الصفحة الرئيسية خريطة الموقع اتصل بنا اجعلنا صفحتك الرئيسية
عن المجلة العدد الحالي أرشيف المجلة مواقع الهيئة البحث
العدد 285 - يونيو 2014 - رئيس مجلس الإدارة: سعد عبد الرحمن - أمين عام النشر: محمد أبو المجد - رئيس التحرير: سمير درويش
أبواب العدد
 
 
أدب البيست سيلر بين الحقائق والأكاذيب
 

مكاوى سعيد

قبيل ثورة 25 يناير بعام أو أكثر قليلاً، كنت أمر بمنطقة من مناطق القاهرة التى تعتبر من مناطقها المميزة ذات البعد الحضارى الكبير فى تاريخ العاصمة، واقتربت من إحدى المكتبات الحديثة التى انتشرت فى ذلك الوقت والتى تمزج ما بين فكرة المقهى أو الكافتريا ومنفذ بيع الكتب، كانت هناك لافتة معلقة على الباب الزجاجى للمكتبة بخطوط كبيرة ولافتة ويتصدرها عنوان "الكتب الأكثر مبيعًا فى شهر"، وهى ترصد أهم عشرة عناوين مباعة من الكتب العربية والأجنبية من واقع حركة البيع، دخلت المكتبة وصادف أنهم عرفونى وعرفتهم، وامتد حبل الدردشة بيننا، ثم سألتهم عن عدد الكتب المبيعة من الكتاب الذى فى المرتبة الأولى من القائمة، داست الفتاة المكلفة برصد حركة البيع والشراء على الماوس، وفاجأتنى بأن العدد الذى تم بيعه من ذلك الكتاب فى ذلك الشهر هو خمسة عشر نسخة، ولما أبديت تعجبى قالت إن فى بعض الأحيان قد تكون عدد النسخ المبيعة من الكتاب الذى يتصدر القائمة مائة نسخة أو أقل قليلاً، وأحيانًا أخرى تكون الكتب المبيعة لا تتجاوز العشر نسخ، ما دلالة هذا الأمر فى اعتقادك أيها القارئ، إننا لو عممنا هذه الملاحظة على سائر المكتبات سنهدم فكرة الأكثر مبيعًا من أساسها، فبكل سهولة يستطيع كاتب ما متواضع فنيًا لكنه مقتدر ماليًا، شراء أكبر كمية من نسخ كتابه فيتصدر قائمة المبيعات، دون أن يكون لذلك مردود على حركة القراءة سلبًا أو إيجابًا.

أضف إلى ذلك أن دور النشر الكبرى التى تمتلك مكتبات كثيرة ومنافذ توزيع تغطى أغلب محافظات مصر، من الطبيعى أن تخدم على كتابها وتضعهم فى قوائم الأكثر مبيعًا، حتى لو كانت المبيعات من كتبهم ضعيفة جدًا، لأن هناك حسابات أخرى تتعامل بها هذه الدور، ومنها درجة تألق الكاتب سياسيًا واجتماعيًا، ومقدار ما يملكه من منافذ رأى أو برامج يستطيع التأثير بها على صناع القرار، هذا بخلاف العلاقات الشخصية، ومدى قوة العائلات التى تساند كتابهم المصنوعين، ناهيك عن امتلاك بعض هذه الدور لصحف ومجلات أو قنوات تليفزيونية تستضيف هؤلاء الكتاب أو تدفع النقاد إلى متابعة أعمالهم والترويج لها ولا تكف عن متابعتهم والتعامل معهم كمصادر فى شتى الأمور.

ومنذ بدأ اعتبار التسجيل فى قائمة الأكثر مبيعًا، بمثابة إعلان تسجيلى غير مدفوع الأجر، عن الكتب المراد الترويج لها، وعن الكاتب الذى يريدون التضخيم من شأنه، منذ تلك اللحظة نشأ الهوس بفكرة الأكثر مبيعًا، أو وضع ما يشير على أغلفة الكتب إلى أن الكتاب تتوالى طبعاته، وبدأت بعض دور النشر الصغيرة تكتفى فى الطبعة الأولى من كل كتاب تنشره، بعدد لا يتجاوز المائتى نسخة، وأحيانًا مائة، من أجل الإسراع بإشاعة رواج الكتاب، وبتنا نسمع عن كتاب يكتبون لأول مرة، تنفد كتبهم بعد أسبوع من نزولها إلى السوق، كما يدعون بذلك وتتوالى طبعاتهم، وتبحث عن هذا الكتاب المنشود فلا تجد له أثرًا، وتعمقت مسألة "الأكثر مبيعًا" وباتت مهمة عند بعض القراء، مما دفع ببعض الكتاب إلى عمل نسخ مزورة من أعمالهم، كانوا يبيعونها بأثمان بخسة للتجار التى تتعامل فى هذه النوعية، لمجرد الادعاء بأن كتبهم زورت من كثرة اهتمام القراء بشرائها. والأسباب التى أدت إلى تردى تلك الظاهرة فى رأيى هى.. أولاً يجب الاعتراف بوجودها فى الغرب وفى كافة الدول المتقدمة، وأن فكرة الأكثر مبيعًا عندهم تساهم فى الترويج الحقيقى للكتب والمؤلفين، وأنها تسجل بدقة متناهية حركة البيع الرسمى القانونى الذى تتم عليه المحاسبة الضريبية ودفع حقوق الملكية الفكرية بالعدل والقسطاط، فى الغرب يا سادة تصدر كل طبعة من أى كتاب ومذكور بها عدد النسخ التى تم طبعها والتى بناء عليها تم أخذ رقم الإيداع الدولى، وهذه البيانات الموثقة هى التى يتم المحاسبة على أساسها، والذى يتم ضبطه يطبع أو يروج نسخًا مزيفة، يسجن ويغرم ويخرج بره هذا السوق نهائيًا، ثم نأتى للجزء الأهم من تلك المنظومة.. الغرب لا يتعامل بقائمة Best Seller واحدة لكل نوعيات الكتب(أدبية رصية ، مغامرات بوليسية، أدب الرعب، أدب الجاسوسية، أدب الإيروتيكا... إلخ).. لا يمكن أن يعلو كتاب أو رواية تشويقية عادية على رواية أدبية رصينة، لأن الرواية التشويقية ستصرف فى مجرى معين، والرواية الأدبية لها مجرى آخر ، لكن عندنا الحال مختلف تمامًا.. عندنا ماسورة الصرف الصحى تجاور ماسورة مياه الشرب وتلاصقها، ثم يحدث أن يختلطا، وتجد نفسك وأنت بصدد إخراج مياه الشرب النظيفة أخرجت بدلاً منها مياه صرف صحى.

ويجب ألا يفهم من كلامى أنى أرفع شأن نوعية من الكتب وأخفض من شأن نوع آخر، بالعكس أنا أرى أن الكتب والروايات من تلك النوعية خصوصًا التى تعالج موضوعات الجريمة والجاسوسية والحركة والسحر وخلافه، من مميزاتها أنها مكتوبة بأساليب بسيطة، وبلا تعقيدات جمالية، ومشوقة يلتهمها القارئ فى ساعات قليلة ويخرج منها راضيًا، ويهتم بها الناشئة لأنها تزيد من وعيهم وتدفعهم للقراءة، وبذلك نكسب قراءً جدد قد يهتمون فيما بعد بالكتب الأدبية التى نطلق عليها الرصينة، ما أحاول أن أقوله أنه يجب عمل أكثر من قائمة للأكثر مبيعًا بناء على النوعية، حتى لا نظلم نوعًا على حساب آخر، وأن يكون المعيار هو معيار البيع الحقيقى، مع ذكر الأرقام بدقة متناهية حتى لا نخدع القراء ونوهمهم بأن كتاب ما يجد رواجًا بين القراء دون أن يكون ذلك حقيقيًا.

وحتى لا ننسى سأذكر لكم بعض الكتاب الذين كانوا يبيعون مئات الآلاف من كتبهم فى عهود سابقة، فى وجود عمالقة كطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويحيى حقى ويوسف إدريس، ولم تجعلهم الكميات الهائلة المباعة من كتبهم فى نصف قامة أحدٍ من هؤلاء الذين ذكرناهم...

الأستاذ خليل حنا تادرس وله أكثر من 120 كتابًا فى الروايات العاطفية والترجمات والصحة الجنسية، بخلاف المؤلفات السياسية، وقد بدأ النشر فى الخمسينيات من القرن الماضى، وما زال ينشر حتى هذه اللحظة، ومن أشهر أعماله "شيطان الحب.. لوليتا.. أشرف مومس.. نشوى والحب.." وقد تم إعادة طبع أعماله أكثر من مرة وصولاً إلى حوالى 25 طبعة، وبيعت كميات هائلة من كتبه، وفى عام 1984 أقيمت دعوى قضائية ضده، صاحبتها حملة شعواء متهمة إياه بالجرأة، لكن الدعوى رفضت والحملة فشلت، لأن جميع مؤلفاته حاصلة على موافقة الجهات الرقابية داخليًا وخارجيًا فى مصر ولبنان.

الروائى إسماعيل ولى الدين الذى بمجرد صدور روايته "حمام الملاطيلى" فى عام 1969 تلقفتها السينما وأنتجتها فى فيلم جرىء بنفس اسم الرواية من إخراج صلاح أبوسيف، ودوى اسم الروائى إسماعيل ولى الدين كالطبل وصارت أعماله ملهمة للسينما التجارية وجاذبة لجمهور العوام، وكانت فى بعض الأحيان يسبق ظهورها على الشاشة وجودها ككتاب مطبوع، وقد تم إنتاج أكثر من 20 فيلمًا عن قصص لإسماعيل ولى الدين تم كتابتها مباشرة للسينما، أو عبر وسيط مطبوع على حد سواء، ومن أشهر هذه الأعمال السينمائية والروائية التى قام بالتمثيل فيها كبار النجوم وصواريخ الإغراء (حمام الملاطيلىالباطنية- أسوار المدابغبيت القاضى- الأقمر- السلخانة- درب الهوى- العايقة والدريسةمنزل العائلة المسمومة- أبناء وقتلةحارة برجواندرب الرهبةرجل له ماضى)

 ومن الممكن اعتبار فترتى السبعينات والثمانينات هى العصر الذهبى للمؤلف إسماعيل ولى الدين، الذى علا صيته فى ذلك الوقت عن نجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم من أدبائنا المرموقين.. هل يستطيع أحد أن يخبرنى أين الأعمال الخاصة بإسماعيل ولى الدين الآن؟ والتى كانت تباع فور صدورها ولا يتبقَ من طبعاتها نسخة واحدة؟؟.. لم يبقَ من أعماله إلا ما احتوته ذاكرة السينما من أفلام أغلبها محجوب عرضه الآن لجرؤته الشديدة.

نصل إلى نموذج ثالث كان شهيرًا جدًا فى نهايات السبعينيات وهو أديب الشباب محمود عبد الرازق عفيفى، الذى لقب نفسه بأديب الشباب والذى كان يعلن عن نفسه بجهوده الخاصة، عن طريق كتابة عبارات صادمة وأحيانًا مبتذلة على جدران مدينة القاهرة، وكان ينتقى منصات جاذبة لنشر إعلاناته منها الجدران المحيطة بمترو مصر الجديدة، وبلافتات من القماش، كان يتابع المباريات الرياضية المهمة التى يشاهدها الملايين، ويحرص فيها على سرقة الكاميرا من أحداث المباريات، بخفة دم العبارات التى يكتبها فى لافتاته والخادشة للحياء فى بعض الأوقات.. وأديب الشباب صدر له أكثر من أربعة عشر كتابًا، كان ينفد بمجرد صدوره، واغتنى كثير من بائعة الصحف من إنتاج محمود عبد الرازق عفيفى، وكان القراء يحجزون كتبه بمجرد قراءة الإعلان الذى يشوه جدران المدينة، والذى يحسب له فيه إنه كان خفيف الدم جدًا وصادم. كما كان القارئ يدرك شجاعة أديب الشباب، ويتابع مغامراته الكبرى ومجهوده الضخم فى نشر إعلاناته بكل مكان متاح، كما يمكن اعتباره رائد من رواد فن الجرافيتى الذى اشتهر بعد ثورة 25 يناير، ومن نماذج إعلاناته (محظور على بنات مصر الجديدة والمعادى قراءة مؤلفاتى.. كيف ترضى يا سيادة الرئيس فى عهدك أن يصادر كتاب وأن يقصف قلم.. ترقبوا أحدث مؤلفاتى" أحكام علائق التزاوج" ..الأسرار الخفية فى قصة حبى للفنانة منى عبدالغنى) كما علق مرة إعلانًا كله سباب على الحائط المواجه للجامعة الأمريكية بالقاهرة يقول فيه (كل بنات الجامعة الأمريكية(...) و (...) ويجب أن يقرءوا كتبى) وتحسب له الجرأة الشديدة أيضًا فى حرصه على كتابة رقم هاتفه وأحيانًا عنوانه تحت كل تعليق، غير مهتم بالمسئولية الجنائية أو مطاردة رؤساء الأحياء له بتهمة تلويث الجدران.

وقد اختفى محمود عبد الرازق عفيفى فجأة وقيل إنه توفى، وكان آخر إعلان جدارى له بعد الفضيحة الشهيرة للرئيس الأمريكى كلينتون مع المدربة مونيكا.. كتب محمود عبدالرازق عفيفى:(كلينتون برىء والبقعة التى على فستان مونيكا تخصنى)..

من الناحية الفنية أقول وقد قرأت أعماله كاملة إنها تتميز بخفة دم شديدة، وتقترب من الهزل فى كثير من مواضعها، خذ هذا المثل الذى ذكره فى أحد كتبه، وهو يفترض أن مذيعة تليفزيونية لامعة أجرت معه مقابلة ليحدثها عن أعماله.. بعد أن وصف روعة استقباله من كل المسئولين على باب التليفزيون والسجادة الحمراء التى فرشت له، وبعد أن ألقى بآراء خزعبلية فى المقابلة المفترضة، فى نهاية الحوار سألته المذيعة: كيف تقضى وقت فراغك؟ ثار أديب الشباب فى وجهها وقال إن مثله ليس لديه دقيقة واحدة يضيعها فى فوارغ الأمور، ثم تدارك شيئًا وعاد إلى الحديث مع المذيعة الواجمة من أثر تأنيبه وقال: لو فرض أنه زهق من العمل وأراد أن يستريح فإنه يذهب إلى المطبخ ويوقد وابور الجاز بأعلى درجاته حتى يصبح المطبخ حارًا جدًا، فتخرج الصراصير من مخابئها ويبدأ فى مطاردتها بمنشة الذباب.

عليه رحمة الله كان مشروع كاتب ساخر متميز لو أخلص لهذا المشروع، وقد مات وترك 14 كتابًا قد لا يتذكر معظمنا عنوانًا واحدًا منهم، رغم أنه فى فترة توهجه كان مثار حسد أغلب الكتاب، وأتذكر أن كاتبًا صار من كبار الكتاب الآن، استفزته إعلانات أديب الشباب الذى يتحدث الجميع عنها، فذهب إلى سوق باب اللوق واشترى مجموعته من قوالح الفحم، وظل يدور على كل لافتاته المنتشرة بميدان التحرير، ويكتب وراء اسم محمود عبد الرازق عفيفى سبابًا فاحشًا له، وها نحن الآن وقد اختفى أديب الشباب أو كاد، بينما يتألق ويتوهج كاتبنا هذا الآن.

فى ختام مقالتى لا أريد التقليل من أهمية بعض روايات أدبائنا الكبار التى تبيع فعلاً بنسب جيدة، خاصة أن هذا القبول الجماهيرى غاية منشودة من كل الكتاب، أنا أدعو فقط إلى مراجعة القوائم والإحصائيات المغلوطة التى لا تهتم برصد الظواهر وتضعها فى مكانها الصحيح، وتهمل نوعًا من الأدب الرصين المستقر، الذى يحمل مقومات صموده عبر الزمن بخلاف أدب الظاهرة الذى كما انقشع بلا سبب منطقى يختفى بلا أثر.

 

• موضوعات مرتبطة بذات الباب "ملف العدد: ظاهرة الأكثر مبيعا"
 

  » الأدب الساخر بين الظاهرة الاجتماعية والجنس الفنى
  » المنع يضع أعمالاً تافهة فى خانة "الأكثر مبيعًا"!!
  » اتجاهات القراء فى زمن "البيست سيلر"
  » القارئ المصرى.. يعانى من مراهقة ثقافية
  » أين تقرير الـDNA للروايات الأكثر مبيعًا في مصر
  » أدب البيست سيلر بين الحقائق والأكاذيب
  » أدب الطلائع.. قراءة فى الحقائق والأرقام

[ عدد الموضوعات المرتبطة بذات الموضوع : 7 ]

 
الصفحة الرئيسية :: أرشيف المجلة :: خريطة الموقع :: أتصل بنا
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مجلة الثقافة الجديدة
ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مجلة الثقافة الجديدة
تم تصميم وتطوير الموقع بمركز التصميم الجرافيكي
الهيئة العامة لقصور الثقافة - وزراة الثقافة المصرية