عقوق

عقوق

اخر تحديث في 1/1/0001 12:00:00 AM

الصفحة ارشيفية لمجلة الثقافة الجديدة


هناء جوده


مُذ غاب الضوء عن روحى أعانى الاختناق، مذ غاب الدفء عن عمرى أعانى الارتعاش المتوحش ينهش كل مشاعرى، ويملأ كونى بالتوحد والتبلد.
أفقدنى الغياب شهية الطعام ورائحة الحياة، كما أفقدنى روعة المظهر وأدنى اهتمام بالأناقة أو الجمال.
تمر الأيام كسلحفاة عجوز مريضة لا تقوى على الحركة؛ أشتاق فيها لحكاياتك الرائعات ووصاياك، أشتاق فيها ضوء القمر المطل من عينيك، أشتاق لضمة صدرك وحنوك وبكائى فوق كتفيكِ، أشتاق صوتك يهدهدنى ويطبب كل جروح الكون فىَّ، مازال الكون يرتدى الحداد وما زلت أعانى الفقد بفقد جديد؛ تقوس ظهرى بحمل ثقيل: يتم، ترمل، وألم. 
أعصر عمرى فى كأس رقراق لأروى به وردتى الجميلة، تلك الذكرى التى تركها لى الحبيب الراحل عنى فى أوج الاحتياج، أسهر على راحتها، ألبى كل احتياجاتها ودونها نفسى وما تطلب، أصل الليل بالنهار لأجلها، أحاول أن أرسمها بسمة على شفتى، وأغرسها زهرة فى بيداء حياتى، ابتسامتى تعود ندية شيئًا فشيئًا حين أراها تكبر أمامى.
تتعالى أصوات التلاميذ فى الفصل، أراهم أشباحًا تتحرك، فتيات فريق الإذاعة المدرسية يطلبن الإذن لمراجعة فقرات حفلة عيد الأم معهن.
يغزونى إحساس بالفقد من جديد، تعشش داخلى طيور الوحشة، أحس بخوفٍ لا أعرف له سببًا، أنظر داخلى فإذا خواء مُرعب ورياح الغربة تصفر بالعمق، تغنى الفتيات (انتى يا ماما مـلاك م الجنة.. تحت جناحك أعيــش واتهنا) تتناغم أصوات الكورس مع حركاتهن المتناسقة، ترسل الشمس أشعتها تراقص نفس اللحن لتدفىْ روحى، وتنعشها بعض الشىء.
تسألنى إحدى التلميذات عن علاقة الربيع وعيد الأم، أمد بصرى فى المدى، أسترسل فى حكايا ربيعى الدافئة وفراشات ابتسامتها الهادئة، عن تلك النخلة الباسقة، المثمرة دومًا، عن ظلها فى حر الكون، وحضنها فى لحظات الخوف والألم، هكذا كانت أمى ربيعى الدائم. 
جرس الحصة يقطع تدفق الذكرى والحديث، تمد لى يدها بوردة حمراء بعد انصراف زميلاتها، تهمس:
- هل تسمحين أن أناديكِ ماما؟ وأقدم لك هدية فى عيد الأم؟
أضمها إلى حضنى، يمتلأ خواء روحى، تنسحب فى خجل للانصراف، تتركنى معلقة بين الذكرى وجرح باهت الألوان فى القلب.
فى طريق العوده ينوء بى حملى من الأكياس المليئة بصنوف الخضروات والفاكهة، مجهدة أصل لشقتى وقد بلغ بى الوجع مداه.
ابنتى فى غرفتها، أدركت ذلك من صوت لحن أجنبى صاخب ينبعث من هناك، تميد بى الأرض؛ أناديها لتدركنى قبل أن يرتطم جسدى المنهك بالأرض.
يأمر الطبيب بالراحة عدة أيام، نظام غذائى منتظم، وينصح بالالتزام بمواعيد الأدوية.
ابنتى تتزين لحضور عيد ميلاد صديقتها، لا تلقى بالا لما أنا فيه، تطالبنى بمال لشراء هدية، أرفض؛ تتركنى بين أنات الوجع ولفحة الغضب، متأففة تخرج يتواتر منها سباب الأيام ولعنات لم أتبين صيدها الذى أطلقتها عليه، أناديها.
بلا مبالاة ترفع صوت الكاسيت بالموسيقى الصاخبة؛ أصرخ، أتألم.. تتراقص وهى تغلق باب غرفتها دونى.

 


مجلة الثقافة الجديدة

راسل المحرر @