؟

تخلع هدوم الزين وتدينى

كام يا غسال ترجفنى؟

تخلع هدوم الزين وتحدفنى

***

ولا تنزلونى القبر بالعاصى

حالق جديد لا تعكسوا راسى

ولا تنزلونى القبر بالهمة

لابس جديد لا تعكسوا العمة

ومن الغناء والإلقاء المنغم بمصاحبة الآلات إلى الغناء المُصاحب بالرقص، فهناك نوع من الرقص المسمى برقص المناحة، والذى يمتد تاريخه إلى القدماء المصريين. فبعد تكفين المتوفى ووضعه فى النعش، يوضع النعش فى فناء الدار وتلتف حوله نساء الدار والجارات اللاتى أتين لتأدية واجب العزاء، وتقوم إحداهن بالضرب على الدف فى إيقاع ثلاثى، فى حين يقمن الباقيات بالقفز والميل للأمام ولطم الخدود فى حركات منتظمة، مرددين: آبا آبا (أبى أبى) على نفس النسق الإيقاعى، عند المسلمين يتجمع أقارب المتوفى لأيام متعاقبة بعد انتهاء يوم العزاء فى بيت المتوفى تزيد على التسعة أيام، ينشدون بعض الأغنيات والتسابيح التى تشبه الذكر فى الحلقات الصوفية، وهذه التسابيح لها طقوس معينة، فيقوم أحدهم بقراءة القرآن ثم ينتهى فيبدأ آخر بالتسبيح على المسبحة قائلاً: باسم الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم بعدد حبات المسبحة بإلقاء منغم (مستخدمًا نغمة أو اثنتين موسيقية فقط)، فى هذه الأثناء يقوم الباقون بترديد: لا إله إلا الله محمد رسول الله بنفس الإلقاء المنغم، وهذه الطقوس أوشكت على الاندثار، وتتواجد بعدد قليل فى القرى خاصة صعيد مصر، الذى يحاول دائمًا الحفاظ على عاداته وتقاليده المتوارثة.

وطقوس الجنازة عند الأقباط أيضًا تتميز بمصاحبة الموسيقى لكامل المراسم، وما زالت الكنيسة تحتفظ بهذه الطقوس حتى وقتنا هذا، تزيد أو تقل حسب مدنية المكان، فنراها قليلة فى المدينة، فتعلو الأصوات “المجد لله فى علاه.. لأنه ارتفع فى أعلى سماه.. إن عشت أنا هو سيدى.. وإن مت يوهب لى الحياة” ما بين الترانيم ودقات الصنوج تجوب المواكب الجنائزية القبطية الشوارع فى بعض قرى الصعيد، ولا يعد هذا طقسًا كنسيًّا، غير أنها إحدى لمحات ثقافتنا الشعبية، مزج الألحان بالطقوس الدينية، المستمدة منذ عهد الفراعنة إلى يومنا هذا، فمثل هذا كمثل تهجى الشهادتين لدى المسلمين التى تبدو كلحن مع تشييع موتاهم، وترتيل الآيات القرآنية فى العزاء، وكما الأذان للصلوات وحلقات الذكر بالموالد، واستخدام الناقوس بالكنائس للصلاة، والبوق فى مراسم اليهود الدينية.

تتنوع جنازات الأقباط بتنوع خلفياتهم الثقافية والمادية، فتكتفى بعض العائلات بترانيم الشمامسة التى يتلونها كأناشيد وتسابيح لعدم مقدرتهم على جلب فرقة موسيقية، أما الأثرياء فمنهم من يفضل دمج الترانيم بالألحان الجنائزية من قبل عازفين ومنشدين محترفين، وإن كانت غالبية العائلات تجمع ما بين الترانيم والألحان، لكن دون مزج، بل يتم ترتيبها كفقرات يفتتحها الشمامسة بالترانيم ثم يتبعهم العازفون بألحان بسيطة من آلتى الصنوج (بالدارجة الصاجات وهى إطاران من النحاس)، والتريانتو (المثلث).

وهناك نوع آخر من الموسيقى الجنائزية ويعتبر الطقس الكلاسيكى الخاص بالكنائس بكافة طوائفها والمعروف باسم القداس الجنائزى requiem والمشتق من الكلمة اللاتينية requies وتعنى الراحة، والنصوص مأخوذة من الكتاب المقدس، وتتنوع القداسات، فمنها ما هو مأخوذ من ألحان صلوات الفجر والغروب، وآخر تكتب ألحانه خصيصًا لرثاء شخص ما ذى منصب أو قدر اجتماعى، وفى كلا الحالتين النصوص من الكتاب المقدس وصلوات القديسين، ومن القداسات القديمة المكتوبة لم يتبقَ سوى قداس يوهانس أوكجيم، والذى كتب فى القرن الخامس عشر، ثم توالت مؤلفات القداس الجنائزى (ريكويم) فى العصور التالية ابتداء من عصر الباروك وحتى الآن، كانت القداسات تستخدم عديدًا من التراتيل والصلوات المنتشرة فى أنحاء أوروبا، وتوحد التركيب وألحان الصلوات على يد أوكجيم فى القرن الخامس عشر، وأصبح القداس يتكون من عدة أجزاء، هى: كرياليسون أى فلترحمنا يا إلهى، جلوريا أى المجد لله فى الأعالى، الكريدو أى الإيمان، سانكتوس أى نشيد التقديس، أجنوس داى أى حمل الله.

 تكتب ألحان القداس بطريقة بوليفونية (تعدد تصويت أى ألحان متعددة ومتوازية منها الغنائى ومنها الآلى)، وقد كتب الكثير من المؤلفين القداس الجنائزى (الريكويم) أمثال (موتسارت– فيردى- بيرليوز– برامز- بريتن– سترافنسكى.. إلخ)، وفى القرن العشرين ظهر نوع من القداسات المعروف بالعلمانية فى الانتشار لتأبين ضحايا الكوارث سواء الطبيعية أو البشرية، وبدأ هذا التقليد عام 1916 على يد المؤلف فردريك دليوس. وقداس لرثاء ضحايا الحرب العالمية الأولى من المطربين، قداس أوسيتيا (2006)، فى ذكرى ضحايا مأساة بيسلان، للمؤلف إيفان موديز وآخر لتشينج يو دونالد، فى ذكرى ضحايا زلزال سيتشوان (2008)، وفى فبراير عام 2013 كتب رامى خليفة قداس (الربيع العربى) لرثاء شهداء الثورات العربية، وهو أول قداس عربى، وقام بعزفه أوركسترا قطر بالمشاركة مع أوركسترا إذاعة ليبزج، ونال التقدير والإشادة من قبل النقاد.

ومن الأنواع الشائعة للموسيقى الجنائزية (جنازة الجاز)، وظهرت فى نيو أورليانز بأمريكا فى القرن العشرين، وتحول اسمها إلى جنازة مع الموسيقى فى السنوات القليلة الماضية، وهذا النوع من الموسيقى تعود جذوره إلى القارة الأفريقية، وتحديدًا إلى قبائل نيجيرية وأخرى بالغرب الأفريقى، وقد تأثرت الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية وهايتى بفكرة احتفالية الموت من أجل إرضاء من يحملون أرواح القتلى، وابتعد الرجل الأبيض تمامًا فى جنازاته عن تلك الطقوس، فهو يرى أنها بعيدة عن الوقار، فى حين انتشرت جنازة الجاز بين من هم من أصول أفريقية والهنود الحمر، وأصبح هذا التقليد يقام للمشاهير من الموسيقين واللاعبين وأعضاء الأندية الاجتماعية، وتبدأ الجنازة من بيت المتوفى إلى الكنيسة، ثم إلى مثواه الأخير بمصاحبة الموسيقى الحزينة وبخطوات رتيبة إلى أن تنتهى بكلمة الوداع بعد الدفن، ثم تتبدل الموسيقى وتصبح أكثر حيوية وصاخبة، يشترك الجميع فيها بالرقص والغناء والتفاؤل بالحياة.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "رسالة الثقافة"
 

  » حوار: الشاعر فريد أبو سعدة ليس هو بالضبط! لست شخصًا واحدًا.. فأنا منقسم إلى عدة أشخاص
  » ثقافة شعبية: الموت.. قراءة ثقافية
  » ثقافة شعبية: فى الذكرى التاسعة لرحيله.. محمد رجب النجار يعيد إلينا فضيلة الدهشة
  » عن أزرق "بو سعيد"
  » : الموسيقى الجنائزية
  » سينما: الموت حيلة تستدعى الحياة

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 6 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية