الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 257 - فبراير 2012 - رئيس مجلس الإدارة: سعد عبد الرحمن - أمين عام النشر: محمد ابو المجد - رئيس التحرير: عمرو رضا
أبواب العدد
 
 
الروائى السورى عدنان فرزات : الشارع يسبق المثقف لأول مرة
 
الروائى السورى عدنان فرزات : الشارع يسبق المثقف لأول مرة



حوار انتصار عبد المنعم



عدنان فرزات كاتب روائى وصحافى سورى يكتب ويعمل فى عدة صحف عربية وخليجية، منها صحيفة القبس الكويتية والأنباء والخبر الجزائرية، وهو حاليا سكرتير تحرير مجلة البيان التابعة لرابطة الأدباء فى الكويت، ومسئول المركز الاعلامى فى مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعرى ومستشار صحفى فى عدة مطبوعات منها مجلة فرنسية لها طبعة عربية تصدر بالكويت
جاء عدنان فرزات إلى الإسكندرية مؤخرا ليدشن روايته الجديدة رأس الرجل الكبير والتى أصدرها أيضا فى الإسكندرية جاء فرزات يحمل نهجا نضاليا وسياسيا رغم تعمده التأكيد على عدم عمله بالسياسة ولكن وعلى الرغم من ذلك، فقد أقحم فى السياسة منذ أن صادرت السلطات جريدة الدومري التى كان رئيسا لتحريرها ، والتى أسسها فى دمشق شقيقه رسام الكاريكاتير العالمى على فرزات ؛ نعم عدنان فرزات هو شقيق على فرزات الفنان الذى حطم الشبيحة أصابعه كى يمنعوه من الرسم والتعبير عن الفساد الذى يعبر عنه عدنان بالكلمات فى مقالاته وفى روايتيه
ما سرعائلة فرزات التى احترفت التعبير بالكلمة والألوان؟
نحن عائلة لها باع كبير فى الفن التشكيلى وأنا الوحيد فى الكتابة ، لدى أيضا شقيق فنان تشكيلى ودائما ما ألجأ إليه لتصمصم أغلفة كتبى وهو شقيقى أسعد فرزات وهو فنان مرموق حصل على معدل جيد فى الفنون التشكيلية
و لدى أيضا أخت شقيقة منى وهى فنانة تشكيليلة متميزة، كانت تقيم المعارض وتستقطب الأضواء فى معارضها قبل ثلاثين عاما وقت أن كان الوعى محدودا بسيطا ولكننا سمحنا لها بالمشاركة فى المعارض
وحين كانت طفلة لا يتعدى عمرها أربعة عشر عاما أرسلت إلى مجلة الكواكب المصرية لوحة من لوحاتها للنشر فى باب الهواة، فتفاجأت بنشرها كصورة لغلاف المجلة ذائعة الصيت وواسعة الانتشار ولا أزال أذكر اللوحة، كانت عبارة عن امرأة تمسك بيدها كتابا وتضع يدها الأخرى على خدها أو فمها وهى فى حالة تفكير عميق، وكانت متقنة لدرجة أنهم حسبوا شقيقتى فنانة كبيرة فوضعوا لوحتها على الغلاف
يبدو أنك تضع شقيقك على فرزات فى مكان متفرد لتتحدث عنه منفردا وليس معطوفا على غيره حتى لو كان إخوة أشقاء ؟
يضحك وقد فاجأته الملاحظة مثلما فاجأه المطر الذى اشتد هطوله فتسرب من النافذة الزجاجية
على فرزات صاحب موقف كبير، وأنا تأثرت به فى حياتى ، ولا أنكر هذا فهو أخى الأكبر وتأثرت به أيضا ك على فرزات الفنان وليس كشقيق، فدوما أنظر إليه كفنان صاحب مبادئ
ومن خلال تعاملى معه أدركت أن هذا الانسان منسجم ابداعيا وانسانيا فى نفس الوقت، فهو لا ينظر ولا يرسم شيئا ويفعل شيئا آخر، هو فعلا منسجم فى سلوكه الانسانى والابداعى
أخى على ، تعرض لاعتداء آثم بسبب رسوماته الجريئة الصادقة التى كان يرسمها ، كسروا يديه وأصابعه بصورة وحشية وبشكل مؤسف ودائما أقول بشكل مؤسف ولا أقول محزن، فهذه الأصابع رفعت علم بلده
سوريا فى الكثير من المحافل الدولية وحصل على عدة جوائز عالمية باسمها ودائما كان يرفع علم بلاده بأصابعه التى كسروها
تردد دوما أنك لست سياسيا ولن تشتغل بالسياسة
نعم ، أنا لست سياسيا ، أنا كاتب مستقل، أكتب أدبا سياسيا وليس لى خط سياسى، لا أحب التحزب ولا أحب العمل ضمن مجموعة تنظيمية معينة لدى اعتقاد وهو أن الانسان الناجح هو الذى يصنع أفكاره بنفسه المتحزبون هم أناس فشلوا فى ايجاد أفكارهم، فتطفلوا على أفكار الآخرين
وفى نفس الوقت، لا أنكر على الآخرين التحزب فهم أحرار، أما بالنسبة لي، فلى قناعاتى التى أتوقع أن يحترمها الآخرون مثلما أحترم قناعاتهم
ومن خلال مشروعى الثقافى أنحاز إلى الناس البسطاء المضطهدين المهمشين عمدا تجولت فى كثير من مدن العالم واكتسبت من ثقافاتها وأساليبها فى الحرية والتعددية وتداول السلطة ولكنى كما قلت لست سياسيا ولا أحب العمل السياسي، ودائما أكتب على صفحتى فى الفيس بوك لن تجدونى فى منصب سياسي رغم آلاف القراء الذين يلجأون إلى ، ولكنى أعدهم بالمساعدة والوقوف معهم إلى أن يصلوا إلى بر الأمان فى أن يكون لهم الحق فى العيش تحت نظام مدنى تعددى لديه تداول سلطة يعرف فيه كل مواطن واجباته وحقوقه
رغم تعمدك نفى العمل السياسى المباشر، إلاإن تفاعلك مع ما يجرى ظهر جليا فى أعمالك الأدبية ومقالاتك
نعم بالفعل ، فروايتى الأولى جمر النكايات التى صدرت فى الثلاثة أشهر الأولى من عام
تدور حول الفساد النيابى وكيف أن امرأة تمثل ضمير المجتمع وضمير الناس البسطاء، استطاعت فى الانتخابات أن تتفوق؛ بل كادت أن تهزم المرشحين الفاسدين للمجالس النيابية الذين يشترون الأصوات والذين اشترتهم السلطة أساسا، والذين يزورون الانتخابات هذه المرأة التف الناس حولها وعملوا شبه مظاهرات مطالبين بنجاحها ثم تمضى وتمتد الأحداث تصاعديا بخط سياسى ولكن ضمن منهج أدبى
ومن أجل هذه الجرأة فى الموضوع والطرح أحدثت الرواية ضجة وحضورا محليا وعربيا وعالميا و بعد الحراك السياسى الأخير فى سوريا، كتبوا مرة أخرى عن الرواية وقالوا أنها كانت نبوءة عما سوف يحصل فى سوريا، وأجروا معى لقاءات عديدة، وترجمت بعض مقاطعها إلى لغات أجنبية، واعتبرها بعض النقاد علامة فارقة فى عالم الرواية وفى جرأة السرد الروائى فى سوريا
وماذا عن الرواية الثانية رأس الرجل الكبير ؟
هى الأخرى تحوم حول الفساد السياسى ولكن من منظور تاريخى هذه المرة فهناك مجموعة من مزورى التاريخ والآثار الذين يستغلون نفوذهم لبيع التاريخ وبيع الآثار التى تمثل جذورنا وهويتنا الأصيلة، فيقومون ببيعها إلى الخارج، ويصبحون أثرياء بين ليلة وضحاها ، ويصبحون مترفين وينتقلون من وضع اجتماعى إلى آخر تلك العصابات تحميها رؤوس كبيرة فى السلطة، ولذلك سلطت الضوء عليهم وكتبت عنهم بما يخدم تاريخ البلاد ويحفظ لها كرامتها من عملية استلاب وفساد سياسى
أصدرت روايتك الأولى فى سوريا ، والثانية فى الإسكندرية مهد أيقونة الثورة المصرية خالد سعيد ، وتقيم فى فندق يجاور منزله ، وكى تصل إلى الفندق عليك أن تعبر نفق تتصدره صورته ، وجئت خصيصا لمناقشة الرواية فى مكتبة الإسكندرية
أولا هذه أول مرة أزور الاسكندرية، وجدتها قريبة جدا من حلب، فى أجواء ثورتها وفى أجواء مطرها، هذا المطر الغزير الذى فاجأنى نقلنى إلى بلدى وتمنيت أن يكون هذا المطر مزيجا من ماء وحرية تهطل على بلادى لتنعم بالأمن والسلام
شرف لى أن أطبع و أناقش روايتى فى الاسكندرية، وفخر لخطى الروائى فالرواية الأولى أصدرتها فى سوريا، والثانية فى الاسكندرية وهذا عربون مودة لأدباء مصر الكبار الذين قرأنا لهم فى طفولتنا ، وتعلمنا من منهجهم الروائى
موقع الفندق كان مصادفة جميلة ، فلم يكن يهمنى سوى أن أقيم فى مكان أرى منه بحر الإسكندرية، فإذا بالقدر يمنحنى رؤية البحر ومكان اقامة شهيد الثورة خالد سعيد
كانت صدمة لى أن أجد أبواب مكتبة الإسكندرية مغلقة ولكنى سعدت عندما أعلن أدباء الإسكندرية الذين حضروا ندوتى عن استعدادهم لإقامة ندواتهم على كورنيش البحر لو فرض عليهم أحد سياسة التجهيل باغلاق المكتبة لأى سبب كان، فمكتبة الإسكندرية شعاع العلم والمعرفة لا يجوز أن تغلق أبوابها ، ولو كان هناك فساد إدارى فالتحقيق هو ما يجب أن يتم مع المسئولين ، لا أن تغلق أبوابها فى وجه طالبى العلم وزوارها من كل أنحاء العالم
تنتمى لحماة وولدت فى دير الزور وعشت فى حلب ألا تعتقد أن ذلك مصادفة قدرية لتمر على كل الأماكن التى تفجرت فيها الثورة السورية؟
أنا بالأصل من مدينة حماة ، لكن والدى انتقل إلى مدينة دير الزور فى الشرق السوري، بحكم عمله مديرا لدائرة السجل العقاري، وكانت طبيعة عمله تستوجب التنقل من محافظة إلى أخرى، فولدت فى دير الزور، وبقيت فيها حتى حصولى على الثانوية، ثم انتقلت إلى حلب لدراسة الحقوق وكل هذه الأماكن تعمدت بدماء شهداء الحرية فى سوريا
حماة مدينة منكوبة فى أكثر العهود، قدمت ثمنا باهظا لرأيها وشهداء كثر ودائما كانت فى صدام مع السلطة، حيث لم تكن ترضخ بسهولة، كانت دوما مدينة عنيدة، ولذلك أنجبت أخى علي فهو ولد فى حماة وربما ترك هذا أثرا فى كتاباتى ورسوماته وهكذا أقحمت أو وجدت نفسى فى السياسة وبمعنى أدق فى الأدب السياسى ، فالمرحلة الراهنة فرضت علينا هذا؛ أى أن نقف مع الناس الذين يطالبون كنشطاء بحقوق الآخرين ووضع أفضل لهم وكل هذا أثر فى كتاباتى وطرحى لأفكار رواياتى وكذلك مقالاتى السياسية
انتقلت إلى حلب ، كيف قابلتك المدينة الكبيرة؟
كانت نقلة روحية صعبة جدا، خرجت من مدينة صغيرة صغيرة تتهجى الحياة البسيطة، إلى مدينة كبيرة قطعت شوطا فى مسافات الدنيا أذكر يومها أننى حملت أوراقى الصغيرة مسجلا فوقها أحلامى الكبيرة، وتوجهت إلى صحيفة محلية تصدر داخل المدينة نفسها وتتكون من أربع صفحات فقط ، وطلبت العمل بها ولكن قبل أن يقرأ رئيس التحرير أيا من كتاباتي، رمقنى بنظرة غير مبالية قائلا لى عليك أن تعمل فى الأرشيف
لكننى لم أستسلم لقراره، فعرضت كتاباتى على محررين فى الصحيفة نفسها، فأخذوا بيدي، وبعد أشهر قليلة، أعجب رئيس التحرير بما قدمت له من تطوير وتصورات جديدة، وبوأنى مكانة جيدة، لكن الإدارة العامة وكان مقرها فى دمشق، لم توافق على منحى مكافأة مالية على جهدى واعتبرت بأننى أصلا معين على بند المكافأة وبالتالى فلا يجوز قانونا إعطائى مكافأة
فى هذه الأثناء التقيت بأدباء متميزين تركوا أثرهم الإبداعى فى طريقى ، ثم بدأ اسمى يلمع وأصبحت عدة جهات إعلامية تطلبنى للعمل لديها، بما فيها المركز الاذاعى والتلفزيونى فى حلب، ثم أخذ أدباء حلب بيدي، وبعضهم نبهنى إلى أن كتاباتى تستحق النشر فى صحف كبرى، فنشرت فعلا خارج سوريا، و سافرت الى الكويت، وبدأت الرحلة عبر صحيفة صوت الكويت الدولي ثم القبس ثم الأنباء ثم عدت لمدة عام إلى سوريا لاستلام منصب رئيس تحرير صحيفة الدومري ، وكانت هى المرة الأولى التى ألتقى بها مع شقيقى على فرزات لمدة عام كامل، فمنذ أن ولدت كان هو قد رحل إلى دمشق للسكن والعمل فيها، ولم نلتق إلا خلال الزيارات
كان عاما حافلا بالاكتشاف لشخصية على فرزات رسام الكاريكاتير العالمى والشقيق بآن واحد وجدت فيه انسجاما قويا بين سلوكه الشخصى ورسالته الابداعية والتى كنا نعبر عنها فى مجلة الدومري وكلمة الدومري تعنى باللهجة السورية القديمة الشخص الذى يضيء للناس المصابيح فى الشارع قبل اختراع المصابيح الكهربائية ولكن الصحيفة لم تستمر، بسبب صداماتها مع الحكومة بالدرجة الأولى، إلى جانب حدوث بعض المشاكل فى الداخل، فقررت العودة إلى الكويت قبل أعداد من توقف الصحيفة
كيف انعكس هذا الفضاء المكانى العبقرى ما بين إقامة ومولد وعمل على أعمالك الأدبية؟
دارت أحداث روايتى الأولى جمر النكايات فى مدينة دير الزور التى تشهد حراكا سياسا قويا، وهى من المدن الرافضة والمعارضة التى ترفض الانصياع لأحد بسهولة دير الزور معروفة بجبروت أهلها وشجاعتهم وأفكارهم، فهم بسطاء جدا، ولكن لديهم أفكار كبيرة جدا وأحلام عظيمة وهذا نحترمه فيهم
الرواية الثانية رأس الرجل الكبير تدور أحداثها فى حلب وهى عن الفساد والتزوير للتاريخ الذى يمارسه بعض مهربى الاثار وأيضا حلب مدينة ذات وعى كبير، وجدت فيها ملاذى الروحي، فعشقتها واستفدت من أدبائها الكثير، وعشت بينهم وأخذوا بيدي وكنت التقى فيها بأدباء من كل الجنسيات العربية وكلهم كانوا يعيشون فيها بحب
وكنا نلتقى فى مقهى القصر وكان بالنسبة لما شبه المركز الثقافي؛ بل أهم من المراكز الثقافية الرسمية فالمركز الثقافى الرسمى له اعتبارات رسمية يتقيد بها، أما مقهى القصر كان مركزا ثقافيا حرا لكل من يجلس فيه وفى الرواية تحدثت أيضا عن المناطق الشعبية فى حلب ، وعن حالة الوعى والحراك السياسى والصراع الذى يحدث بين الطبقات الشعبية االتواقة للحرية وبين برجوازية التجار الذين لا يعجبهم هذا ضمانا لتجارتهم ولو كانت على حساب الوطن وتاريخه
يحاول البعض تصوير ثورة سوريا بأنها خلافات طائفية وخاصة عند الحديث عن المسيحيين أو الطائفة العلوية
هذا لرغبتهم فى تفريغ الثورة من مضمونها أنا عشت فى كل الأماكن التى ذكرتها لك ومررت بأماكن هى خليط من كل المذاهب والطوائف بلا مشاكل ، ووالدى كان متدينا ولكن بغير تزمت أو تعصب، وكان لدينا وحدة وطنية نعيشها مع الجيران الذين كانوا مسيحيين ، وعشنا معهم طيلة عاما دون تمييز
هل تعلمين أن السبب الرئيسى لتركى دير الزور هو تعلقى بفتاة مسيحية استحوذت على قريحتى لسنوات طويلة فخرجت مكلوما مفضلا الابتعاد على أن أخنق هذه القصة الرائعة؟
ألم تتعرض لمضايقات نتيجة لموقفك الداعم للشعب السورى الذى خرج يطالب بحريته؟
تأتينى رسائل كثيرة حول مقالاتى السياسية، الكثير منها يدعم و يقف معى نفس الموقف وهناك بالطبع أصدقاء السلطات وخدمها الذين يتضايقون من هذه المقالات فيرسلون الانتقادات بأشكال مختلفة الحدة ولكنى أحاول استيعاب الجميع معتبرا أن لهم رأيا مخالفا يجب احترامه طالما التزموا آداب الحوار والنقد بلا تطاول قد يصل حد التهديد
أنا أحترم أى شخص له رأى ووجهة نظر، سواء معارض أو مؤيد إلى أن يبدأ خط الدم
فإذا ارتكبت السلطات مجازرا، فالوقوف معها هو مشاركة فى القتل ولم يعد هذا رأى آخر أو وجهة نظر أخرى بل أصبح هناك طرف قوى يقتل طرفا ضعيفا ، وهذا ليس رأيا ثقافيا أو فكريا
ولذلك لا أحترم الرأى الذى يقف مع القتلة، و ماعدا ذلك فكل فكرة فى حدود الورق هى قابلة للنقاش، ولكن ما إن تخرج من الورق إلى ساحات القتل فهذا ليس قابلا للنقاش
وأنت كعدنان فرزات الصحافى والروائى ، كيف تقيم دور المثقف من جانب ، والشارع السورى على الجانب الآخر؟ وأيهما يقود الآخر؟
لأول مرة يسبق الشارع المثقف، وهذا استشرفته فى روايتى الأولى جمر النكايات حين جعلت الشارع يقود المثقف فأول حراك سياسى لنصرة تلك المرأة التى تمثل ضمير المجتمع والتى رشحت نفسها للانتخابات بدأ من الطبقة الشعبية البسيطة جدا ولكنهم أصحاب الوعى اليقظ برغبتهم فى الخلاص وحياة كريمة ، ثم بعد ذلك تبعهم المثقفون ليسيروا خلفهم يكملون الحراك السياسى
هناك قسم كبير من المثقفين السوريين لهم مواقف جيدة رغم ما يعانون منه من مخاطر، ولكن للأسف هناك أراء أخرى لم نكن نتوقعها، أو على الأقل هناك صمت لم نكن نتوقعه
هؤلاء الاشخاص المثقفون والشعراء والكتاب والفنانين كانوا قبل الثورة يبيعون الحرية والديمقراطية على شكل تذاكر سينما ومسرح، ليتفرج عليهم المشاهد وهم ينادون بالحرية والديمقراطية وكرامة الانسان؛ أى إنهم اعترفوا فى أعمالهم الفنية بانعدام الحرية والديمقراطية والكرامة
وهؤلاء أقول لهم لماذا عندما حدث الحراك السياسى وقامت الثورة، لماذا انكفأتم وتراجعتم؟
لماذا عندما وجدتم أن الشارع صدق كلامكم ، وخرج ينادى بالحرية والكرامة هربتم ؟
إذن هم كانوا يبيعون الحرية والكرامة على شكل تذاكر مسرح وأعمال أدبية وعلى المنابر، حين كان يصعدون على المنابر يتحدثون عن الحرية والخلاص وعن الطغاة والقمع سواء بالرمز أو بدون رمز، ثم فجأة عندما صدقهم الناس وخرجوا إلى الشارع ، هرب هؤلاء المثقفون أو اختفوا منعزلين عما يجرى فى الوقت المفترض فيه أن يقوموا فيه بدور ما ولا أقصد بكلمة دور منصبا سياسيا، ولكن دور يؤدى بهذا الشعب إلى بر الأمان لتجاوز سلطة ظالمة تذيقهم صنوف العذاب ومن المفترض الآن أن يأتى دورهم، ولو فعلوا هذا سيكون تطبيقا لما كانوا يطرحونه ويطبلون به على المسارح والمراكز الثقافية والصحف والمؤتمرات
ولكننا لا نرى هؤلاء اليوم فهم باعوا الحرية فى أعمالهم وقبضوا ثمنها واكتفوا
وهكذا سبق الشارع المثقف بشكل كبير ، المثقف أصبح إما حالة لاحقة لعقل الشارع، أو حالة انهزامية لا يقوم بأى دور
هل من الممكن التماس الأعذار لبعض المثقفين الذين انحازوا للنظام كنوع من التقية خوفا على أسرهم من البطش؟
لا ألتمس أى عذر لمن اتخذ جانب الانحياز العلنى للنظام، وإن كنت قد ألتمس بعض العذر للمثقف الذى أخد دورا سلبيا بالانزواء خوفا من السلطة القمعية لحزب البعث الذى تحول من مؤسسسة كان من المفترض أن تكون مدنية ليتحول إلى مؤسسة أمنية قمعية ولكنى فى نفس الوقت لا أبرر هذا الصمت والتخاذل حين أجد أن هناك الكثير من المثقفين التزموا جانب الحرية والحق والكرامة رغما عن وجودهم تحت نفس الظروف
و الشارع الذى تحمل الكثير كان لابد له أن يشعر بتواجد المثقفين إلى جواره وهناك من تحدث وتكلم وتعرض للمحاكمة ، ولذلك أتمنى أن يكون لدينا سلطة قضائية مستقلة ويكون الرأى فيها لقضاء عادل يفصل بين الجميع وليس كما يحدث الآن فالنظام هو الحكم والقاضى والجلاد
هل حرية الرأى والتعبير تهديد للأنظمة؟
على العكس تماما ، ففى رأيى الشخصى الحرية تحمى الأنظمة ولا تؤذيها فلو لديك حرية كتابة وتعبير وإعلام لن يضطر الناس للخروج إلى الشارع للتعبير عن رأيهم، بل ستكون وسائل الاعلام هى الوسيط بين المواطن والأنظمة والقضاء العادل هو الحكم فى حالة التجاوز من الطرفين فى حالات التشهير أو التعدى على حقوق الآخر ولذلك الحرية تحمى الأنظمة، ولكن الذى يحدث هو العكس تماما ؛ و الأنظمة لا تدرك ذلك فتقوم بوأدها وتقضى على نفسها من حيث لا تدرى
هناك ملاحظة مهمة أريد قولها وهى أن الشعوب العربية هى من تصنع الطغاة، فى السابق كانوا يصنعون الآلهة من التمر وإذا جاعوا يأكلونها ، ولكن اليوم يحدث العكس يصنعون الآلهة والآلهة تأكلهم؛ الحكام ياكلون شعوبهم الآن
الشعوب رأت ما يحدث من تزوير انتخابات وما يحدث من تعديل الدساتير وتفصيلها وفقا لمقاسات أحدهم وهكذا يأتى البرلمان الذى لم ينتخبه الشعب، وبالتالى لا يستطيع محاسبة النواب فيه والذين جاءوا بالتعيين
وفى المقابل أيضا الأنظمة تفصل معارضة على مقاسها، معارضة تشكلها السلطة وتطرحها على أساس أنها معارضة كى تسكتمل الصورة المعلنة أمام العالم وطالما هناك فساد سياسى فى رأس الحكم وفى أطرافه توقعى كل شئ
تتابع ما يجرى فى مصر بالطبع ؟
طبعا وأريد أن أبارك لمصر اختياراتها وما وصلت إليه، ولا أخفى عليك جئت إلى مصر قبل الثورة ، والآن جئت بعد الثورة فشعرت برهبة شديدة وأنا أعاود رؤية هذا الشعب العظيم الذى عزل رئيسه، وقدمه للمحاكمة، وهذا أشعرنى بالرهبة كيف استطاع هؤلاء الذين يبدون بسطاء فعل هذا الشئ العظيم والمتحضر
وعلى الرغم مما يحدث على السطح من عدم استقرار ، فأنا متفائل ، وأى شخص يقول غير ذلك مخوفا ومحبطا غيره ، أعتبره من فزاعات السلطة التى تخوف بها الشعب، والتى تطرح نفسها لتخير الشعب بينها وبين الفوضى، قائلة إما أنا أو الفوضى والسلفيين والتطرف واتهامات العمالة
أى إنهم يضعون فزاعات وخيارات ليس لها وجود على أرض الواقع، ومصر ستنتصر على كل المصائب وعظائم الأمور
المسألة أطرحها ببساطة هكذا ، لو عائلة مكونة من أب وأم وأطفال، وحدث انفصال بين الزوجين فالعائلة تعيش حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار لبعض الوقت قبل أن تقف صلبه متوازنه مرة أخرى
فإذا كان الوضع هكذا بالنسبة لعائلة صغيرة، فكيف يكون الحال لشعب تعداده أكثر من مليون وهويتخلص من نظام بأكمله؟ هذا مثل الزلزال له توابع ولكن سيتبعه الاستقرار وكل شئ سيأخذ مساره الصحيح
فى ندوتك حضر الكثير من أدباء ومثقفى الإسكندرية والعرب الذين يعيشون فيها رغم المطر الذى لم ينقطع طيلة ثلاثة أيام متواصلة
أنا سعيد جدا لهذا الجو الحميمى ، واعتبر شعب مصر كاتب ساخر بالفطرة ولدى علاقات مع أدباء مصر منذ زمن وجاءت هذه العلاقة على صورتين أو مرحلتين المرحلة الأولى منذ الطفولة حيث كانت مكتبتنا عامرة بكتابات عظام مثل احسان عبد القدوس ، ومحمد عبد الحليم عبدالله، و مصطفى محمود، وحافظ ابراهيم وغيرهم كثير أى كانت علاقة من جانب واحد؛ طبعا جانبى فأنا أعرفهم وأقرأ لهم بشغف وهم لا يعرفونني
المرحلة الثانية وهى علاقة معرفة متبادلة جاءت عندما توليت بعض المناصب فى عدة صحف تواصلت مع أدباء ونقاد من مصر كانوا يرسلون لى موادا للنشر، وأحتفى بها كما يليق بمصر وكلما أقرأ مقالا أو قصة أو دراسة قادمة من مصر أشعر كأنها خرجت من مصر ودخلت سوريا قبل أن تصلنى فى الكويت
هل لديك مشروع عام أو اهتمام غالب على اهتماماتك؟
نعم فأنا لا أعمل بشكل اعتباطي، ولكنى صاحب مشروع يتركز حول الانسان المهمش، وأيضا أهتم بحوار الحضارات والذى من أجله سافرت للعديد من الدول وحضرت ندوات فكلنا نريد السلام ، ولكن تجار السلاح يريدون الحرب والمثقفون يطمحون إلى العيش بسلام والانتشار على المستوى الأدبى والوصول إلى العالمية عن طريق ترجمة أعمالهم للتعريف بهم

كانت طائرة عدنان فرزات تنتظره فى مطار برج العرب وعلى بعد ثلاث ساعات عليه فيها المرور على بيوت بعض الأصدقاء فى الأسكندرية التى تطهرت بالمطر ، ليحمل عنهم أشواقا وحقائبا لذويهم الذين ينتظرون بعضا من حنين سيكون عدنان فرزات أمينا عليه كما كان أمينا مع قلمه صادقا فى رأيه
 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ميادين الحرية2"
 

  » الروائى السورى عدنان فرزات : الشارع يسبق المثقف لأول مرة
  » زين عبد الهادى: اتحاد الثقافة برغيف العيش هو الحل .
  » فى افتتـاح مؤتمر أدبـاء مصـر.. سقوط نص الاستبداد بداية لعـودة الأمجــاد
  » عام من الثورات
  » أهم عشر خرافات حول الربيع العربى فى 2011
  » الربيع العربى عام من الثورة
  » مـصــر مـن؟
  » الربيع العربى والغرب.. سبعة دروس من التاريخ
  » هل يخذل الربيع العربى شعوبه؟
  » المقدمات الإبداعية لثورة 25 يناير فى الشعر

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 10 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية