احذروا .. «القضية 23»

احذروا .. «القضية 23»

العدد 545 صدر بتاريخ 1فبراير2018

اسمحوا لي أن أحدثكم هنا في “مسرحنا” عن فيلم سينمائي، لا باعتباره فيلما، ولكن باعتباره طارحا لقضية أظنها هي الأخطر الآن، وباعتباره ناقوس خطر ربما لا يريد أن يسمعه البعض.
والفيلم هو “القضية 23”، أخرجه مخرج لبناني اسمه زياد دويري، يتناول فيه وضع الفلسطينيين في لبنان من خلال خلاف بسيط يتطور إلى أن يصل إلى قاعة المحكمة، ومنها إلى الرأي العام، ومنها إلى الأحزاب السياسية، ومنها إلى رئاسة الجمهورية.. وخلال الأحداث التي تبدو بسيطة يعيد الفيلم مناقشة وجود الفلسطينيين في لبنان، ويحملهم مسئولية المجزرة التي حدثت لهم على يد الصهاينة بمباركة وتخطيط ومشاركة حزب الكتائب.
لكن ليست تلك أيضا هي القضية، فالمخرج من حقه أن يتبنى أي وجهة نظر، ومن حقه أن يزور في التاريخ والحقائق، وفي المقابل من حقنا أن نهاجم وجهة نظره ونفندها، بل ونصنع أفلاما توضح ما حاول أن يدلس عليه.
لكن القضية تكمن في أن هذا مخرج، لم يكتفِ بتبنى وجهة النظر (الإسرائيلية) من خلال عمل إبداعي يمكن الرد عليه بعمل إبداعي آخر، لكنه سبق له وأن قام بالسفر إلى (إسرائيل) ليصور فيلمه الأسبق “الصدمة” مستعينا بممثلة (إسرائيلية) متجاوزا القرار الشعبي العربي بمناهضة التطبيع، بل وخارقا للقانون اللبناني الذي يجرم التعامل مع الصهاينة، وقد سبق وأن رفعت ضده قضية وتم توقيفه في مطار لبنان.
لم يرتدع المخرج، بل قام بعمل فيلمه التالي “القضية 23” بمشاركة إنتاجية مع واحد من أشهر الداعمين للصهيونية والحاصل على ما يدعونها جائزة السلام من (إسرائيل)!!
وإذا ما وضعنا الأحداث بجوار بعضها يعضا بدءا من فيلمه “الصدمة” إلى فيلمه “القضية 23”، ثم حصول الأخير على أفضل فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار، سنعرف على الفور أي هدف يستهدفه هذا المخرج، وأي طريق يسلك لتحقيق هدفه.
لكن أيضا ليست تلك هي المشكلة، المشكلة التي تهمنا هي أن دار عرض مصرية خاصة تدعى (زاوية) أصرت على استضافة الفيلم وعرضه عرضا عاما، متحدية القرار الشعبي بمناهضة التطبيع. وهو ما جعلني مع آخرين ندعو إلى مقاطعة الفيلم ومقاطعة دار العرض ومالكيها. وفوجئنا بأن البعض من مثقفينا يشنون حربا على أصحاب هذه الدعوة، متهمين إيانا بأننا (نحجر على الإبداع) وبأننا (ضد حرية التعبير) وضد (حرية الاختيار) و.. و..!!
هنا برأيي تكمن المشكلة الأهم والأخطر، مشكلة (الميوعة) التي بدأت للأسف تنتشر بين بعض مثقفينا فيما يخص التطبيع مع الكيان الصهيوني. مشكلة التناقض في المواقف الذي يثير العجب، إذ بينما انتفض هؤلاء مع المنتفضين ضد قرار الإدارة الأمريكية بنقل السفارة الصهيونية إلى القدس، ودعوا مع الداعين إلى مقاطعة المنتجات (الأمريكية) ردا على القرار الأمريكي الوقح، نجدهم يبررون لاستضافة فيلم ليس فقط يحمل وجهة نظر صهيونية، لكن مخرجه مطبع إلى درجة التعامل المباشر مع الصهاينة بالسفر والاحتفاء وإشراك ممثلين صهاينة، وأيضا ممول من شركة يملكها صهيوني.
هنا تكمن المشكلة التي أظن أنها يجب أن تعيد قضية مناهضة التطبيع إلى بؤرة الحدث مرة أخرى، وتدعو كل شريف على هذه الأرض أن يعتبرها قضية حياته، خاصة إذا ما تذكرنا أن بعضا ممن ينتمون إلى عالم الثقافة يسعى سعيا حثيثا نحو تسفيه فكرة المقاومة، وتشويه رموز المقاومة على مدار التاريخ العربي، والمصري خاصة. ولعلنا لم ننسَ بعد أولئك الذين ادعوا على صلاح الدين الأيوبي أنه (أحقر شخصية في التاريخ) وأن (القدس لم تكن يوما مقدسة) وأن أحمد عرابي (كاذب) وأن عصابات الهاجانة الصهيونية لم يكن هدفها إلا تحرير فلسطين من الاحتلال الإنجليزي، و.. و..!!!
فالأمر خطير، وإن ترك لهؤلاء الساحة سنسمع من يدعو إلى ضرورة زيارة وفود فنية للأرض المحتلة لمشاركة (المعتدلين) من الصهاينة في صنع أعمال إبداعية تدعو للسلام.. فاحذروا.. إن البعض يمهد الأرض للغزاة.. احذرووووووا.


محمد الروبي