الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 280 - يناير 2014 - رئيس مجلس الإدارة: سعد عبد الرحمن - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
إحياء الموسيقى القبطية فى العصر الحديث
 

إحياء الموسيقى القبطية فى العصر الحديث

د. ماجد عزت إسرائيل

 

شهدت الموسيقى القبطية فى العصر الحديث تطورًا فى بعض جوانبها؛ بدأ من جذورها وانتمائها للحضارة المصرية القديمة، وأدواتها المحلية (البلـدية) والواردة (الإفرنجية)، وهو ما أدى إلى تنوع ألحانها وقداستها وتراتيلها الموسيقية؛ وأصبح لكل منها رواده وهو ما سوف نوضحه فى هذه الدراسة.

 

جذور الموسيقى القبطية

إذا رجعنا إلى الماضى الغابر، أو بالتحديد إلى عصور ما قبل التاريخ نستطيع أن نجد لوحات منقوشة من عمل الإنسان الأول تدل على إنسان تلك العصور قد عرف الموسيقى المحلية، وتشير الصور المنقوشة على جدران المقابر والآلات الموسيقية التى عثر عليها فى مصر، على أن المصرى القديم كان منذ فجر التاريخ، يميل بطبعه إلى الغناء، والموسيقى ويستخدمها فى المناسبات فى حياته الاجتماعية وفى العديد من طقوس حياته الدينية.

ويمكننا أن نقطع بأن الموسيقى على غرار سائر الفنون وثيقة الصلة بها كالرقص والتمثيل الإيمائى والشعر والمسرح، وهى ذات وظيفة دينية فى أغلب الأحيان، ولكنها لا تنحدر من أصل دينى بأى شكل من الأشكال وهى موسيقى عامة يشترك فيها كافة البشر، وتتصف بالبساطة فى أصولها وتتميز ببروز قوى فى إيقاعها، كما أن طابعها يتسم بالمسحة الدينية ويتصل بطقوس معتقداتهم، ومما يدلنا على ذلك ما ذكره "فيثاغورس" العالم اليونانى الذى جاء إلى مصر فى عهد الاحتلال الفارسى، أى فى القرن السادس قبل الميلاد، من أنه جمع ما وجده فى مصر من عناصر موسيقية مكنته من وضع نظريته فى الموسيقى.

كذلك ذكر "هيرودوت" عندما زار مصر فى سنة 460 قبل الميلاد، فقرة رقم(79)، أن المصريين ينشدون لحنًا حزينًا،هو أقدم الألحان عندهم،وذكر "ديمتريوس الفاليري" نحو عام280 قبل الميلاد، أن كهنة مصر كانوا يكرمون آلهتهم فى الاحتفالات بالتراتيل، وكانوا يرتلون بالأحرف المتحركة السبعة: واحدًا بعد الآخر على التابع، وكان هذا النوع من الغناء يغنى عن استعمال المزمار أو القيثارة، هذا ولا يزال الكثير من الألحان القبطية يرتل بهذه الأحرف إلى اليوم، وكان القدماء المصريون يرون أن طريقة الترتيل بهذه الأحرف يؤدى إلى التعبير عن شعور دينى عميق.

ومع انتشار المسيحية فى البلاد المختلفة منذ القرن الأول الميلادى، وبداية بناء وتكوين الكنائس نشأ ــ فى كل قطرــ فن موسيقى كنسى ــ تمشى مع النزعة الفنية الموسيقية لكل شعب، وشكل الشعب موسيقاه، بما يتفق مع ذوقه، مستمدًّا ذلك من تقليده.  

على أية حال، ترجع جذور الموسيقى القبطية إلى التراث المصرى القديم، أو بمعنى أكثر شمولية مثلت الوريث للموسيقى المصرية القديمة وأكد ذلك الفيلسوف الإسكندرى اليهودى "فيلون" الذى عاش فى القرن الأول الميلاى فقال:"إن الجماعة الأولى من المسيحيين المصريين اقتبست ألحانًا لعبادتها الجديدة من الأنغام المصرية القديمة، ويوضح ذلك لنا كيف انبثقت الموسيقى الكنسية المصرية من الفن الموسيقى المصرى القديم، وسواء أخذوا منها كما هى أو أخذوها منها وأضفوا عليها عمقا روحيًّا أو لم يأخذوا، فعند بدء المسيحية كان اللحن القبطى مصريًّا لحمًا ودمًا"، ويذكر عالم المصريات الفرنسى الشهير" إيتين دريتون" آخر مدير أجنبى لمصلحة الآثار المصرية قبل أن يتولاها المصريون،أن " مفتاح سر الموسيقى الفرعونية يوجد فى طابع أداء الموسيقى القبطية الكنسية المستخدمة فى أيامنا هذه".

وبعض الألحان الشائعة إلى الآن فى الكنيسة المصرية لا تزال تحمل أسماء بلاد قد اندثرت منذ عهد بعيد، ونذكر على سبيل المثال اللحن "السنجارى" نسبة إلى بلدة سنجار، التى تقع شمالى محافظة الغربية، والتى عرفت منذ أيام "رمسيس الثانى" وكانت تحوطها الأديرة فى العصر القبطى، وكذلك اللحن "الأتريبى" نسبة إلى أتريب القديمة، بالقرب من الديرين الأحمر والأبيض بمنطقة أخميم.

كما أن الموسيقى القبطية فى الكنيسة هى بعينها الموسيقى المصرية القديمة ــ احتفظت للأقباط  بالأنغام فى توقيع الكلمات والمعانى المسيحية، لكن الموسيقى ذاتها فرعونية، ولذلك تعد الألحان القبطية المستخدمة فى الكنيسة القبطية أقدم تراث موسيقى مصرى شرقى، ومما هو جدير بالذكرأن لحن جولجوثا Golgotha الذى يرتله رجال الدين المسيحى فى يوم الجمعة العظيمة بعد صلاة الساعة الثانية عشرة، وهم يدفنون صورة السيد المسيح المصلوب كوسيلة إيضاح لدفن جسد المسيح بعد موته، هو بعينه اللحن الذى كان يستخدمه الكهنة الجنائزيون فى مصر القديمة أثناء تحنيط الجثة ودفنها من حيث الموسيقى لا من حيث الكلمات.

كما أن لحن "بيكثرونوس"ومعناه" عرشك يا الله" والذى ترتله الكنيسة فى يوم الجمعة العظيمة هو بعينه نفس اللحن، الذى كان يزف به الفرعون عند موته، حيث كان ينزل من القبر إلى مركب الشمس ليدور مع الشمس فى الخلود، والحياة الأبدية.

 

الآلات الموسيقية القبطية

منذ آلاف السنين عرف الإنسان كيف يستخدم صوته فى أداء جمل وعبارات موسيقية مرتبة ومنظمة فى أبسط صورها، ورنم ورتل فى صياغة موسيقية بسيطة مقاطع لفظية بحروف كون منها كلمات وعبارات، كانت حينئذ كافية لإشباع حاجاته، ولتحقيق غاياته وممارساته الموسيقية المتواضعة حين يعجز صوته بإمكانياته المحدودة عن تحقيق الكفاية والكفاءة اللتين يرجوهمات.

عرفت الموسيقى القبطية العديد من الآلات الموسيقية بأنواعها المختلفة مثل آلات الطرق أو النقر، وذوات النفخ، والآلات الوترية، ومعظمها استخدمه الفراعنة منذ الآف السنين وظل بشكله وطريقة صناعته البسيطة، وكيفية استخدامه واستخراج الصوت منه، كما هو دون تعديل ولا يزال يستخدم منها داخل الكنائس حتى يومنا هذا، وسنذكر فى هذا الجزء أهم تلك الآلات بنوعياتها وتصنيفاتها على النحو التالى:

أولاً: آلات الطرق: كانت أدوات الطرق والدق الإيقاعية البسيطة من المقارع والشخاليـل، هى أول الآلات الموسيقية التى عرفهــا واستعــان بها الإنســـان، والتى صنعــها من الحـجارة أو الأخشاب أو النباتات الجافة وأية مادة متاحة فى بيئته التى يستوطنها، واعتمدت الموسيقى القبطية على بعضها، وورد ذكر بعضها فى الكتاب المقدس ونذكر منها على سبيل المثال: المنعنيم، المتزليم، الصاجات، المثلث(التليانتو)، الكاسات، الجلاجل، الدف، الناقوس ويستخدم فى مصاحبة التراتيل الدينية والكنيسة القبطية المصرية، والمناسبات الدينية الاحتفالية الأخرى كأداة طرق لضبط الوحدة الإيقاعية للمؤدين من الرهبان وطائفة المصلين.

ثانيًا: الآلات ذوات النفخ مثل الهليل(المزمار)، القرن، الهزوزرا، البوقسان، النفير

ثالثًا: الآلات الوترية مثل ــ القيثارة(الكنور)، الرباب(النبل)

ــ الألحان القبطية: هى ذلك التراث التسبيحى الذى حفظته الكنيسة القبطية على مدى ألفى عام، وكانت وسائل الحفظ له هى الصلوات والأصوام والمطانيات، الدموع والعرق والدم عبر القرون العديدة، واستطاعت الكنيسة أن تحفظ هذه الألحان داخل صحنها المقدس ألفى عام، رغم عدم تدوينها موسيقيًا ورغم عدم توافر أجهزة التسجيل التى انتشرت فقط فى هذا القرن، فاعتمدت الكنيسة على التقليد الشفاهى “Oral Tradition” فى حفظ هذه الألحان، وأوجدت من أجل هذا المرتلين “Cantors” وهم عادة ما يكونون من مكفوفى البصر لقدرة ذاكرتهم على اختزان هذا القدر الكبير من الألحان، التى يصل عددها إلى حوالى 575 لحنًا، وتتراوح أزمانها، ما بين نصف دقيقة إلى عشر دقائق.

ويعتبر التقليد الشفاهى “Oral Tradition' لحفظ هذا الكم الكبير من الألحان القبطية معجزة، ساعد على وجودها إصرار الكنيسة القبطية التقليدية على عدم التفريط فى كل ما تسلمته من الآباء الرسل دون أدنى حيود عنه، بل يذهب البعض إلى أن بقاء تراث الألحان القبطية طيلة هذه القرون، يفوق أو يضاهى  معجزة بقاء آثارنا الفرعونية.

على أية حال، يخبرنا" ديمتريوس الفــــالرونى Demetrius Alph"  أن كهنة مصر كانوا يسبحون آلهتهم من خلال السبعة الحروف المتحركة"Vowels" ويأخذون فى الغناء بها الواحد تلو الآخر وكان ترديدهم بهذه الحروف المتحركة ينتج أصواتًا عذبة وقال العالم الرياضى "نيكوميخوس" الذى عاش فى القرن الأول الميلادى أن أصوات كل واحد من السبعة الكواكب التى كانت معروفة فى ذلك الوقت ينتج صوتًا لحرف من الحروف السبعة، وهو نفس الأسلوب المتبع الآن فى الكنيسة القبطية، إذ يرتل الكثير من ألحانها على حرف واحد، و مثال ذلك لحن هلليلويا الهوس الكيهكى، المعروف بآللى القربان يرتل على حرف الألفا (A).

واعتقد بعض الباحثين فى مجال الموسيقى القبطية، أن الألحان الكنيسة قد اكتملت فى القرن الخامس الميلادى، بعد أن انتشرت الديانة المسيحية بين المصريين جميعًا، وبدأت تتكون

معها ملامح الصلوات والطقوس، وأخذت فى التطور التدريجى حتى استقرت، وما يؤكد ذلك اكتشاف أقدم نوتة موسيقية قبطية فى ذات الفترة.

وأرجع العالم "والتر كرم" walter Crum مخطوطة قبطية إلى ما بين القرنين العاشر والحادى عشر الميلادى، تحتوى على نوتة موسيقية تحتوى على كلمات وعلامات موسيقية وخطوطًا عمودية أحادية وثنانية وثلاثية ورباعية وخماسية، وهى على غرار النوتة اليونانية النيوماتك وهذه الشروط تعنى الهزات وتظهر مفردة أو أسفل النوتة أو أعــلاها وبها علامة صليب مع حرف (S) وهى تشبه العلامة اللاتينية(Oriscus) وتعنى الإطالة.

ومع مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر (1798ـــ 1801م) حاول أحد أعضائها ويدعى "فيلوتو" تدوين أول نوتة للألحان القبطية.

على أية حال، يرجع الفضل إلى البابا كيرلس الرابع (1854 – 1861 م) والذى بفضل مجهوداته وتشجيعه استعادت الألحان القبطية صحوتها بعد فترة الركود، واستعان البابا بالمعلم "تكلا" الذى جاب البلاد طولاً وعرضًا، وما من لحن وجده سليمًا إلا واعتمده, حتى جمع الألحان كلها على أحسن صورة والتى يشملها طقس الكنيسة, فصار معلم الكتـّاب الملحق بالكنيسة البطريركية، الذى كان يتعلم فيه أولاد الأعيان، إلى أن أنشأ البابا "كيرلس الرابع" مدرسة الأقباط الكبرى فعين المعلم تكلا معلمًا للألحان بها, وبعد ذلك رسمه قسًّا على الكاتدرائية لبالغ اهتمامه بطقس الكنيسة.

وتعاون المعلم تكلا وعريان بك مفتاح معًا لوضع كتاب يضم الألحان الكنسية لخدمة الشماس، (أستاذ اللغة القبطية فى ذلك العصر), لأول مرة بكتاب خدمة الشماس، أضاف المعلم تكلا إلى الألحان القبطية بضعة ألحان يونانية قديمة, هى اثنا عشر لحنًا, لم يبقَ منها حتى اليوم سوى القليل منه: لحن يقال فى عيد الميلاد وهو لحن "ايبارثينوس... اليوم البتول تلد الفائق الجوهر", واثنان يقالان فى دورة عيد القيامة والخماسين المقدسة وهما لحن "تون سينا نارخون لوغون ... نسبح نحن المؤمنين" ولحن "توليثوس فراجيس... لما ختم الحجر من اليهود".

وقد دبر الله سبعة عباقرة، أن يدرسوا على يد المعلم تكلا, فاستلموا منه الألحان كلها فكانت نهضة للحن الكنسى, ومن أشهرهم المعلم مرقس والمعلم أرمانيوس.

وواصل المعلم ميخائيل جرجس البتانونى، الذى ولد فى 14 سبتمبر سنة 1873 م، بالقاهرة وكان فى صباه يبصر قليلاً وبعد ثلاث سنين أصيب بالرمد فسلمه والده إلى الكنيسة ليتعلم الألحان ولم يكن يبخل عليه بالمال فى سبيل تحقيق ذلك, فتتلمذ على يد المرتلين مرقس وأرمانيوس ــ تلميذى المعلم تكلاــ وما إن بلغ التاسعة عشرة من عمره حتى كان قد استوعب الألحان وملك زمامها.

ولذلك رسمه البابا كيرلس الخامس البطريرك (112) (1874-1927م)  شماسًا فى سنة 1886م، ارتقى إلى منصب كبير المرتلين فى الكاتدرائية المرقسية فى سن مبكرة, بعد أن التحق بالإكليريكية عام 1891 م، وفى 2 نوفمبر عام 1893م عين مدرسًا للألحان بالإكليريكية وكان معروفًا بدقته فى الأداء وجمال صوته وحفاظه على أصول هذه الألحان.

وبين عشية وضحاها، ذاع صيته واتجه بعد ذلك لتأسيس مدرسة للعرفاء العميان بالزيتون عام 1901 م. وقام بإعداد كتب للألحان القبطية على طريقة "بريل" لمساعدة المكفوفين، ومنح لقب البكوية لمجهوداته الكبيرة فى نقل القداس القبطى إلى اللغة العربية.

ومع بداية القرن العشرين اهتم راغب مفتاح، بالألحان الكنسية، لجمعها بطريقة علمية حديثة، فعمل على ضم  المعلم ميخائيل إليه فعملا معًا لمدة أربعين سنة، بدأت فى شتاء عام 1928م، وفى حضور الموسيقى العالمى "نيولاند سميث", وصاحبه تسجيل العديد من تراث الألحان القبطية, حتى رحيله فى 18 أبريل سنة 1957 م، وبلغ عدد ما تم تسجيله من ألحان فى النوتة الموسيقية ما يقرب من ستة عشر مجلدًا، وهى التى حولها العلامة راغب مفتاح إلى تسجيلات صوتية، وبعد رحيله حاولت "لــورنس مفتــاح" بالتعــاون مع مكتبــــة الكونجرس تحويلها إلى أسطونات، وقام بتسليمها إلى يد قداسة البابا "شنــــودة الثالث".

ويذكر أن الأستاذ "ملاكة عريان" ساهم فى السعى وراء عمل نوتة موسيقية فى عام 1946م، ومن أجل ذلك قام بتأجير شقة بجوار الكنيسة المرقسية فى كلوت بك، وشراء بعض الأدوات الموسيقية وأخذ يجمع حوله  بعض الأقباط الذين لهم مواهب موسيقية، لتكوين فرقة لعزف ألحان الكنيسة القبطية، واعتمد على المعلم ميخائيل جرجس البتانونى كبير المرتلين، فقد كان يسجل صوته وينقل هذه الألحان إلى نوتة موسيقية لتتناقل بصورة حديثة من جيل إلى جيل بصورة موسيقية جميلة .

طرق صياغة الألحان القبطية: الطريقة الفرايحى، الطريقة الحزاينى، اللحن الصيامى، اللحن الشعانينى، اللحن السنوى.

طرق أداء الألحان القبطية: التسبيح فى خورسين، التسبيح بطريقة المرد، التسبيح الجماعى، التسبيح المنفرد، ومن أشهر الألحان القبطية المستخدمة حاليًا نذكر اللحن السنجارى والأتريبى والشامى.

قداسات الكنيسة القبطية منها: القداس الباسيلى، والغريغورى، والكيرلسى، يذكر أن الآلة الموسيقية لا تصاحب هذه الألحان فى الليتورجيا المقدسة أية آلات موسيقية، وهو أسلوب عرف فى الكنيسة القبطــية، وقد يصاحب الألحــان الفرايحى، آلة النــــــــــاقوس Cymbals والمثلث Triangle لضبط الإيقاع، ولإعــلان حالة الفرح التى تعــيشها الكــنيسة فى هذه المناسبة، إلا أنه يمكن تقديم هذه الألحان بالآلات الموسيقية خــارج الليـــتورجيا المقدسة.

أسباب منع استخدام الآلات الموسيقية:

1- أن الرعايا لم تستطع أن تشترى آلات غالية الثمن، كالتى استخدمت فى العــهد القـــديم، لأن الكنائس فى العـهد الجديد، كانت دائمة الانتقال لسبب الاضطــهاد، لذا لم يكن لها وقت لتـــطوير الموسيقى أو لتدريب الموسيقيين.

2- يعلل أحد الباحثين عدم استخدام الآلات الموسيقية بالكنيسة بأن الطبيعية المعمارية لكـــنائس العصور الأولى والتى كانت تبنى تحت الأرض هربًا من الاضطهاد كانت لا تسمح للألحان أن تؤدى إلا بالأصوات البشرية فقط، ومن المستبعد أن تكون الآلات الموسيقية خاصة الإيقاعية قد استخدمها هؤلاء المضطهدون الذين يتعبدون وهم مهددون بالموت فى أية لحظة(.

3- ويفسر البعض منــــع استخدام الآلات الموسيقية فى اللـــيتورجيا المقدسة لأنها كانت تشكــل عنصرًا أساسيًا فى المعابد الفرعونية, ولكيلا يوجد ربط ذهنى من بعيد أو من قريب بين عبادة السيد المسيح والعبادات الأخرى, وذلك تركيزًا لانتباههم فى قوة الصلاة والكلمات الإلهية.

4- يؤكد الأب"متى المسكين" فى كتابه "التسبحة اليومية، يؤكد أن الأقبـــاط تسلـــموا من النساك اليهود المتنصرين طريقة التسبيح بالناى "المزمار" (فى اجتماعاتهم العامة المسماة "الأغـــــابى"، وأنهم ظلوا يستخدمون الناى حتى سنة 190م، حينما أوقف كليمندس الإسكندرى الناى واستبدل به الناقوس Cymbalon.

هناك نماذج لبعض الألحان الكنسية القبطية مثل: لحن أجيوس، لحن غولغوثا، لحن ابؤورو

1ــ جمع الموسيقى القبطية ـــ راغب مفتاح (1898 – 2001م)( نموذجًا)

ولد راغب حبشى مفتاح فى 21 ديسمبر 1898م بمدينة القاهرة، من أبوين كريمين شريفين، اشتهرا بالتقوى والصلاح وربياه على الفضيلة والتمسك بأهداب الاستقامة والثقافة القبطية، اشتهرت هذه الأسرة منذ أيام البابا بطرس الجاولى البطريرك رقم (109) (1809- 1852م)، منهم من تولى رئاسة المرقسية، ومن تلامذتها أقلاديوس الوجية , يوسف مفتاح ، وعريان مفتاح (1826-1886) م، وراغب مفتاح الذى أدخله والده المدرسة حتى حصل على درجة البكارلوريا سنة 1918م (الثانوية العامة)، ثم أرسلته الأسرة إلى ألمانيا لدراسة الزراعة بها، للوقوف على أحدث الدراسات والأساليب والأنظمة العلمية فى هذا المجال حتى يكون عند عودته إلى مصر خبيرًا فى الزراعة ليتولى الإشراف على أراضيها وحاصلاتها الزراعية.

وبعد عودته من ألمانيا بدأ اهتمامه بالتاريخ القبطى والموسيقى والألحان القبطية، وفى سبيل المحافظة على سمات اللحن القبطى سافر إلى إنجلترا سنة 1927م ليستعين بخبراء الموسيقى، فتعرف على الأستاذ "أرنست نيولاند سميث" الأستاذ بالأكاديمية الموسيقية الملكية بلندن واتفقا – بعقد مكتوب – على أن يحضر سميث إلى مصر ويقيم بها لمدة سبعة أشهر سنويًّا ما بين (أكتوبر – إبريل) على نفقته الخاصة لتدوين الموسيقى القبطية وتواصل هذا العمل ما بين (1928- 1936م).

وفى ثلاثينيات القرن العشرين اختار راغب مفتاح المرتل "ميخائيل جرجس البتانونى" كبير مرتلى الكاتدرائية المرقسية الكبرى (بالأزبكية) وذلك من بين كثير من المرتلين المشهورين فى جميع أنحاء البلاد، وبحضور الأستاذ سميث لتسجيل طقوس وألحان الكنيسة القبطية لتسجيلها كنوتة موسيقية على ورق، فبلغ ما سجله راغب مفتاح ستة عشر مجلدً.

وقد رأى راغب مفتاح أن هذه الموسيقى القبطية تعكس تقاليد مصر الفرعونية، التى أثرت منذ زمن طويل على تطور الموسيقى الغربية، وأكد ذلك فى عام 1931م عندما سافر بصحبة أستاذه فى الموسيقى أرنست سميث والذى دعاه لإلقاء مجموعة من المحاضرات بجامعات إنجلترا وOxford , Cambridge..  

وبين عشية وضحاها ذاع صيت راغب مفتاح فى مواضيع ترتبط بإحياء الموسيقى القبطية لدرجة حثت علماء أوروبا فى مختلف العلوم على حضور محاضراته، وعلى سبيل المثال حضر محاضرته التى ألقاها بجامعة أكسفورد عالم المصريات بلاكمانBlachman، وعالم القبطيات كرم Crum، وعالم الفيزياء الشهير Einstein.

وفى عام 1932م وجهت الحكومة المصرية الدعوة لكبار الموسيقيين من ألمانيا والنمسا وفرنسا وإنجلترا والمجر وغيرها من البلدان، إلى مؤتمر الموسيقى العربية الأول  للنهوض بها علميًّا، وقد بلغ عددهم 29 موسيقيًا، كما وجهت الدعوة للأستاذ راغب مفتاح ممثلاً للموسيقى القبطية وكان من بين هؤلاء المؤلف الموسيقى المجرى ورائد جمع الموسيقيى الشعبية المجرية "بيلا بارتوك Bela  Bartock " و"إيجون ولز. Egon Wellesz" الذى فك رموز الموسيقى البيزنطية القديمة، ومدام "هيرشر كليمنص Clemence" رئيسة الجمعية الموسيقية فى باريس، وقد طالب هؤلاء العلماء الموسيقيون بزيارة إحدى الكنائس الأثرية، فوقع الاختيار على كنيسة السيدة العذراء الشهيرة بالمعلقة بمنطقة مارجرجس بمصر القديمة، حيث أدى القمص مرقس شنودة صلوات القداس واشترك معه فى ترديد المرددات والألحان المرتل ميخائيل جرجس، فتأثر الجميع تأثرًا بالغًا حتى إن الأستاذ فلز قال: "إنه لم يتأثر فى حياته بعذوبة ترديد الصلوات والألحان مثلما تأثر بها فى هذا القداس" وقال آخر: "إذا كانت هناك موسيقى دينية تستحق الإبقاء عليها فإنها تكون الموسيقى القبطية"(.

والحقيقة أن هناك أبعادًا أعمق من ذكر بعض الأراء بشكل عابر....فهذا الحدث الموسيقى: المؤتمر هو الأول من نوعه والذى كلف فيه محمود الحفنى (من أوائل المبعوثين  لدراسة علوم الموسيقيى التاريخية ببيرلين) والذى حاول أن يتناول كل أنواع الموسيقى المصرية فى محاولة جادة للدراسة وبالطبع كان الممثل عن الموسيقى القبطية راغب مفتاح.

والجميل فى توعية حضور علماء موسيقى وأناس مهمومين بنفس المشكلة" جمع التراث الشفاهى، فبيلا بارتوك رائد من رواد علم موسيقى الشعوب وربما يكون تاريخيا هنا الإشارة إلى تلميذتة مارجريت توت التى عاشت فى مصر واستمر مفتاح فى تكليفها بتدوين الموسيقى القبطية.

وفى عام 1940م قام راغب مفتاح بتكوين خورس بمهمشة (مكان بالقرب من القاهرة) ومن أجل ذلك قام بالبحث على أشخاص ذوى أصوات جميلة يستلمون اللحن من المعلم ميخائيل البتانونى ويؤدونه بإتقان بأصواتهم الجميلة واستغرق هذا الأمر منه بحثًا ووقتًا وجهدًا، حتى أصبحت لديه تسجيلات بصوت المعلم ميخائيل وبأصوات الذين استلموا منه.

وفى عام 1945م قام صاحبنا بتأسيس مركز لتسليم الألحان للمرتلين والشمامسة بمنطقة مصر القديمة "كنيسة العذارء قصرية الريحان" وآخر بالقرب من ميدان باب الحديد (ميدان رمسيس حاليًا) لكبار المرتلين لاستلام وتثبيت الألحان.

وعندما تأسس معهد الدراسات القبطية سنة 1954م كان راغب مفتاح أحد مؤسسيه. وصار رئيسًا لقسم الألحان والموسيقى فيه، وتزامن ذلك مع تأسيس القسم العالى للكلية الإكليريكية بمبنى الأنبا رويس وفيه مجموعة من صفوة الطلبة المثقفين فاعتمد عليهم فى تطوير الخورس ليسجل لمجموعة من الطلبة بعد أن كان يسجل لأفراد، وليؤدى اللحن جماعة بصوت واحد، متفق ومنسجم، لا نشار فيه، وبذلك لم يعد صاحبنا يجول المدن والقرى يبحث عن ذوى المواهب والأصوات، بل أصبح طلبة القسم الداخلى بالإكليريكية يتلقون دروس الألحان يوميًّا فى مكتبه بمعهد الدراسات القبطية، ويتابعهم ليصقلهم من خلال الدراسة، وفى الإجازة الصيفية كان يقيم لهم دورات دراسية فى الموسيقى بضاحية أبى قير بالإسكندرية.

وشارك فى تدريس الخورس بالإكليريكية والدورات التدربية أساتذة موهوبون، نذكر من بينهم المعلم توفيق من دير المحرق (أسيوط) وكان أستاذًا يتقن التسبحة، والمعلم صادق عطا الله من أشهر المعلمين الذين سلموا الخورس فيما بعد المعلم إبراهيم عياد الحالى.

على أية حال، كان الأستاذ راغب مفتاح يقوم بتسجيل الألحان بأسلوب علمى دقيق، فلو وجد هزة واحدة غير سليمة، يعيد تسجيله من أوله دون كلل ولو مرات عديدة، حتى يستقر فى أدق وأروع صورة، ومن أجل ذلك اعتمد على التسجيل بالاستوديو الذى أسسه من قبل بمصر القديمة، ثم استكمله بمعهد الدراسات القبطية على يد صليب بسطروس مهندس الصوت، وكان يتولى هو بنفسه الإشراف على الجماعة الموسيقية.

واعتمد الأستاذ راغب مفتاح على مجموعة من العلماء فى سنة 1970م، ومن أجل ذلك وجه الدعوة للعلامة الموسيقية المجرية "مارجريت توت" رئيس قسم موسيقى الفولكور بالأكاديمية الموسيقية المجرية، لاستكمال القداس الباسيلى الذى كان قد بدأه الأستاذ سميث واستمر العمل حتى تم تسجيله بألحانه تامة بالنوتة الموسيقية الصوتية.

ومن بين عام (1984- 2001م)، استمر صاحبنا فى مواصلة عمله الجاد فى تسجيل الموسيقى القبطية فأتم تسجيلات تشمل: طقس الأكليل، طقس الصوم الأربعينى المقدس، طقس أحد الشعانين (أحد الزعف) طقس سبت الفرح، طقس صوم الرسل طقس صوم السيدة العذراء، ثم القداس الغريغورى.

ولفتت أعمال راغب مفتاح الموسيقية أنظار العالم، فبدأت بعض الدول الأوروبية توجيه الدعوة لخورس ألحان معهد الدراسات القبطية بقيادة راغب مفتاح لزيارة مدن أوروبا، ففى سنة 1989م تلقى دعوة من إذاعة برلين، لباها فاستمع الشعب الألمانى- لأول مرة- إلى الموسيقى الكنيسة القبطية وتوالت بعد ذلك الزيارات المماثلة(.

كما أشارت مجلة الكرازة فى مارس 1989م إلى بدء قسم الموسيقى والألحان بمعهد الدراسات القبطية فى إعداد نوتة موسيقية على أسس علمية لأول مرة فى تاريخ الكنيسة القبطية، وفى سنة 1996م صدر قرار بابوى بتدريسها بالمعهد.

وكان من مشروعاته المستقبلية رغم بلوغه سن 102 (عامًا) تسجيل القداس الكيرلسى على النوتة.

ولمساندة مكتبة الكونجرس لأعماله الموسيقية والمساهمة فى الحفاظ عليها ونشرها، قام فى سنة 1995م بإهدائها مجموعة تسجيلات صوتية، موثقًا بها جميع الألحان القبطية لمكتبة الكونجرس الأمريكية ليتم حفظها كتراث هام من مجموعة التراث الموسيقى لهذه المكتبة العريقة.

ولإنجازاته فى مجال الموسيقى والألحان القبطية، قام قداسة البابا شنودة الثالث البطريرك رقم (117) فى 7 يناير 1984م، فى ليلة عيد الميلاد المجيد، بمنحه الدكتوراه الفخرية.

وكرمه فى حفل بهيج بالكاتدارئية بمناسبة عيد ميلاده المئوى فى 21 ديسمبر 1998م، وأهداه صليبًا مذهبا تكريمًا لجهوده وما قدمه للكنيسة من أجل المحافظة على تراثها؛ وكان مما ذكره عنه قوله: "عمره قد شاخ، ولكن آماله لم تشخ مطلقًا"، كما كرمته الجامعة الأمريكية بالقاهرة بهذه المناسبة، وصاحب ذلك صدور كتاب الموسيقى القبطية كأول تسجيل علمى متكامل لموسيقى ليتورجيه القديس باسيليوس الكبيرسنة 1998م.

وفى 18 يونيو 2001م رحل راغب مفتاح عن عالمنا عن عمر يناهز 102 عامًا، وبذلك يكون قد عاصر ثلاثة قرون، كان له فى موسيقاها دور مبرز ساهم فى تطويرها بحيث فاق مجهوده عدة جهود، كانت كفيلة بأن تشغل جوقة من الموسيقيين، عوضه الله فى فردوس النعيم عن كل ما بذله.

يتبين لنا مما سبق أن الموسيقى القبطية جاءت امتدادًا للموسيقى الفرعونية، واستطاعت أن تحافظ على سماتها من ناحيتى الآلات الموسيقية المستخدمة وطبيعة الألحان، وقد انتقلت تواترًا من جيل إلى جيل واختلطت بالأداء الدينى القبطى حتى أصبحت جزءًّا من نسيجه، وأصبح بمثابة السجــل التـاريخى، الذى استطــعنا من خلاله إدراك مواصفات الفــن الموسيقى الفرعونى، والذى طوِّعه الأقباط بحيث يكون معبرًّا عن معتقداتهم فى الصلوات والقداسات والتراتيل، وقد أصبح له رواد، لا يزال عددهم يتنامى حتى زماننا هذا وقد قيد لنقل هذا الفن والقيام عليه علماء مصريون، رغبوا العالم الغربى فى الأخذ بسهم فى نشره والتعريف بملامحه ومميزاته وأدواته وآلاته.

 

 

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "موسيقى"
 

  » إحياء الموسيقى القبطية فى العصر الحديث

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 1 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية