مش دمية إبسن الدراماتورج صانع الحكاية الجديدة

مش دمية إبسن الدراماتورج صانع الحكاية الجديدة

العدد 545 صدر بتاريخ 1فبراير2018


حينما دعاني الصديق العزيز باسم عادل كي أشاهد العرض المسرحي «مش دمية إبسن» كنت مشفقا عليه وعلى زملائه أحمد الحناوي ومحمد فتحي من قسوة الموقف، فالعرض كان ضمن مشاريع الدراسات العليا بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهذا النص يعد أحد النصوص التي تدرس بعناية فائقة ضمن مناهج الدراما والإخراج بالمعهد والأساتذة هناك يعرفونه عن ظهر قلب بل ويعتبرونه إحدى علامات الكتابة الدرامية الحديثة، ومن هنا كان الإشفاق، فمعرفتي السابقة بلجان الامتحان وطرق إدارة النقاش بعد العرض التطبيقي، جعلتني قلقا أكثر فمن يستطيع تغيير الأساليب القديمة؟ ومن يمكنه إقناع أعضاء اللجنة بإمكانية التعامل المختلف مع نص كلاسيكي وفق قراءة حداثية قد تنفي التكوين وتصيغ الأحداث بمنطق المسرح التفاعلي؟ ولكن وللحق ما طمأنني وجود أساتذة تتلمذت على أيديهم وأثق في ذائقتهم الجمالية المتطورة ضمن لجنة المناقشة، وتأكدت تماما أن وجودهم مؤكد سيدعم أي فكرة مستنيرة طالما كان صاحبها مستوعب ما هو قديم وكيف يمكن التعامل الجديد معه، وظني أن الثلاثة المشار إليهم ممن نثق في قدراتهم ووعيهم بفنون المسرح الحديث وآليات التعامل معه، كما أنه من غير الممكن أن يدخلوا تلك المغامرة دون أن يكونوا على مستوى التحدي، ويعرفون تماما أين يقفون.
بداية، لم يكن العرض كما يشير العنوان معارضة لموضوع إبسن «بيت الدمية» كما أنه لم يقدم النص القديم الذي يعرفه كل دارس لفن المسرح كما هو، وإنما جاء ليضع قضايا النص الأصلي كمحور للنقاش والجدل الاجتماعي والفني الآن وهنا، بل ويتيح فكرة النقاش والجدل ويجعل منها محورا مهما في حد ذاته يمكن للعرض أن يتكئ عليه، ومن ثم لم تعد القضايا التي تتمحور حول حرية المرأة أو تلك التي تدور حول نورا التي صفعت الباب بعد خروجها من بيت هيلمر بعد نقاش طويل مطلبا وحيدا لصناع العرض كونها أسئلة لم تجب عنها كثير من المجتمعات، وإنما انفتح النقاش بشكل أكبر وأوسع لتناول الموضوع من الجهة (الدينية والقانونية والاجتماعية) وبدت فعلة نورا في العرض كجثة داخل معمل التشريح يمكن لنا تأمل موقفها ومواقف زوجها وصديقتها، كما يمكننا أن نتأمل معهم ضرورات العرض المسرحي وكيفيات بناء هواجسه وأحلامه، فقد اعتد دراماتورج العرض (باسم عادل) بطريقة درامية تعطل تسلسل الأحداث وتضعنا مع كل موقف أمام مجموعة من الأسئلة التي يمكن توريط الجمهور فيها، ففي كل موقف يمكن الدخول إليه يتم تعطيل تطور الحدث، ويبدأ صناع العرض في طرح الأسئلة التي تتعلق بالحدث.
في ذلك النسيج المقلق توارت إلى حد كبير أبنية هنريك إبسن ذلك البناء العظيم ولم تعد مهمة، فالمعلومات التي تؤكد كونه أبا الدراما الحديثة لم تعد ذات جدوى في السياق الجديد كما أن الواقعية الرمزية التي امتاز بها لم تعد لها وجود، وأيضا لم تعد هناك أهمية كبيرة لطريقته الرائعة في إدارة الموقف الدرامي كأن يضعك أمام حدث سهل وبناء بسيط ثم يأخذك بكل قوة نحو ماضي الحدث الدرامي ليريك كيف أن مشكلة ما في الماضي يمكنها أن تحطم مستقبل الشخصيات التي أمامك، وبالمرة تم محو شخصية (كروجشتالد) موظف البنك الذي اكتشف تزوير نورا واحتفظ بدليل إدانتها.
ما يميز النص الأصلي من تحليل رجعي للموقف الدرامي أهمل تماما في العرض الذي شاهدناه ليرتكز العمل في مشكلة المجتمع؛ كيف يعامل فتاة استدانت كي تنقذ مستقبل أسرتها؟ وبما أن مجتمعنا مليء بتلك النماذج، فإن أسئلة العرض تمحورت حول كيف يراها المجتمع؟ وكيف يراها القانون؟ وهل سيعاملها رجل الدين كسيدة شريفة أرادت أن تنقذ بيتها من الانهيار أم ستقابل بقوانين التزوير ومخالفة طاعة الزوج؟ وكذا أفكار.
الحقيقة، إن العرض بالطريقة التي أدير بها الموقف الدرامي، نجح تماما في توصيل المعنى للمتلقي كما أن طريقة (باسم عادل) في اختيار مواقف تعطيل الحدث، كانت نيرة بل ويمكن تطويرها بنفس المنهجية كي نستطيع في النهاية أن نزكي النص كمؤلف بالكامل لباسم الجريء، ساعده في ذلك بالطبع طريقة (أحمد الحناوي) في تمرير طرق التعامل مع الممثل ضع الأسئلة المحيرة التي يمكنها أن تضيعك في شباكها، ولو أنني غير مقتنع تماما بأن يقام العرض فوق خشبة المسرح بالمعنى الذي تجمع فيه الخشبة بين المؤدي والمتلقي على اعتبار أننا بصدد حدث درامي معملي، وظني أن ما قدم لنا كان يمكن له ببساطة أن يقدم من خلال نموذج العلبة الإيطالي دون أن ينقص شيء من أهمية التقديم وطريقة تطوير الحدث. وعلى جانب آخر، بدت أفكار مهندس الديكور (محمد فتحي) طيعة مع أي متغير على الحدث الدرامي، وكأنه أراد أن يهمش وجهة نظر السينوغراف ويجعل دوره تابعا للفكرة التي يمكن تناول العرض من خلالها، فإن كان التناول كلاسيكيا سوف يبدأ الحدث بالإطار القديم ولو تحولت طريقة التقديم لطريقة ما بعد درامية سوف يعطيك تصورا تجريديا تختلط فيه الألوان والمعاني، وعليك أن تختار من الشكل ما يرضي فهمك للموقف، ومن ثم فإنه هنا يبدو لي وكأنه كان محتارا: كيف يمكن التوافق مع أفكار قلقة إلى ذلك الحد؟ وكيف يمكن صناعة شكل يمكن أن يوافق تعطيل الحدث واستشارة الجمهور؟ ثم حينما يصعد المتلقي على خشبة المسرح ليكون جزءا من صناعة الحدث، ورأيه ذا أهمية قصوى للتطوير ورد الفعل الدرامي والمجتمعي، فما هو الشكل المناسب في هذه الحالة؟ وهل لو تم وضع تصور جمالي يناسب أو يناصر نورا ويقف في صف تصرفها، سيفيد ذلك بناء الحدث والأسئلة المتبدلة؟ حقيقة بدت السينوغرافيا التي صممها (محمد فتحي) حائرة ولم تجب عن كثير من دنيا العرض المسرحي، وكأنه كان يفكر في لاجدواها، وهي نقطة مفصلية، فالعرض بالفعل يمكن أن يقدم على خلفية المسرح السوداء دون تدخل جمالي من مهندس الديكور، ولكن هذا التصرف كان كفيلا بأن يضع الطالب في موقف حرج مع الممتحنين.
استفاد العرض بداهة من النقاش الذي أجراه هنريك إبسن في نهاية الحدث الدرامي بين نورا وهيلمر، والذي اكتشفت من خلاله من هو ذلك الرجل الذي يختلف مظهره عن مخبره، وبناء عليه قررت صفع الباب خلفها، ووجه استفادة العرض بدت في الاتكاء على نفس المنهج وتوجيه نفس الأسئلة وأكثر للمجتمع لتخرج علينا نتائج لا حصر لها وهي طريقة لم يعتدها مشاهدو العروض المصرية، ولكن ما كنت أتعجب له كان يتعلق برغبة كل صناع العرض في التطوير والبناء من خلال ذلك المنهج الحداثي، ففي كل مرة كان يتم فيها تعطيل الحوار كانت الأسئلة أو الوعي المغاير ينتظر تدخل الدراماتورج على اعتبار أنه المسئول الوحيد عن تلك الصناعة الجديدة، وظني أن المسئولية الجمالية مشتركة، ولا بد أن تظهر جوانبها ووعيها من كل الأطراف، كان المتلقي يرى في كل مرة حيرة المخرج أو مهندس الديكور أو حتى نورا نفسها في تفسير هواجسها وطريقة أدائها، وكان على الدراماتورج أن يجيب بأسئلة جديدة أو يهرب من الموقف وينتظر رأي الجمهور، المسألة تتعلق بالإيمان بالعمل ودوره في قلقلة المتلقي، ولو أننا جميعا غير مؤمنين ونمشي في ركاب الدراماتورج صاحب الوعي، فتلك مشكلة مهمة يرجى الانتباه لخطورتها.
في النهاية، هي تجربة تحتاج لاستكمال هواجسها وأحلامها كي تؤثر بالقدر الكبير في جمهورها وتأخذ شرعية الوجود، ولكن صناع العرض نجحوا في قلقلة القضايا المتعلقة بالحدث المقدم، وهو أمر لو تعلمون عظيم.
 

 


أحمد خميس